
رقمنة
*ربى ابو قاعود
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات المعرفية والتكنولوجية، لم تعد المكتبات مجرد مستودعات للكتب أو أماكن هادئة للمطالعة، بل تحوّلت إلى منصات حيوية لإنتاج المعرفة وتبادلها. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الحاضنة الثقافية بوصفه أحد أهم المفاهيم الحديثة التي تعيد تعريف دور المؤسسات الثقافية في بناء المجتمعات.
فالحاضنة الثقافية لا تقتصر على توفير الكتب أو تنظيم الفعاليات، بل هي بيئة فكرية ملهمة تحتضن الأفكار، وتدعم الحوار، وتشجع الإبداع، وتفتح المجال أمام الأفراد لاكتشاف إمكاناتهم الفكرية والمعرفية. وعندما تتبنى المؤسسات هذا الدور، فإنها تتحول إلى قوة فاعلة في بناء مجتمع واعٍ واقتصاد أكثر قدرة على التكيف والابتكار.
في الأردن، يمكن ملاحظة هذا التوجه بوضوح من خلال التجارب الثقافية الرائدة التي تسعى إلى توسيع الوصول إلى المعرفة، ومن أبرزها التجربة التي تقدمها مؤسسة عبد الحميد شومان، التي استطاعت عبر عقود من العمل الثقافي أن تؤسس نموذجًا متقدمًا للمكتبة بوصفها مركزًا للحياة الثقافية والتعلم المستمر.
ومن المبادرات المهمة التي تعكس هذا الدور، اشتراك المؤسسات الثقافية الذي تتيحه المكتبة العامة، حيث يمكن للمؤسسات استعارة ما يصل إلى 200 كتاب من أحدث الإصدارات والمجموعات المعرفية. هذه الخدمة لا توفر الكتب فحسب، بل تفتح المجال أمام المؤسسات لتجديد مكتباتها باستمرار، وتعزيز البرامج الثقافية والتعليمية التي تقدمها لجمهورها.
لكن الأثر الأعمق لمثل هذه المبادرات يكمن في قدرتها على تحويل المكتبات والمؤسسات الثقافية إلى حاضنات فكرية حقيقية. فالمعرفة عندما تصبح متاحة ومتجددة، تتحول إلى قوة دافعة لإنتاج الأفكار وتوسيع آفاق التفكير لدى الأفراد، وهو ما يشكل الأساس الحقيقي لأي نهضة اقتصادية أو اجتماعية.
إن التجارب العالمية تؤكد أن المجتمعات التي تستثمر في المعرفة والثقافة هي الأكثر قدرة على بناء اقتصاد قوي ومتماسك. فالحاضنات الثقافية تسهم في تنمية رأس المال البشري، وتدعم التفكير النقدي، وتعزز روح المبادرة والابتكار. ومن هنا يمكن القول إن الحاضنة الثقافية هي القوة الحقيقية لبناء اقتصاد معرفي مستدام.
كما تلعب هذه الحاضنات دورًا مهمًا في بناء نسيج اجتماعي قائم على الدراية والمسؤولية. فحين يتفاعل الأفراد مع المعرفة، ويتشاركون الأفكار في فضاءات ثقافية مفتوحة، تتعزز قيم الحوار والتفاهم والوعي المجتمعي، وهي عناصر أساسية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتقدم.
إن التجربة الأردنية في هذا المجال تمتلك مقومات كبيرة للتوسع والتأثير، خاصة مع وجود مؤسسات ثقافية رائدة ومبادرات تسعى إلى ربط المعرفة بالواقع، ودمجها في الحياة اليومية للأفراد. وعندما تتكامل جهود المكتبات، والمدارس، والمراكز الثقافية، يمكن أن تتحول هذه المؤسسات إلى شبكة من الحاضنات الثقافية التي تغذي المجتمع بالمعرفة والإبداع.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي أو مجتمع متماسك دون الاستثمار في الثقافة والمعرفة. فالمكتبات التي تتجدد، وتبني الشراكات، وتفتح أبوابها للأفكار الجديدة، لا تكتفي بخدمة القرّاء فحسب، بل تسهم في صناعة مستقبل أكثر وعيًا وإبداعًا.
ومن هنا يصبح تعزيز دور المكتبات بوصفها حاضنات ثقافية خطوة أساسية في ترسيخ التجربة الأردنية في بناء مجتمع معرفي قادر على مواكبة التحديات وصناعة الفرص.
*مدربة ومحاضرة في مجال الريادة والإبتكار




