مقالات

الكاتبة الأردنية دانة زيدان تكتب لـ ” رقمنة” : عن جريمة التقدّم بالسن …. هل غدونا نخشى تعابير وجوهنا؟

الكاتبة

رقمنة

* دانة زيدان

ثمة شعور مزعج ينتابني كلما تصفحت “انستغرام” ورأيت الملامح المثالية، الصامتة، والخالية من أي تعبير. أجد نفسي محاصرة بين إعلان لمنتج يعد بمقاومة خطوط الجبهة، وآخر يتعهد ب”إصلاح” التجاعيد حول العين؛ تلك التي باتت تُسمّى Crow’s Feet، أو “مخالب الغراب”.

لم يعد التقدّم بالسن مرحلة طبيعية من الحياة، بل خللاً ينبغي تأجيله. ولم تعد الشيخوخة حدثاً بيولوجياً، بل عيباً بصرياً ينبغي إخفاؤه. صرنا نتحدث عن التجاعيد وكأنها مرض مزمن يستدعي وقاية استباقية تبدأ في العشرينيات لتقليل “الأضرار” قدر الإمكان.

نشدّ الجلد، ونحقن الوجوه، ونطارد أي أثر قد يفضح مرور الزمن علينا. والمثير للسخرية أننا قبلنا هذه الأحكام لدرجة أننا صرنا نكيل فيها المديح للمرأة التي تترك شعرها دون صبغة، أو وجهها دون رتوش، ونصفها بالجريئة وكأن الوجه الطبيعي بات آخر أشكال العصيان الصغيرة.

نجحت هذه الصناعة، التي تُقدر بمليارات الدولارات في فرض حرب مفتوحة ضد الشيخوخة. حرب تطالبنا بعكس أثر الوقت، وتحدي الطبيعة.

عن الجمال الذي لا يُشترى..

 هناك نوع خاص من الجمال لا يأتي إلا مع الوقت ؛ ذاك الجمال الذي يستحيل تصنيعه، أو حقنه، أو محاكاته. جمال يكمن في تلك الخطوط الدقيقة حول عيني امرأة ضحكت كثيراً، وبكت كثيراً.

أما ذلك البياض الذي يغزو الشعر، فليس عيباً ينبغي إخفاؤه، بل أثر السنوات التي عشناها بملئها، بكل ما فيها من خيبات وانتصارات.

هذا ليس هجوماً على النساء اللواتي يخترن الإجراءات التجميلية، بل على المعايير التي جعلت من ملامحنا الطبيعية مشروعاً دائماً للإصلاح.

الاعتراض هنا على الثقافة السائدة والتي تُصدّر إلينا يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي والشاشات، فتحوّل هذه الإجراءات من خيار شخصي إلى واجب ضمني.

ثمة فرق شاسع بين أن نختار اجراءً تجميلياً ما بدافع الرغبة الذاتية، وبين أن نفعل ذلك تحت وطأة الضغط المستمر لترميم جزء من الوجه، ونحت جزء آخر، في سباق محموم مع زمن نحاول بيأس طمس آثاره.

لقد وصلنا إلى وقت صار فيه “السماح” للوجه بالتعبير بحرية نوعاً من التمرّد، وصار فيه الطبيعي شاذاً.. وهنا تحديداً تكمن المشكلة الحقيقية.

فالضحك يترك خطوطاً، والغضب يترك عبوساً، والتعب يترك ظلاله تحت العينين. وكلها آثار بات مطلوباً محوها فوراً.

حتى صارت الوجوه تبدو وكأنها صادرة عن القالب ذاته؛ الشفاه ذاتها، والملامح ذاتها، وحتى التعابير ذاتها.

 الابتسامة التي لا يعرفها المشرط (بعد)

 ذات يوم كنت أتذمر أمام مرآتي من “خطوط الابتسامة” حول فمي، وأفتش في مخيلتي عن وسيلة لمحيها أو شدّها. وفي صدفة غريبة قال لي أحدهم -دون أن يعلم قصتي مع المرآة- أنه يحب خطوط الابتسامة في وجهي تحديداً.

أربكتني الفكرة: الشيء الذي كنت أراه عيباً يحتاج إلى محو، رآه شخص آخر كتفصيلة تستحق الإطراء!

دفعني ذلك للتأمل في سخرية الموقف: إن الصناعة ذاتها التي أطلقت مسمى “خطوط الابتسامة” على تلك التجاعيد، هي التي تسوّق لنا اجراءات ومنتجات لمحوها. فلماذا نسعى جاهدات لإخفاء حقيقة أننا عشنا حياة حافلة بالضحك، بدلاً من أن نتباهى بآثارها؟

ربما حان الوقت لنتوقف عن الهوس بكيفية أن نبدو “أصغر سناً”، وننشغل بكيفية أن نبدو “أنفسنا” في كل عمر؛ بملامح تشبهنا، وتحمل بصمات الحياة التي خضناها.

أن ندرك أن تلك الخطوط ليست سوى “الأرشيف” الحي لضحكاتنا مع صديقاتنا على نكات لا يفهمها غيرنا.

وأن تلك “المخالب” حول عيوننا ليست سوى دليل حي على أننا بكينا بصدق، وضحكنا بملء قلوبنا وأحببنا بما يكفي كي يترك الحب أثره علينا.

وأن قضاء ساعات طويلة تحت الشمس، دون التفكير بما ستفعله بوجوهنا لاحقاً، أهم بكثير من الهلع من “بقع العمر” فالحياة تستحق أحياناً بعض التجاعيد.

 اعتراف أخير.. بين القناعة والفخ

 رغم أنني أكتب هذه الكلمات وأنا على تمام القناعة بها، ورغم أنني أرى بكل صدق الجمال الحقيقي في شيب النساء وتجاعيدهن، إلا أنني أجد نفسي أقع في ذات الفخ أحياناً.

فتحت وطأة ضجيج منصات التواصل الاجتماعي وصور الكمال الزائف التي تحاصرنا في كل دقيقة، أجد نفسي أحياناً أتسلل إلى المرآة، أتفحص أثر الوقت على وجهي بقلق.

لذا، فهذه الكلمات ليست موجهة إلى القراء فحسب، بل هي تذكير لي أنا أيضاً.

ثمة شيء حزين في وجهٍ لم يترك الزمن عليه أي أثر

كأنه لم يعش بما يكفي..

 *كاتبة اردنية

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى