
وصُممت هذه المنصة خصيصا من الصفر لاستيعاب اللهجات العربية المتنوعة ومعالجتها؛ ونتيجة لذلك، تخدم “مقسم” اليوم أكثر من 2000 عميل، وتتولى معالجة مئات الملايين من المكالمات بنجاح وكفاءة عالية.
وتأسست منصة “مقسم” برؤية استباقية واجهت تحديات قطاع الأعمال الرقمي، لتتمكن من تحقيق النجاح والاستدامة.
وجاء هذا الابتكار امتدادا لخبرة مؤسسيها، الثنائي جريس وطيفور، اللذين نجحا سابقا في بناء منصة “كاش باشا” الشهيرة للتجارة الإلكترونية ومعالجة مشكلات الشحن المعقدة في المنطقة، قبل أن تنتهي رحلتها بالاستحواذ عليها من قبل مجموعة إماراتية.
وجاء تأسيس “مقسم” لمعالجة عجز أدوات التواصل العالمية عن فهم الأسواق العربية ولهجاتها، وسد فجوة واجهها الرياديان في شركتهما الأولى، في ظل ضعف الدعم التكنولوجي للغة يتحدث بها أكثر من 400 مليون إنسان، ولا يتجاوز محتواها الرقمي 3 %.
ولتجاوز هذا الخلل، طوّر الشريكان حلا سحابيا للاتصالات يربط مئات المدن بأرقام محلية، تحول لاحقا إلى منظومة متكاملة تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة اللغة العربية الحية بلهجاتها الواقعية.
وخلال رحلة السنوات السبع الماضية، استندت “مقسم” في تنافسيتها إلى هويتها المستقلة القائمة على فهم أبعاد اللغة والثقافة العربية من الداخل، وهو ما يعجز أي منتج عالمي تقليدي عن محاكاته مهما بلغت استثماراته، بحسب الشريك المؤسس في الشركة فؤاد جريس.
وقال جريس: “تطورت الشركة اليوم لتقدم منظومة مركز اتصال سحابية متكاملة تعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي صوتيين لإجراء المكالمات واستقبالها وإدارة سير العمل بالكامل، إلى جانب تنظيم التواصل عبر القنوات الرقمية، مثل واتساب، وبناء أنظمة الرد الآلي (IVR)، والتكامل مع أنظمة (CRM). كما تتميز بتقديم تحليلات ذكية للمكالمات تشمل تلخيصها تلقائيا، وفهم مشاعر العملاء، وقياس الجودة، مدعومة بميزة تنافسية فريدة تتمثل في الفهم والوعي الفطري العميق باللغة العربية بلهجاتها المحلية، لضمان تفاعل طبيعي ودقيق دون الحاجة إلى الترجمة الآلية”.
وأشار جريس إلى أن الرحلة لم تكن سهلة، إذ شهدت شركة “مقسم” الناشئة العديد من التحديات، تمثلت في تحديين رئيسين في قطاع الاتصالات.
وتمثل التحدي الأول في التعقيد التنظيمي الشديد واختلاف القوانين والأنظمة الصارمة من دولة إلى أخرى، ما فرض عليها استيفاء جميع المتطلبات من الصفر عند دخول أي سوق جديد. وهو التحدي الذي تجاوزته الشركة بوعي، ليتحول إلى ميزة تنافسية وحصن يحميها من التقليد والمنافسة.
أما التحدي الثاني، فتمثل في الحفاظ على رؤية إستراتيجية بعيدة المدى تركز على بناء بنية تحتية عميقة وتحقيق إيرادات حقيقية تضمن البقاء، بدلا من الانجرار وراء الشهرة السريعة وصخب جولات التمويل المؤقتة.
ورغم التحديات، أكد جريس تطور الشركة ونجاحها، قائلا: “اليوم لدينا حضور في أكثر من 15 دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومكاتب في الأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات ومصر، وفريق يضم أكثر من 150 متخصصا في الهندسة والذكاء الاصطناعي والمنتج والمبيعات والتسويق وخدمة العملاء.
والرقم الذي نعتز به فعلا ليس عدد الموظفين، بل النسبة: فريق بهذا الحجم يخدم نحو 2000 عميل ويعالج مئات الملايين من المكالمات؛ لأننا نؤمن بكثافة المواهب أكثر من عدد المقاعد. وقد تجاوز عدد المكالمات المعالجة 100 مليون مكالمة في عام 2025، وهو حجم يقارب ما تعالجه بعض شركات الاتصالات الرسمية في المنطقة”.
وحول أهمية الاستثمارات التي استقطبتها الشركة وساعدتها على التطور والتوسع، أوضح جريس أن التمويل يمثل “وقودا لتسريع النمو وليس إنجازا بحد ذاته”، لافتا إلى أن “مقسم” نجحت في عكس المعادلة السائدة، من خلال بناء شركة مربحة ومستدامة تنمو عبر إيرادات عملائها، وتستقطب رأس المال لتعزيز توسعها، لا للبقاء على قيد الحياة.
ويتجلى هذا النجاح في نيل ثقة المستثمرين وحصد دعم “الصندوق الأردني للريادة”؛ أكبر صندوق من نوعه في الأردن، برأس مال يبلغ 98 مليون دولار، بتمويل من البنك المركزي والبنك الدولي، والذي جاء بشكل غير مباشر عبر صندوق “بروبيلر” (Propeller) الأردني.
وشكل ذلك دلالة قوية على مراهنة رأس المال المحلي على التقنيات العميقة وتصديرها إقليميا، كما ساهم في تشجيع مستثمرين من السعودية والإمارات والولايات المتحدة على المشاركة في الجولات البذرية وما قبل البذرية، دافعا الشركة نحو نمو إقليمي سريع ومستدام.
وعزا الشريك المؤسس لشركة “مقسم”، سنان طيفور، النجاح المتسارع للشركة إلى سبع ركائز استراتيجية تتمحور حول تقديم حلول عملية لمشكلات واقعية، وبناء برمجيات مبتكرة من الصفر لتلائم الثقافة العربية، دون الاكتفاء بالتعريب السطحي.
وتتكامل هذه الرؤية مع الاستثمار المبكر في الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، واعتماد السرعة الفائقة كميزة تنافسية، إلى جانب استقطاب كفاءات تجمع بين العمق التقني وفهم السوق، والتركيز على التوسع في الأسواق الديناميكية، كالسعودية، بدعم تمويلي إستراتيجي، مع الالتزام بانضباط مالي صارم يفضل الربحية والنمو المستدام على حرق الأموال.
وعن تطويع الشركة للذكاء الاصطناعي في عملياتها، قال طيفور “إن الذكاء الاصطناعي يمثل الهوية الجوهرية لشركة “مقسم”، من خلال وكلاء ذكاء اصطناعي يحاورون العملاء بلهجاتهم المحلية، ويحللون المكالمات لرفع الجودة وخفض التكاليف”.
وأضاف أنه، تماشيا مع رؤية الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، دارون أسيموغلو، حول اختفاء الوظائف وتغيرها بفعل التطور التقني، “تواجه المنطقة العربية تحديا مصيريا للتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومطور لها؛ وذلك لضمان سيادتها الرقمية واللغوية وتجنب الارتهان للخارج”.
ويرى جريس وطيفور أن قطاع التقنية الأردني يتميز بكفاءات هندسية ومواهب بشرية رائدة ومطلوبة عالميا، إلا أن غياب البيئة الحاضنة محليا يستنزف هذه العقول لصالح شركات خارجية، ما يتطلب تحولا جذريا في المنظومة، من مجرد حاضنات للمشاريع الصغيرة إلى مسرعات إقليمية قادرة على دعم الشركات الكبرى والطموحة، وتحويل الابتكارات المحلية إلى منتجات عالمية.
ولتمكين هذا النظام البيئي من المنافسة عالميا، اقترح جريس وطيفور معالجة ثلاث فجوات رئيسية: أولا، توفير رأس مال محلي جريء يستثمر في الأفكار والقناعات دون اشتراط ضمانات بنكية معقدة؛ وثانيا، تبني الشركات الناشئة عقلية التوسع الإقليمي والعالمي منذ اليوم الأول، دون التذرع بصغر حجم السوق المحلي؛ وثالثا، تفعيل دور الحكومة كعميل أول يمنح هذه الشركات عقودها الجدية الأولى كختم ثقة، بدلا من الاكتفاء بدور المنظم والمشغّل.
الغد – ابراهيم المبيضين




