
رقمنة
أطلقت جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات ‘إنتاج’، ورقة الموقف الثالثة، ضمن سلسلة موجز سياسات الاقتصاد الرقمي والابتكار، بعنوان ‘تقنيات مفتوحة المصدر Open Source Technologies ضرورة استراتيجية لمستقبل الأردن الرقمي’، وذلك بالشراكة مع الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح، في خطوة تعكس توجهاً عملياً نحو ترسيخ التحول الرقمي وتعزيز السيادة التقنية.
وجاء إطلاق الورقة في ظل تحولات عميقة يشهدها الاقتصاد العالمي تقودها وتيرة الابتكار الرقمي المتسارعة، حيث باتت التقنيات مفتوحة المصدر العمود الفقري غير المرئي للعصر الرقمي، بدءاً من أنظمة التشغيل التي تدير غالبية خوادم العالم، وصولاً إلى الأطر التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة، ما يجعلها محفزاً رئيسياً للنمو الاقتصادي وممكناً أساسياً للابتكار.
وفي السياق الأردني، تشير الورقة إلى أن الحكومة اتخذت خطوات أولية مهمة باتجاه تبنّي المصادر المفتوحة، من خلال تشجيع استخدام الحلول مفتوحة المصدر ضمن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، واعتماد معايير مفتوحة مثل واجهات JAAP، إضافة إلى نجاح بوابة “سند” المبنية بالكامل على مكونات مفتوحة المصدر، ما يشكّل نموذجاً عملياً على كفاءة هذه التقنيات في تقديم خدمات حكومية رقمية حديثة تتمحور حول المواطن.
كما تبرز الورقة الدور المحوري للجمعية الأردنية للمصدر المفتوح في دعم هذا التوجه، من خلال تمكين مجتمع المطورين، وتقديم المشورة، والدفاع عن المعايير المفتوحة بما ينسجم مع الرؤية الحكومية.
وتؤكد الورقة أن الأردن يمتلك مجموعة من المقومات التي تعزز فرص نجاح هذا التحول، من بينها قاعدة شبابية رقمية واسعة، وتكليف حكومي واضح يوفر أرضية سياساتية للتغيير، إلى جانب منظومة شركات ناشئة نشطة تعتمد بالفعل على المصادر المفتوحة.
وفي المقابل، تحدد الورقة تحديات رئيسية تشمل فجوات مهارية تخصصية في مجالات التطوير والإدارة والأمن، إضافة إلى عوائق بيروقراطية في المشتريات الحكومية، وقيود تمويلية تتطلب نماذج مستدامة، فضلاً عن اعتبارات أمنية تستدعي تطوير أطر حوكمة متقدمة لسلاسل توريد البرمجيات.
وتؤكد الورقة أن تبنّي تقنيات المصادر المفتوحة لم يعد خياراً تقنياً، إنما ضرورة استراتيجية لتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، مشيرة إلى أن الأردن يقف أمام فرصة فريدة لتسريع تطوره الرقمي وبناء منظومة تقنية نابضة بالحياة وتعزيز موقعه الإقليمي في الاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق، تستعرض الورقة المشهد العالمي للمصادر المفتوحة، حيث تشير التقديرات إلى نمو سوق البرمجيات والخدمات التجارية المبنية على هذه التقنيات من 41.83 مليار دولار في عام 2024 إلى 48.54 مليار دولار في عام 2025، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 16%، مع توقع وصوله إلى 85.6 مليار دولار بحلول عام 2029، رغم أن هذه الأرقام تمثل جزءاً من منظومة أوسع بكثير.
كما تسلط الضوء على الأثر الاقتصادي الكبير للمصادر المفتوحة، إذ قدّرت دراسة صادرة عن مدرسة هارفارد للأعمال عام 2024 القيمة الاقتصادية لها بنحو 8.8 تريليون دولار، وهو ما يعكس الكلفة التي ستتحملها الشركات في حال إعادة بناء هذه البرمجيات من الصفر، حيث سترتفع الكلفة بنحو 3.5 مرات.
وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة للمفوضية الأوروبية أن استثمار 1 مليار يورو في المصادر المفتوحة يولد أثراً اقتصادياً يتراوح بين 65 و95 مليار يورو، وأن زيادة المساهمات بنسبة 10% قد ترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.4% و0.6% سنوياً، إلى جانب إنشاء أكثر من 600 شركة ناشئة.
