
إن القيمة الجوهرية للتجديد المبكر تتجاوز الحفاظ على ما تم تحقيقه من مكاسب نقدية لتمد أفقاً زمنياً آمناً لاستكمال المشاريع الوطنية الكبرى التي تتطلب رؤية ممتدة ونفساً إستراتيجياً طويلاً. فقد شهدت الفترة الماضية إطلاق الإستراتيجية الوطنية للاشتمال المالي التي تسعى لزيادة نسبة ملكية البالغين للحسابات المالية إلى 65 % بحلول عام 2028 بالإضافة إلى تدشين رؤية التكنولوجيا المالية والابتكار الرقمي وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وتحديث أطر الرقابة الاحترازية. فهذه الملفات بطبيعتها لا تطبق عبر القرارات الروتينية السريعة بل تحتاج إلى استقرار قيادي يضمن تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة ويوازن بدقة بين تشجيع الابتكار المالي وحماية حقوق المتعاملين وإدارة المخاطر المصرفية.
وفي السياق ذاته ترتبط هذه المرحلة بتعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التي يرأس المحافظ لجنتها الوطنية. وقد أسهمت الجهود الوطنية المشتركة بين مختلف الأجهزة التشريعية والرقابية والتنفيذية في ترسيخ المكانة المرموقة للمملكة في المحافل المالية العالمية وهو إنجاز مؤسسي يبرهن على أن حماية السمعة المالية للدولة هي ركيزة لا تنفصل عن كفاءة الرقابة والالتزام الصارم بالمعايير الدولية. غير أن الحفاظ على هذا المستوى الرفيع يتطلب استمرار العمل وتحديث الأطر التنظيمية وتعميق التنسيق المؤسسي بما يضمن سلامة الجهاز المصرفي وصيانة موقع الأردن في المنظومة المالية الدولية.
وعلى مستوى الفلسفة الاقتصادية تظل استقلالية القرار النقدي المقترنة بالشفافية والمساءلة هي الركيزة الأساسية لحماية الاستقرار المالي. فالسياسة النقدية الناجحة تتطلب اتخاذ القرارات بناءً على قراءات علمية دقيقة للبيانات والمخاطر بعيداً عن الضغوط الظرفية أو الحسابات الضيقة. واستمرارية القيادة تعزز هذه الاستقلالية عندما تقترن بقوة المؤسسة ووضوح أهدافها دون أن يعني ذلك جمود الوسائل؛ فالمطلوب هو ثبات الأهداف العليا ومرونة الأدوات الرقابية والقدرة على التدخل في التوقيت المناسب دون إرباك توقعات الأسواق أو المساس بمصداقية البنك المركزي.
وعند التأمل في أبعاد هذا المشهد يتضح أن الاستقرار النقدي ليس غاية مجردة بحد ذاته بل هو البنية التحتية الصلبة التي ترتكز عليها كافة التطلعات الاقتصادية للمملكة من تجارة واستثمار وتوفير لفرص العمل. فالأسواق المباشرة والقطاعات الإنتاجية تتغذى بالدرجة الأولى على حالة اليقين والثبات التشريعي والتنظيمي وهو ما يُترجم عملياً عبر ثبات أسعار الصرف وحماية أصول المودعين وتأمين بيئة تمويلية موثوقة قادرة على التكيف مع مختلف سيناريوهات التيسير أو التشدد النقدي العالمي.
وفي الخاتمة يمكن قراءة التجديد المبكر لمعالي الدكتور عادل الشركس باعتباره رسالة ثقة متكاملة بمؤسسة البنك المركزي ونهجها العلمي. وهي رسالة تفهمها الأسواق والمستثمرون والمؤسسات الدولية بأن الأردن حريص كل الحرص على استقرار مؤسساته الاقتصادية المرجعية وعدم زجها في دوامات التغيير السريع. فالمرحلة القادمة تتطلب أعلى درجات الجاهزية واليقظة لمواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية ووجود قيادة نقدية مستقرة يمثل حجر الزاوية اللازم لحماية الاستقرار النقدي والمالي وتطوير القطاع المصرفي وترسيخ الثقة الراسخة بالأفق الاقتصادي الأردني.
*خبير في حوكمة البيانات
المصدر : صحيفة الغد اليومية




