
رقمنة
يبرز مشروع إنشاء شبكة السكك الحديدية الوطنية لنقل الفوسفات والبضائع، الحاجة إلى ترسيخ نموذج تكاملي بين هذا المشروع وقطاع النقل البري بالشاحنات، بما يضمن استمرارية عمل القطاعين وتعظيم كفاءة منظومة النقل في المملكة.
ويؤكد أصحاب شركات نقل بالشاحنات، بوضوح تام موقفهم الداعم لأي مشروع وطني يسهم في رفعة الاقتصاد الأردني وتطوير بنيته التحتية، مشددين على أهمية مشروع سكة الحديد في تعزيز تنافسية الصادرات الوطنية من الفوسفات والبوتاس والأسمدة، وموضحين في الوقت نفسه ضرورة التفات صناع القرار إلى آلاف الشاحنات العاملة حاليا على هذه الخطوط، والتي تمثل استثمارات وطنية ضخمة لا يمكن تهميشها أو تجاوزها في أي خطة مستقبلية.
وأشاروا، إلى أهمية إيجاد معادلة توازن دقيقة تضمن تحويل هذا التحدي إلى فرصة حقيقية من خلال إعادة هيكلة القطاع وتوجيهه نحو أنماط جديدة من العمل اللوجستي المكمل لعمل السكك الحديدية، وليس المتصادم معها، مؤكدين في رؤيتهم الإستراتيجية للمرحلة المقبلة ضرورة تبني الحكومة لبرامج إحلال وتحديث مدروسة لأسطول النقل البري، بالتوافق مع ما طرحه وزير النقل معن القطامين في تصريحات له بهذا الخصوص، وبما يتواءم مع متطلبات المرحلة الجديدة التي ستشهد تحولا من النقل الطويل المباشر إلى النقل القصير والمتوسط المدى من محطات التفريغ والتحميل السككية إلى المصانع ومراكز التوزيع النهائية.
وطالبوا بإنشاء مناطق لوجستية متطورة حول محطات القطار لتكون بمنزلة حواضن أعمال جديدة لشركات النقل بالشاحنات، بالإضافة إلى أهمية توفير حوافز استثمارية وإعفاءات جمركية وضريبية تمكن أصحاب الشاحنات الفردية والشركات من تكييف أعمالهم مع الواقع الجديد، وتجنبهم خسائر فادحة قد تعصف باستقرارهم المالي والاجتماعي.
عقود النقل طويلة الأجل
وبحسب السائق والشريك في إحدى شركات النقل أيمن النعيمات، فإن حجم التأثير المتوقع لمشروع السكة على عقود النقل طويلة الأجل التي تبرمها الشركات مع كبريات المؤسسات الصناعية والتعدينية، مشيرا إلى قيام شركته حاليا بإجراء دراسات معمقة لإعادة هيكلة أسطولها وتطوير قدراتها في مجال النقل المتخصص، مثل نقل المواد الخطرة والمبردات والطرود السريعة، وهي المجالات ذاتها التي أشار إليها وزير النقل كفرص بديلة.
وأكد أهمية الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص في تصميم المنظومة اللوجستية الجديدة لضمان تكامل الأدوار وتوزيع المكاسب الاقتصادية بعدالة تسهم في تعزيز النمو الشامل.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، تتجلى تحديات أمام أصحاب الشاحنات الفردية الذين يمثلون الشريحة الأوسع والأكثر هشاشة في هذه المعادلة، حيث يعبر السائق محمد كريشان، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود خلف مقود شاحنته متنقلا بين مناجم الشيدية وميناء العقبة، عن قلق عميق يساوره وزملاءه إزاء مستقبلهم المهني والمعيشي، مبينا حجم الالتزامات المالية والقروض البنكية التي تثقل كواهلهم، والتي اعتمدوا في سدادها على الدخل المتأتي من نقل الفوسفات.
وأشار إلى صعوبة المنافسة مع وسيلة نقل عملاقة كالقطار، قادرة على نقل آلاف الأطنان في رحلة واحدة بتكلفة أقل بكثير مما تتحمله الشاحنة، مناشدا الجهات المعنية ضرورة إيجاد بدائل تشغيلية حقيقية ومستدامة تضمن لهم العيش الكريم وتحمي استثماراتهم البسيطة من الانهيار.
وثمة طروحات تفيد بأن نجاح المشروع لا يرتبط فقط بتقليل الكلف اللوجستية، بل بقدرته على إعادة تنظيم أدوار وسائط النقل المختلفة، بحيث تتولى السكك الحديدية النقل طويل المسافات، فيما تحافظ الشاحنات على دورها في النقل التوزيعي وخدمات “الميل الأخير”، ضمن منظومة متكاملة تدعم النمو الاقتصادي وتحد من أي آثار سلبية على العاملين في القطاع.
ومن هذا المنطلق، تتصاعد الدعوات لإنشاء مجلس وطني أعلى للوجستيات يضم في عضويته ممثلين عن وزارات النقل والأشغال والصناعة والتجارة، بالإضافة إلى نقابة أصحاب الشاحنات وغرف التجارة والصناعة، ليتولى هذا المجلس رسم السياسات العامة وإدارة المرحلة الانتقالية بشفافية ووضوح، واضعا نصب عينيه تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات التحديث الاقتصادي المتمثلة في مشروع السكك الحديدية، وبين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على إعادة هيكلة قطاع النقل البري، ومؤسسا لمرحلة جديدة من العمل اللوجستي المتطور الذي يضع الأردن في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال الحيوي.
الاستفادة من التجارب العالمية
وفي غضون ذلك، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في إدارة مثل هذه التحولات الهيكلية، حيث تمكنت العديد من الدول من دمج قطاع الشاحنات التقليدي في منظومة النقل المتعدد الوسائط من خلال برامج تدريب وتأهيل للسائقين، وتوفير تمويل ميسر لتحديث الأسطول وتوجيهه نحو قطاعات واعدة كالنقل السياحي ونقل المنتجات الزراعية والصناعات الخفيفة، مما يستوجب على الجهات المعنية في الأردن دراسة هذه التجارب واستخلاص الدروس والعبر منها، وتكييفها مع الواقع المحلي بما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة وتقليل التداعيات السلبية إلى أدنى حد ممكن، وهو ما ينسجم مع تأكيدات صانع القرار على السير في الاتجاه الصحيح.
بهذا الخصوص، يطرح الخبير الإستراتيجي في قطاع النقل وسلاسل الإمداد الدكتور محمد خورما، رؤية هندسية تنسجم مع التوجه نحو التكامل الإستراتيجي، حيث يرى أن تأسيس شبكة السكك الحديدية يمثل فرصة ذهبية لإعادة هيكلة قطاع الشاحنات وتخليصه من التشوهات المتراكمة عبر عقود، مضيفا أن انتقال ثقل النقل الثقيل إلى عربات القطار سيخلق فراغا إيجابيا يمكن ملؤه بتفعيل منظومة “الميل الأخير” التي تعد العصب الحقيقي لأي اقتصاد لوجستي حديث.
وبين خورما، أن نجاح هذه الهندسة اللوجستية يعتمد كليا على سرعة استجابة قطاع الشاحنات لتحديث أساطيله وتوجيهها نحو النقل المتخصص والمبرد والتوزيع الذكي، مشيرا إلى ضرورة تأسيس منصات رقمية وطنية تربط مواعيد وصول القطارات بحركة الشاحنات لضمان انسيابية البضائع من المحطة إلى المستهلك النهائي دون هدر للوقت أو الموارد.
كما أكد حتمية تحول هذا التحدي الوجودي المزعوم إلى قاطرة حقيقية تدفع بعجلة الاقتصاد الوطني نحو آفاق تنموية مستدامة، تضع الأردن في صدارة المشهد اللوجستي الإقليمي، وتضمن بقاء الشاحنات كشريك إستراتيجي لا غنى عنه في رسم خريطة المستقبل الاقتصادي للمملكة.
الغد – احمد الرواشدة



