مقالات

الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية أحمد غندور يكتب لـ ” رقمنة” : الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL ….. المفهوم والفلسفة

رقمنة

*الاستاذ الدكتور احمد غندور

تشهد المجتمعات تحولاً رقمياً واسعاً جعل الفضاء الرقمي مساحة مشتركة يستخدمها الناس يومياً للعمل والتعلم والتواصل والوصول إلى الخدمات. هذا التحول خلق فرصاً كبيرة لكنه خلق أيضاً تحديات تتعلق بالسلوك والمسؤولية والأمن والثقة في البيئة الرقمية.

سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية تناقش فكرة تنظيم السلوك في الفضاء الرقمي من خلال نموذج ترخيص يشبه رخصة القيادة في الطرق العامة. الفكرة تقوم على أن استخدام الفضاء الرقمي لم يعد مجرد مهارة تقنية بل أصبح مسؤولية اجتماعية تتطلب معرفة وقواعد وسلوكاً واعياً.

تهدف هذه السلسلة إلى تقديم مفهوم الرخصة الدولية للقيادة الرقمية IDDL بوصفها مبادرة يمكن أن تتطور إلى معيار وطني ودولي لقياس الكفاءة الرقمية وتعزيز المواطنة الرقمية المسؤولة. في هذا الجزء ننتقل إلى توضيح المفهوم بشكل مباشر. ما هي IDDL وما الفلسفة التي تقوم عليها.

تنطلق IDDL من فكرة بسيطة. الفضاء الرقمي مساحة مشتركة عالية الأثر. قرارات الأفراد داخلها لا تبقى محصورة بهم. تمتد آثارها إلى الآخرين. لهذا لا يكفي أن يمتلك المستخدم معرفة تقنية. المطلوب هو قدرة مثبتة على التصرف بشكل مسؤول.

الفلسفة هنا تقوم على الانتقال من المعرفة إلى السلوك. من ما يعرفه المستخدم إلى ما يفعله فعلياً عندما يواجه موقفاً رقمياً حقيقياً.

IDDL ليست برنامج تدريب. وليست منصة تعليم. وليست اختباراً تقليدياً يقيس الحفظ أو الفهم النظري. هي إطار يقيس الجدارة الرقمية من خلال السلوك.

كيف يحدث ذلك.

تعتمد IDDL على مبدأ بسيط. لا نقيس ما يقوله المستخدم عن نفسه. نقيس ما يفعله.

بدلاً من سؤال المستخدم هل تعرف كيف تتعامل مع رسالة تصيد. يتم وضعه في موقف يحاكي رسالة حقيقية ونراقب كيف يتصرف. هل يفتح الرسالة. هل يتحقق من المصدر. هل يضغط على الرابط. هل يتخذ قراراً آمناً.

هذا التحول من التصريح إلى السلوك هو جوهر الفلسفة.

لهذا تم بناء نموذج التقييم في IDDL على ثلاثة أبعاد مترابطة.

المعرفة
وهي الفهم الأساسي للمفاهيم الرقمية

القدرة
وهي تنفيذ مهمة فعلية داخل سيناريو يحاكي الواقع

التفكير
وهي تفسير القرار الذي اتخذه المستخدم ولماذا اتخذه

هذا النموذج لا يبحث عن الإجابة الصحيحة فقط. بل يبحث عن طريقة التفكير والسلوك الذي قاد إلى القرار.

الهدف ليس اكتشاف الخطأ فقط. الهدف فهم كيف يحدث الخطأ.

IDDL لا تنظر إلى المستخدم كعنصر منفصل عن البيئة. تعترف أن السلوك يتأثر بالمنصات والخوارزميات والتصميم. لكنها في الوقت نفسه تركز على ما يمكن قياسه مباشرة. وهو قدرة المستخدم على اتخاذ القرار في سياق واقعي.

لهذا السبب لا تدعي IDDL أنها تحل كل مشكلات الفضاء الرقمي. بل تقدم جزءاً واضحاً من الحل. التحقق من الجدارة الرقمية للمستخدم.

وفي هذا الإطار تصبح IDDL جزءاً من منظومة أوسع تشمل المستخدم والمنصة والسياسة العامة. ليست بديلاً عن الحوكمة. بل مكملة لها.

ماذا تنتج IDDL.

لا تنتج شهادة تقليدية.
ولا تعطي انطباعاً عاماً.

هي تنتج ملف كفاءة رقمي يوضح مستوى المستخدم في مجالات محددة. وتصدر رخصة رقمية لها مدة زمنية محددة ويمكن التحقق منها.

الرخصة قد تكون
نجاح
أو تميز
أو عدم اجتياز

هذا التصنيف لا يهدف إلى التصنيف الاجتماعي. بل إلى توضيح مستوى الجدارة.

الفلسفة هنا واضحة. الثقة لا تُفترض. تُبنى على دليل.

IDDL تعيد تعريف العلاقة بين المستخدم والفضاء الرقمي. لا يكفي أن يكون المستخدم موجوداً. يجب أن يكون قادراً.

السؤال الذي تطرحه IDDL ليس جديداً في جوهره. لكنه جديد في السياق الرقمي.

هل يمكن أن نستمر في الاعتماد على التعليم فقط دون أن نتحقق من القدرة الفعلية.
وهل يمكن بناء ثقة في بيئة رقمية مشتركة دون وجود معيار واضح للجدارة.

في الجزء القادم من سلسلة الرخصة الدولية للقيادة الرقمية ننتقل إلى جانب أكثر عمقاً. كيف يتم قياس السلوك الرقمي عملياً داخل هذا الإطار.

*الخبير في مجال الاعمال الالكترونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى