مقالات

الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية أحمد غندور يكتب لـ ” رقمنة” : الرخصة الدولية للقيادة الرقمية (6)….. كيف نقيس السلوك الرقمي الاختبار السلوكي في الرخصة الرقمية؟

رقمنة 

*الاستاذ الدكتور احمد غندور 

تشهد المجتمعات تحولاً رقمياً واسعاً جعل الفضاء الرقمي مساحة مشتركة يستخدمها الناس يومياً للعمل والتعلم والتواصل والوصول إلى الخدمات. هذا التحول خلق فرصاً كبيرة لكنه خلق أيضاً تحديات تتعلق بالسلوك والمسؤولية والأمن والثقة في البيئة الرقمية.

سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية تناقش فكرة تنظيم السلوك في الفضاء الرقمي من خلال نموذج ترخيص يشبه رخصة القيادة في الطرق العامة. الفكرة تقوم على أن استخدام الفضاء الرقمي لم يعد مجرد مهارة تقنية بل أصبح مسؤولية اجتماعية تتطلب معرفة وقواعد وسلوكاً واعياً.

تهدف هذه السلسلة إلى تقديم مفهوم الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL بوصفها مبادرة يمكن أن تتطور إلى معيار وطني ودولي لقياس الكفاءة الرقمية وتعزيز المواطنة الرقمية المسؤولة. في هذا الجزء ننتقل إلى السؤال العملي. كيف نقيس السلوك الرقمي فعلياً.

التحدي هنا واضح.
السلوك لا يُقاس بسهولة مثل المعرفة.
لا يمكن الاكتفاء بسؤال المستخدم ماذا ستفعل.
لأن ما يقوله قد يختلف عما يفعله.

لهذا السبب يعتمد نموذج IDDL على الاختبار السلوكي.

الفكرة بسيطة.
إذا أردت أن تعرف كيف يتصرف المستخدم.
ضعه في موقف يشبه الواقع ثم راقب ما يفعل.

بدلاً من سؤال نظري عن التصيد الإلكتروني
يتم عرض رسالة تحاكي رسالة حقيقية
تحتوي على عناصر مقنعة
اسم مرسل
رابط
طلب إجراء سريع

ثم يبدأ القياس.
هل يفتح الرسالة
هل يتحقق من المصدر
هل يضغط على الرابط
هل يبلغ عنها
هل يتردد
كم يستغرق في اتخاذ القرار

الاختبار هنا لا يقيس الإجابة فقط. يقيس التسلسل السلوكي الذي قاد إلى القرار.

هذا مهم لأن الخطأ الرقمي لا يحدث في لحظة واحدة.
يحدث عبر سلسلة من القرارات الصغيرة.

نفس المنطق يطبق على مواقف أخرى.

محتوى مشكوك فيه يظهر أمام المستخدم
هل يشاركه مباشرة
هل يتحقق
هل يتجاهل

أداة ذكاء اصطناعي تقدم إجابة
هل يقبلها
هل يطلب مصادر
هل يعيد صياغة السؤال
هل يقيّم النتيجة

في كل حالة نحن لا نسأل المستخدم ماذا تعرف. نحن نراقب ماذا تفعل.

هذا يقود إلى عنصر مهم في القياس.
السياق.

السلوك يتغير حسب السياق.
نفس المستخدم قد يتصرف بشكل مختلف تحت ضغط الوقت أو عند وجود عنصر إلحاح أو عند استخدام واجهة مصممة بشكل معين.

لهذا يتم تصميم الاختبارات داخل IDDL لتشمل
عناصر واقعية
توقيت
تسلسل
تشتيت
إشارات قد تدفع المستخدم لاتخاذ قرار سريع

الهدف هو قياس السلوك كما يحدث في الواقع وليس في ظروف مثالية.

كيف يتم التقييم.

يتم بناء نموذج تقييم يعتمد على
الأفعال التي قام بها المستخدم
الأفعال التي لم يقم بها
ترتيب الخطوات
زمن الاستجابة

لا يتم الحكم على نتيجة واحدة فقط
بل على النمط السلوكي الكامل

لهذا قد ينجح المستخدم في مهمة لكنه يُظهر سلوكاً محفوفاً بالمخاطر
وقد يفشل في أخرى لكنه يتخذ قرارات واعية

النظام لا يبحث عن الكمال
بل عن مستوى من الجدارة يمكن الوثوق به

وهنا يتحول التقييم من اختبار إلى تحليل سلوك.

هذا النوع من القياس يفتح باباً مهماً.

بدلاً من إعطاء درجة عامة
يمكن بناء ملف كفاءة يوضح
نقاط القوة
نقاط الضعف
أنماط القرار

هذا الملف لا يستخدم للحكم فقط
بل للتطوير أيضاً

IDDL لا تهدف إلى معاقبة المستخدم
بل إلى فهمه
ومساعدته على التحسن

وفي هذا الإطار يصبح القياس أداة لبناء الثقة وليس فقط أداة للتصنيف.

من المهم أيضاً التأكيد أن هذا النموذج لا يعمل بمعزل عن البيئة الرقمية الأوسع.

تصميم المنصات
الخوارزميات
السياسات

كلها تؤثر على السلوك

لكن ما يمكن قياسه مباشرة هو كيف يتصرف المستخدم داخل هذه البيئة

وهذا ما تركز عليه IDDL

في النهاية
السؤال ليس هل يعرف المستخدم القاعدة
السؤال هل يطبقها عندما يواجه موقفاً حقيقياً

وهنا تكمن قيمة الاختبار السلوكي

في الجزء القادم من سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية ننتقل إلى إطار أوسع
كيف تتكامل مجالات الكفاءة الرقمية الثلاثة
المهارات الرقمية
الأمن السيبراني
وكفاءة الذكاء الاصطناعي
ضمن نموذج واحد متكامل

*خبير في مجال الاعمال الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى