الاقتصادالعاب الكترونية

إيرادات الألعاب الإلكترونية تتجاوز 200 مليار دولار ودعوات لاعتبارها فن معاصر

رقمنة

شهدت صناعة الألعاب الإلكترونية تطوراً استثنائياً خلال العقدين الأخيرين انعكس في نمو إيراداتها وتغير نظرة الكثير من المثقفين والنقاد إليها. فمع اقتراب الإيرادات العالمية لهذا القطاع من حاجز 205 مليارات دولار بحلول 2026، تُطرح تساؤلات حول مكانة الألعاب الإلكترونية وإمكانية الاعتراف بها كفن معاصر، أو حتى اعتبارها “الفن الثامن” الذي ينافس الفنون الجميلة التقليدية.

يستند هذا التحول إلى تجربة تفاعلية فريدة تميز الألعاب عن باقي الفنون، إذ يرى محمد البسيمي، مؤسس شركة ترو جيمنج السعودية، أن الألعاب الإلكترونية باتت تجمع بين عناصر الأدب والسرد القصصي، والتصميم البصري، والموسيقى التصويرية، إضافة إلى قدرتها على إشراك الجمهور بشكل مباشر في صناعة التجربة.

ويوضح البسيمي في حديث مع الاقتصادية أن اللاعب في هذا الوسط أصبح شريك فعّال في صياغة الحدث وتطور القصة، مما يخلق طبقة جديدة من التفاعل الفني لا تقدمها السينما أو المسرح أو حتى الأدب.

وتدعم هذه الرؤية مؤشرات اقتصادية قوية؛ فبحسب مؤسسة Newzoo، تتجاوز إيرادات سوق ألعاب الفيديو العالمية قطاعات ثقافية عريقة، حيث وصلت إيرادات السينما عالمياً إلى نحو 33.6 مليار دولار في 2025، والموسيقى المسجلة إلى 31.7 مليار دولار، وقيمة النشر العالمي إلى 122 مليار دولار، بينما احتلت الألعاب الصدارة بقوة في الاقتصاد الإبداعي.

هذا الصعود جعل كبرى استوديوهات هوليوود تتجه لتحويل الألعاب الناجحة إلى أفلام ومسلسلات ضخمة، في وقت بدأت الألعاب هي الأخرى تستعير من أدوات الإخراج والسرد السينمائي.

من جانبه، يرى الناقد السينمائي أحمد العياد أن وصول الألعاب لهذا الحضور لا يشكل تهديداً للفنون الأخرى، ولكنه يدفع نحو تعايش وتكامل، مؤكداً أن المنافسة تدور الآن حول الوقت، والانتباه، والإنفاق، وليس على القيمة الفنية فحسب.

ويضيف أن التاريخ يثبت قدرة كل فن على اكتشاف موقعه في ظل صعود وسائط جديدة، كما حدث مع ظهور السينما والتلفزيون.

المثير للاهتمام أن الاعتراف بالألعاب كفن معاصر لم يعد حكراً على المطورين أو مجتمع اللاعبين فقط. فقد خصصت مؤسسات ثقافية بارزة، منها متحف سميثسونيان للفنون الأمريكية في واشنطن، معارض كاملة عن “فن ألعاب الفيديو”، كما أدرج متحف الفن الحديث في نيويورك ألعاباً ضمن مقتنياته الدائمة.

واعترفت فرنسا رسمياً منذ 2006 بألعاب الفيديو كوسيط فني، ومنحت مصمميها أوسمة الاستحقاق الثقافي، وتتعامل المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) الآن مع الألعاب باعتبارها أعمال إبداعية مركبة تستحق حماية حقوق المؤلف.

هذا الاعتراف الثقافي يدعم الاستثمار في القطاع ويوسع نطاق مشاركة الأجيال الجديدة، ويقول البسيمي إن النظرة الجديدة للألعاب كرافد ثقافي واقتصادي دفعت حكومات وصناديق استثمارية لتهيئة بنية تحتية شاملة، مستشهداً بتوجهات المملكة العربية السعودية الكبرى لبناء مركز عالمي للألعاب والرياضات الإلكترونية.

ويضيف أن كسر الصورة النمطية عن الألعاب كمجرد وسيلة ترفيه عابر فتح السوق أمام فئات عمرية واجتماعية متنوعة، وجذب المواهب الإبداعية من مجالات الموسيقى والرسم والبرمجة والكتابة، ليصبح القطاع في صدارة الصناعات الإبداعية عالمياً.

ولا يقتصر أثر الألعاب على الجانب المادي وحده، فبحسب العياد، الانضمام إلى قائمة الفنون يمنح الألعاب وفرق تطويرها مكانة معنوية ويفتح الباب أمام النقد والدراسة والتعليم والمنح والتحفيزات.

لكنه يؤكد أن القيمة الفنية لا تقاس بضخامة السوق وعدد اللاعبين، “فليس كل لعبة فنا عظيما، كما أنه ليس كل فيلم سينما عظيمة”، ويشدد على المعيار الحقيقي: هل تحمل اللعبة رؤية إبداعية وتقدم تجربة تفاعلية فريدة تترك أثر يتجاوز فكرة التسلية المؤقتة؟.

جولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى