
رقمنة
يمثل الصندوق الأردني للريادة (ISSF) منذ تأسيسه أحد أبرز أدوات المملكة في بناء منظومة ريادة أعمال قادرة على استقطاب الاستثمارات وتعزيز نمو الشركات الناشئة، عبر سد الفجوة التمويلية التي تواجهها، خاصة في المراحل الأولى والمتوسطة، إلى جانب استقطاب صناديق رأس المال الجريء العالمية والإقليمية للاستثمار في السوق الأردني.
وخلال السنوات الماضية، أسهم الصندوق في ترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي للشركات الريادية، مستفيداً من الكفاءات البشرية التي يتمتع بها قطاع التكنولوجيا والاتصالات، وما يوفره من بيئة خصبة للابتكار وريادة الأعمال.
وفي إطار جهوده لتوسيع قاعدة الاستثمارات النوعية وتعزيز ارتباط الشركات الأردنية بالأسواق الإقليمية، أعلن الصندوق الأردني للريادة عن شراكة استثمارية استراتيجية مع صندوق STV (Saudi Technology Ventures)، أحد أكبر صناديق رأس المال الجريء المتخصصة في الاستثمار بالشركات التقنية والذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط، في خطوة ينظر إليها على أنها محطة مفصلية لدعم الشركات الأردنية الواعدة، وتمكينها من الوصول إلى جولات تمويل أكبر وأسواق إقليمية أوسع، وفي مقدمتها السوق السعودي.
وأكد الرئيس التنفيذي لجمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات “إنتاج”، المهندس نضال البيطار، في حديثه لوكالة الانباء الاردنية (بترا) أن هذه الشراكة تمثل نموذجاً واعداً للتكامل الاستثماري العربي، وتعكس ثقة رأس المال الإقليمي بالكفاءات الأردنية في قطاع التكنولوجيا.
وقال البيطار إن الصندوق الأردني للريادة يعد شريكاً أصيلاً في منظومة “إنتاج” كما تتشارك الجمعية مع الصندوق ووزارة الاقتصاد الرقمي والريادة في إدارة منصة StartupsJo الوطنية للشركات الناشئة، ما يجعلها معنية بصورة مباشرة بإنجاح هذه المبادرة وتحقيق أهدافها.
وأضاف أن الاتفاقية تنسجم مع أحد المحاور الرئيسية الثمانية التي تعمل عليها جمعية “إنتاج”، والمتمثل في محور ريادة الأعمال والشركات الناشئة، مؤكداً أن التحديات التي تواجه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ينبغي التعامل معها باعتبارها فرصاً للتكامل الإقليمي أكثر من كونها عقبات.
وأوضح أن أول هذه التحديات يتمثل في بناء قاعدة أوسع من الشركات القابلة للاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو تحدٍ إقليمي يتطلب تنسيقاً بين الأسواق العربية لبناء منظومة متكاملة، لافتاً إلى أن الأردن، بما يخرجه سنوياً من كفاءات تقنية مؤهلة، قادر على أن يكون أحد أهم روافد هذه المنظومة.
وأشار إلى أن التحدي الثاني يتمثل في تحويل التمويل إلى نمو حقيقي وتوسع عابر للحدود، مبيناً أن القيمة الحقيقية للشراكة تكمن في ربط الكفاءة الأردنية بخبرة صندوق STV وشبكة علاقاته الإقليمية، بما يتيح للشركات الناشئة الأردنية الوصول إلى أسواق وفرص استثمارية جديدة، فيما يتمثل التحدي الثالث في ضمان أن يسهم هذا التعاون في بناء قدرات مستدامة تعزز الاقتصاد المعرفي في المنطقة، وليس الاكتفاء بإبرام صفقات تمويلية منفردة.
من جانبه، قال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي إن الاتفاقية تأتي في وقت يشهد تحولاً استراتيجياً في توجه صناديق الثروة السيادية الخليجية نحو الاستثمار في قطاعات التنويع الاقتصادي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات.
وأضاف أن أهمية الاتفاقية تتضاعف في ظل الفجوة التمويلية التي تواجه الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي بالمنطقة، إذ لم تستحوذ هذه الشركات سوى على 1.5 بالمئة من إجمالي تمويل رأس المال الجريء الإقليمي، مقارنة بـ38 بالمئة في الولايات المتحدة و13 بالمئة في الهند، الأمر الذي يجعل هذا القطاع نقطة التقاء بين أولويات الحكومات في بناء بنية تحتية رقمية متقدمة، وأولويات صناديق الاستثمار الباحثة عن فرص النمو المبكر.
وأوضح الصفدي أن الاتفاقية تفتح أمام الشركات الأردنية نافذتين أساسيتين للتوسع، تتمثلان في الاستفادة من شبكة عملاء صندوق STV المؤسسيين في السعودية، واستخدام السوق السعودي كسوق أولي لاختبار الحلول التقنية الأردنية والانطلاق منها إلى أسواق المنطقة.
وأشار إلى أن هذه الفرصة تتعزز مع مؤشرات التعاون الاقتصادي المتنامية بين الأردن والسعودية، حيث تعد المملكة العربية السعودية أكبر مستثمر أجنبي في الأردن، إلى جانب النمو المتواصل في حجم الصادرات الأردنية إلى السوق السعودي، فضلاً عن الاتفاقيات الاستثمارية الثنائية التي تشمل التقنيات المتقدمة ضمن القطاعات ذات الأولوية.
وفيما يتعلق بإمكانية أن تشكل الاتفاقية حافزاً لصناديق استثمارية أخرى للدخول إلى السوق الأردني، قال الصفدي إن هذا الاحتمال قائم، لكنه يعتمد على النتائج العملية التي ستفرزها الشراكة، مبيناً أن دخول أكبر صندوق مستقل لرأس المال الجريء في المنطقة يمنح السوق الأردنية مصداقية إضافية، إلا أن استقطاب صناديق دولية جديدة سيظل مرهوناً بقدرة الشراكة على إنتاج قصص نجاح وصفقات استثمارية قابلة للقياس.
بدوره، أكد خبير التقنية وحوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك أن الاتفاقية تمثل تحولاً استراتيجياً في مسار منظومة ريادة الأعمال الأردنية، وليست مجرد صفقة استثمارية، بل إعلاناً واضحاً بأن السوق الأردني أصبح جزءاً رئيسياً من استراتيجيات التوسع الإقليمي لصناديق رأس المال الجريء.
وقال إن الاتفاقية تعالج واحدة من أبرز التحديات التي واجهت الشركات الناشئة الأردنية خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في فجوة التمويل في المراحل المتقدمة (Growth Stage Funding)، والتي دفعت العديد من الشركات الواعدة إلى تأجيل خطط التوسع أو نقل عملياتها خارج المملكة بحثاً عن مستثمرين قادرين على تمويل مراحل النمو.
وأضاف أن دخول صندوق STV، بما يمتلكه من أصول استثمارية ضخمة وشبكة علاقات واسعة في السوق السعودي، يحول التمويل من مجرد وسيلة لاستمرار الشركات إلى منصة للتوسع الإقليمي، ويوفر للشركات الأردنية فرصة للنفاذ إلى أكبر أسواق المنطقة، مع الاستفادة من الخبرات الاستثمارية والشراكات التي يمتلكها الصندوق.
وأشار العكاليك إلى أن انعكاسات الاتفاقية لن تقتصر على توفير التمويل، بل ستسهم أيضاً في نقل أفضل الممارسات العالمية في الحوكمة والإدارة المؤسسية، وتسريع نمو قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا المالية، وبرمجيات المؤسسات، والتجارة الإلكترونية، بما يعزز قدرة الشركات الأردنية على التحول إلى شركات إقليمية قادرة على خلق فرص عمل نوعية، وزيادة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي.
بترا – رائف الشياب



