
ويأتي الحديث عن سامسونغ بعدما هدد عشرات الآلاف من الموظفين بتنفيذ إضراب واسع كان قد يعطل جزءا مهما من إنتاج الرقائق والذاكرة الإلكترونية التي يعتمد عليها العالم في الذكاء الاصطناعي والخوادم والهواتف والسيارات الذكية، وتتعلق المشكلة الأساسية بخلافات حادة بين الإدارة والنقابات حول الأجور والمكافآت وتقاسم الأرباح، خاصة بعد الطفرة الهائلة التي حققتها الشركة من الطلب المتزايد على رقائق الذكاء الاصطناعي.
فسامسونغ ليست مجرد مُصنِّع إلكترونيات، بل هي لاعب مركزي في صناعة أشباه الموصلات والذاكرة الرقمية والشاشات والبنية الأساسية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والهواتف والسيارات الذكية وحتى الأنظمة العسكرية الحديثة، في الوقت الحالي.

من الهواتف إلى “القلب الإلكتروني” للعالم
تعتمد معظم الصناعات الرقمية الحديثة على الرقائق الإلكترونية (Semiconductors)، وهي المكونات التي توصف غالبا بأنها “نفط العصر الرقمي”، وتستخدم هذه الرقائق في كل شيء تقريبا، كالهواتف والحواسيب والسيارات ومراكز البيانات والأقمار الصناعية والشبكات العسكرية وأجهزة الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا القطاع تحديدا، تعد سامسونغ واحدة من أكثر الشركات نفوذا في العالم، فالشركة تعد من أكبر منتجي شرائح الذاكرة من نوع “دي رام” (DRAM) و”ناند” (NAND) عالميا، وهي مكونات أساسية لتشغيل مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي والخوادم والحواسيب والهواتف الذكية.
وهذا يعني أن أي خلل في إنتاج سامسونغ قد يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الأجهزة الإلكترونية عالميا، أو إلى نقص في الإمدادات يؤثر على شركات التكنولوجيا الكبرى.
لماذا ترتبط سامسونغ بالأمن القومي؟
لم تعد الرقائق الإلكترونية مجرد مكونات صناعية، بل أصبحت عنصرا إستراتيجيا مرتبطا بالأمن القومي للدول، حيث تؤكد تقارير مراكز الدراسات الأمريكية أن أشباه الموصلات أصبحت عاملا حاسما في القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية للدول الكبرى.
ولهذا السبب دخلت الولايات المتحدة والصين وأوروبا في سباق عالمي محموم للسيطرة على سلاسل توريد الرقائق الإلكترونية.
وفي هذا السياق، تعد سامسونغ جزءا حساسا من توازن القوى العالمي، لأنها واحدة من الشركات القليلة القادرة على تصنيع الرقائق المتقدمة بكميات ضخمة، كما أنها تمثل البديل الأهم لشركة “تي إس إم سي” (TSMC) التايوانية في مجال تصنيع الرقائق المتقدمة (Foundry).
وتكمن خطورة الأمر في أن العالم يعتمد فعليا على عدد محدود جدا من الشركات لإنتاج أكثر التقنيات تقدما، ولذلك فإن أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو عمالية داخل هذه الشركات قد تتحول إلى أزمة عالمية.

الذكاء الاصطناعي زاد من أهمية سامسونغ
مع انفجار تقنيات الذكاء الاصطناعي، تضاعفت أهمية شركات الرقائق الإلكترونية، لأن تشغيل النماذج الذكية يتطلب قدرات هائلة من الذاكرة والمعالجة.
وتوضح تحليلات حديثة أن رقائق الذاكرة عالية النطاق “إتش بي إم” (HBM) أصبحت عنصرا أساسيا في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، بما في ذلك معالجات “إنفيديا” (NVIDIA) و”إيه إم دي” (AMD).
وبينما تتصدر شركة “إس كيه هاينكس” (SK hynix) الكورية سوق “إتش بي إم” (HBM) حاليا، تسعى سامسونغ بقوة لاستعادة موقعها عبر استثمارات ضخمة في الرقائق والذاكرة المتقدمة. وتشير تقارير إلى أن الطلب العالمي على الرقائق قد يصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2030 بفعل توسع الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبنية السحابية. وهذا يجعل سامسونغ لاعبا محوريا ليس فقط في سوق الهواتف، بل في مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي بأكمله.
سامسونغ داخل كل هاتف تقريبا
المفارقة المثيرة أن شركات منافسة مثل آبل تعتمد أيضا على مكونات من سامسونغ. فالشركة تنتج شاشات “أو إل إي دي” (OLED) وشرائح ذاكرة ومكونات إلكترونية تدخل في تصنيع أجهزة شركات أخرى، بما فيها منافسوها المباشرون. وتشير تقارير متخصصة إلى أن سامسونغ و”إل جي” (LG) تهيمنان على نحو 95% من سوق شاشات “أو إل إي دي” عالميا.
وهذا يفسر لماذا ينظر خبراء الاقتصاد والتقنية إلى سامسونغ باعتبارها “بنية تحتية تقنية” أكثر من كونها مجرد علامة تجارية استهلاكية.
ماذا يحدث لو توقفت سامسونغ؟
هذا السؤال لم يعد نظريا بالكامل، خاصة مع التوترات العمالية داخل الشركة، ورغم أن توقفا كاملا للشركة يبدو مستبعدا، فإن مجرد تباطؤ الإنتاج قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الهواتف والحواسيب عالميا، وتأخير إنتاج خوادم الذكاء الاصطناعي، واضطرابات في سوق السيارات الذكية أيضا، ونقص في شرائح الذاكرة المستخدمة في مراكز البيانات، وارتفاع تكاليف شركات التكنولوجيا الكبرى.

لماذا لا تستطيع الدول استبدال سامسونغ بسهولة؟
لأن صناعة الرقائق تعد من أكثر الصناعات تعقيدا في العالم، فبناء مصنع متقدم لأشباه الموصلات قد يكلف عشرات المليارات من الدولارات، ويحتاج سنوات طويلة وخبرات هندسية نادرة.
كما أن سلاسل التوريد العالمية شديدة التعقيد، حيث تعتمد الصناعة على معدات من “إيه إس إم إل” (ASML) الهولندية، ومواد كيميائية من اليابان، وتصميمات أمريكية، وتصنيع في كوريا الجنوبية وتايوان.
ولهذا السبب تنظر الحكومات الغربية إلى شركات مثل سامسونغ باعتبارها أصولا إستراتيجية لا تقل أهمية عن شركات الطاقة أو الصناعات الدفاعية.
الوجه الآخر للأزمة
رغم قوة سامسونغ، فإن الشركة تواجه تحديات كبيرة أيضا، فهي تخوض منافسة شرسة ضد “تي إس إم سي” التايوانية في تصنيع الرقائق المتقدمة، وضد مواطنتها “إس كيه هاينكس” في سوق الذاكرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير تقارير إلى أن سامسونغ استثمرت مئات المليارات في قطاع التصنيع المتقدم، لكنها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بنسبة نجاح الإنتاج مقارنة بـ “تي إس إم سي”.
كما تواجه الشركة ضغوطا مرتبطة بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إذ أصبحت الرقائق الإلكترونية أداة جيوسياسية تستخدمها الدول الكبرى في فرض النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.

وبناء على ذلك، قد يرى المستخدم العادي أن سامسونغ شركة تصنع الهواتف والأجهزة المنزلية، لكن الحقيقة أن الشركة أصبحت جزءا من “الأمن القومي الرقمي” للعالم الحديث.
فخلف الشاشات اللامعة والإعلانات التجارية، تدير سامسونغ شبكة صناعية معقدة تتحكم بجزء كبير من تدفق الرقائق والذاكرة والشاشات التي يعتمد عليها الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة، لم تعد أهمية سامسونغ تُقاس بعدد الهواتف المباعة فقط، بل بقدرتها على إبقاء العالم الرقمي يعمل دون انقطاع.



