
رقمنة
*الاستاذ الدكتور أحمد غندور
تشير إحدى الإحصاءات الحديثة إلى أن 57% فقط من خريجي الجامعات يشعرون بأنهم مستعدون، بدرجات متفاوتة، للمنافسة في سوق العمل مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي.
قد تبدو هذه النسبة مقلقة. لكن السؤال الأهم ليس لماذا يشعر الخريجون بأنهم غير مستعدين، بل ماذا يعني أصلاً أن يكون الخريج مستعداً لسوق العمل في زمن الذكاء الاصطناعي؟
لسنوات طويلة، قامت فلسفة التعليم الجامعي على معادلة واضحة. يتعلم الطالب المعرفة، ويتدرب على المهارات، ثم نختبر قدرته على استخدامها. يكتب تقريراً، يحلل حالة، يطور برنامجاً، يحل مشكلة، أو يقدم توصية. ومن جودة الناتج نستنتج مستوى معرفته وقدرته.
الذكاء الاصطناعي بدأ يكسر هذه المعادلة.
اليوم يستطيع الطالب استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة تقرير، وتحليل البيانات، وتطوير البرمجيات، وتلخيص الدراسات، وبناء الحجج، واقتراح الحلول، وحتى المساعدة في اتخاذ القرار.
وهنا تظهر مشكلة جديدة أمام الجامعات.
إذا قدم الطالب تقريراً ممتازاً، فماذا أثبتنا؟
هل أثبتنا أن الطالب يمتلك المعرفة والقدرة، أم أثبتنا فقط أنه استطاع إنتاج تقرير جيد بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟
هذا ليس سؤالاً عن الغش الأكاديمي. وهو أكبر من مسألة اكتشاف استخدام ChatGPT أو غيره من أدوات الذكاء الاصطناعي.
إنه سؤال عن معنى الكفاءة نفسها.
وفي الوقت الذي تتوسع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي، نجد أن سوق العمل يعطي وزناً متزايداً للحكم البشري، والتعاون، والتعامل مع التغيير، والتفكير النقدي، واتخاذ القرارات الأخلاقية.
وقد يقودنا ذلك إلى استنتاج يبدو متناقضاً للوهلة الأولى.
كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة، أصبح من المهم أن نعرف بصورة أدق ما الذي يستطيع الإنسان نفسه أن يفهمه ويفعله ويبرره.
لذلك لا أعتقد أن الحل يكمن في إضافة مادة جديدة بعنوان “مهارات الذكاء الاصطناعي” إلى الخطط الدراسية ثم الاستمرار في التعليم والتقييم بالطريقة نفسها.
المشكلة أعمق.
السؤال الذي يجب أن تطرحه الجامعة لم يعد فقط
ماذا يعرف الطالب؟
ولا حتى
ماذا يستطيع الطالب أن يفعل؟
بل أصبح
ماذا يستطيع الطالب أن يفعل عندما يكون الذكاء الاصطناعي متاحاً له، وكيف نعرف أن القرار الذي اتخذه يعكس قدرته وحكمه وليس مجرد اقتراح قدمته الآلة؟
من هنا يمكن التفكير في تقييم الخريج من خلال ثلاثة أنواع مترابطة من الأدلة وهي المعرفة والقدرة والتأمل النقدي.
المعرفة تسأل عما يفهمه الطالب.
هل يفهم المشكلة؟ هل يمتلك المعرفة التخصصية المطلوبة؟ هل يدرك قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده؟ هل يعرف مخاطر البيانات والتحيز وعدم اليقين والآثار الأخلاقية؟
القدرة تسأل عما يستطيع الطالب إثباته من خلال العمل.
هل يستطيع التعامل مع مشكلة حقيقية؟ هل يعرف متى يستخدم الذكاء الاصطناعي؟ هل يستطيع التحقق من مخرجاته؟ هل يكتشف الخطأ؟ هل يبحث عن دليل آخر؟ هل يعدل قراره عندما تتغير المعطيات؟
أما التأمل النقدي فيسأل السؤال الذي قد يصبح من أهم أسئلة التعليم الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي
لماذا فعلت ذلك؟
لماذا قبلت توصية الذكاء الاصطناعي؟
لماذا رفضت توصية أخرى؟
ما البدائل التي فكرت فيها؟
ما المخاطر التي أخذتها في الاعتبار؟
وإذا ترتب على القرار ضرر أو خطأ، فمن يتحمل المسؤولية؟
لنأخذ مثالاً بسيطاً.
بدلاً من أن نطلب من طالب إدارة الأعمال كتابة تقرير عن دخول شركة إلى سوق جديد، يمكن أن نضعه أمام حالة حقيقية ونسمح له باستخدام الذكاء الاصطناعي كما سيفعل في بيئة العمل.
نراقب كيف يبحث عن المعلومات، وكيف يتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، وما المعلومات التي يتحقق منها، وما الاقتراحات التي يقبلها أو يرفضها، ثم نطلب منه اتخاذ القرار والدفاع عنه.
هنا لا نقيس قدرته على إنتاج تقرير فقط.
نحن نقيس الإنسان الذي يقف خلف التقرير.
وهذا يقود إلى تحول مهم في مفهوم جاهزية الخريج.
ربما لم يعد السؤال الصحيح هو
ما المهارات التي يمتلكها الإنسان ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال ستتغير باستمرار مع تطور التقنية.
السؤال الأكثر استدامة هو
ما الذي يجب أن يبقى الإنسان قادراً على فهمه وتقييمه وتقريره وتحمل مسؤوليته عندما يعمل مع الذكاء الاصطناعي؟
هنا تصبح الوكالة البشرية جوهر المسألة.
فالخريج في المستقبل لن يعمل بعيداً عن الذكاء الاصطناعي، ولن يكون مطلوباً منه أن ينافسه في سرعة إنتاج النص أو تحليل آلاف البيانات. سيكون مطلوباً منه أن يعرف كيف يعمل معه، وكيف يشكك في مخرجاته، وكيف يضعها في سياقها، وكيف يتخذ القرار، ومتى يرفض توصيته، وكيف يتحمل مسؤولية ما ينتج عن ذلك القرار.
وهذا يضع الجامعات أمام تحدٍ يتجاوز تحديث المناهج.
إذا كانت الجامعة تمنح شهادة تقول إن هذا الخريج مؤهل، فيجب أن تكون لديها أدلة مقنعة على أن الكفاءة التي تشهد بها تعود إلى الخريج، وليس إلى الأداة التي استخدمها.
لذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يفرض علينا فقط إعادة التفكير في طريقة التدريس.
إنه يفرض علينا إعادة التفكير في معنى التعلم، ومعنى التقييم، ومعنى أن نقول إن هذا الإنسان أصبح خريجاً جامعياً مؤهلاً.
وقد يكون السؤال الذي سيحدد مستقبل التعليم العالي بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في نتائجه
في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج الإجابة، كيف نتأكد أن الخريج ما زال يمتلك القدرة على فهمها، والحكم عليها، واتخاذ القرار بشأنها، والدفاع عن قراره، وتحمل مسؤوليته؟
*خبير في تخصص الاعمال الالكترونية