وتبرز الورقة عدداً من الاتجاهات العالمية المهيمنة، من بينها الحوسبة السحابية الأصلية المعتمدة على مشاريع مثل Kubernetes وDocker وOpenStack، إضافة إلى توسع استخدام الذكاء الاصطناعي عبر منصات مفتوحة مثل TensorFlow وPyTorch، وتطور معايير أمن سلسلة التوريد البرمجية مثل SBOM وSLSA، إلى جانب تنامي دور مكاتب برامج المصادر المفتوحة (OSPO)، حيث تشير بيانات عام 2024 إلى أن 77% من المؤسسات الكبرى لديها هذه المكاتب.
كما تستعرض الورقة تجارب دولية رائدة، من بينها ألمانيا التي أسست مركز السيادة الرقمية ZenDiS وأطلقت مبادرة OpenDesk، وفرنسا التي تعتمد مبدأ “الانفتاح بشكل افتراضي”، والهند التي حققت وفورات بمئات الملايين في قطاع التعليم، والبرازيل التي تبنت معايير الوثائق المفتوحة ODF وعززت سوق الخدمات التقنية المحلية.
وتؤكد الورقة أن البرمجيات مفتوحة المصدر تمثل منفعة عامة تولّد قيمة اقتصادية هائلة، إذ تسهم في خفض عوائق الدخول أمام الشركات، وتسريع الابتكار، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الرقمي، ما يجعلها خياراً استراتيجياً للدول الساعية إلى بناء اقتصادات رقمية قوية ومستدامة.
وتطرح الورقة مجموعة من التوصيات العملية، أبرزها إنشاء المكتب الوطني لبرامج المصادر المفتوحة (OSPO) ضمن وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، وإصدار سياسة وطنية شاملة تُفضّل المصادر المفتوحة في المشتريات الحكومية، وفرض المعايير المفتوحة وتنسيقات الوثائق المفتوحة (ODF)، إضافة إلى تطوير بنى سحابية مفتوحة تضمن سيادة البيانات.
كما تدعو إلى إنشاء صندوق التكنولوجيا السيادية الأردني للاستثمار في المشاريع، وإطلاق برامج وطنية لدعم انتقال الشركات إلى حلول المصادر المفتوحة، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات العالمية، إلى جانب دمج مفاهيم المصادر المفتوحة في المناهج التعليمية، وإطلاق برامج تدريب متخصصة لسد الفجوات المهارية.
وتقترح الورقة خارطة طريق تنفيذية تتضمن ثلاث مراحل، تبدأ خلال 1 إلى 2 سنة بتأسيس البنية المؤسسية، ثم التوسع خلال 3 إلى 5 سنوات عبر إطلاق البرامج والصناديق، وصولاً إلى مرحلة النضج والريادة بعد أكثر من 5 سنوات .
وقال الرئيس التنفيذي لـجمعية إنتاج، المهندس نضال البيطار، إن الورقة تمثل إطاراً عملياً لترجمة التحول الرقمي إلى سياسات تنفيذية واضحة، مشيراً إلى أن السوق العالمي الذي نما إلى 48.54 مليار دولار في 2025 ويتجه إلى 85.6 مليار دولار في 2029 يعكس حجم الفرص المتاحة.
وأضاف أن الاستفادة من القيمة الاقتصادية المقدّرة بـ8.8 تريليون دولار تتطلب بناء منظومة وطنية قائمة على الابتكار والشراكة، مؤكداً أن الأردن قادر على التحول إلى مركز إقليمي فاعل في هذا المجال.
من جهته، أكد المدير التنفيذي للجمعية الأردنية للمصدر المفتوح المهندس عيسى المحاسنة، أن تبني المصادر المفتوحة يشكل مدخلاً أساسياً لتعزيز الاستقلالية الرقمية وخفض الكلف، مستشهداً بالتجارب الدولية التي أظهرت أن استثمار 1 مليار يورو يمكن أن يولد أثراً يصل إلى 95 مليار يورو.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على بناء القدرات المحلية وتطوير الأطر التنظيمية، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من هذه التقنيات وتحويلها إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي .




