
رقمنة
*نور خريس
كلما دار الحديث عن صناعة ألعاب الفيديو في الأردن، اتجه النقاش إلى التكنولوجيا وريادة الأعمال والاستثمار والتعليم والرياضات الإلكترونية. وهذه كلها أجزاء أساسية من الصورة، لكن مؤسسة تكاد تغيب عن الطاولة: وزارة الثقافة.
قد يبدو هذا الغياب غريبًا، فالصلة قائمة أصلًا: حق المؤلف، والمصنفات الإبداعية، والذاكرة الثقافية، ودائرة المكتبة الوطنية، كلها تقع ضمن مسؤوليات الوزارة، وكلها تمس ما يصنعه مطورو الألعاب كل يوم.
السؤال، إذن، ليس ما إذا كان لوزارة الثقافة دور في قطاع الألعاب؛ فالدور موجود بحكم الاختصاص. السؤال الحقيقي هو: لماذا بقي هذا الدور محدودًا وغير مرئي؟
اللعبة عمل إبداعي، وليس ملف تقني فقط
اللعبة الحديثة أكثر من تطبيق برمجي. إنها تجمع الشيفرة المصدرية والشخصيات والرسوم والتحريك والموسيقى والمؤثرات الصوتية والحوار والقصة والمشاهد السينمائية والخرائط والواجهات وتصميم اللعب. وقد يشكل كل عنصر من هذه العناصر مصنفًا إبداعيًا قائمًا بذاته.
يحمي قانون حماية حق المؤلف الأردني المصنفات الأصلية في الآداب والفنون والعلوم، ويشمل برامج الحاسوب صراحة. وهذا يعني أن شيفرة اللعبة، إلى جانب كثير من مكوناتها الإبداعية، تقع ضمن إطار الحماية الوطني.
استوديو الألعاب شركة تكنولوجيا، نعم، لكنه ينتج أيضًا مصنفًا إبداعيًا محميًا وقادرًا على حمل هوية البلد وثقافته إلى جمهور واسع.
المكتبة الوطنية أوسع من الكتب
يفهم كثيرون المكتبة الوطنية بوصفها مكانًا للكتب والمخطوطات والدوريات، بينما يتجاوز دورها ذلك. فمن مهام دائرة المكتبة الوطنية اقتناء النتاج الفكري الوطني وتنظيمه والتعريف به، وجمع مواد متعددة الصيغ وحفظ ما يتصل بالتراث الوطني. وفي عصرنا، لا يمكن أن تستثني هذه المسؤولية الأعمال الرقمية.
أقدم مثالًا من تجربتي المباشرة. بدأنا في ميس الورد عام 2003، وبين عامي 2004 و2007 أطلقنا ألعابًا على هواتف نوكيا وسيمنس، وبعناها عبر فاستلينك وموبايلكوم في الأردن، وعبر تيلسل في المكسيك. لا توجد اليوم نسخة رسمية من تلك الألعاب لدى مؤسسة أردنية؛ لا في أرشيف، ولا في متحف، ولا في مكتبة.
إذا أراد باحث في عام 2040 أن يكتب تاريخ البدايات، فسيجد صورًا متفرقة ومقالات صحفية وذكريات أشخاص، لكنه قد لا يجد المنتج نفسه. والبلد الذي يحفظ كتبه ويترك ألعابه تختفي مع أجهزتها القديمة سيكتشف، بعد سنوات، أن أرشيفه الثقافي ناقص.
الحماية موجودة… لكن التوثيق غائب
يوجد داخل دائرة المكتبة الوطنية مكتب لحماية حق المؤلف، وتتمثل مهمته في إنفاذ القانون وحماية النتاج الفكري. وهذا يمس قضايا عملية يعرفها مطورو الألعاب: نسخ الشيفرة من دون إذن، وإعادة استخدام الرسوم أو الشخصيات أو الموسيقى، وتوزيع نسخ مقرصنة، واستعمال محتوى المطور في منتج آخر، والنزاع على ملكية العمل أو نسبته بين الشركاء أو الموظفين السابقين.
ولا تنتهي الملكية الفكرية عند حق المؤلف؛ فالعلامات التجارية وبراءات الاختراع والتصاميم الصناعية تمر عبر الجهات المختصة بالملكية الصناعية. لكن قلب اللعبة الإبداعي، أي شيفرتها وكتابتها وفنها وصوتها وتعبيرها الثقافي، يظل في مساحة ترتبط مباشرة باختصاص وزارة الثقافة.
ومن المهم التمييز بين الحماية والإيداع. فالحماية القانونية لا تبدأ، من حيث المبدأ، بالتسجيل وحده، لكن التوثيق يظل ذا قيمة عملية كبيرة: يبين ماهية العمل، ومن يدعي ملكيته، ومتى وُجدت نسخته المحددة. وفي أي نزاع، قد يصنع التاريخ الموثق فرقًا حاسمًا.
يمكن أن يشمل سجل اللعبة نسخة البناء أو الملف التنفيذي، ووصفها، والفن والنصوص والموسيقى، وقائمة صناعها، ومعلومات الملكية والمساهمين، وتاريخ الإنجاز أو النشر، ورقم الإصدار. أما الإجراءات القانونية المعتمدة حاليًا، فينبغي للمطورين التحقق منها مباشرة لدى مكتب حماية حق المؤلف.
أين البعد الثقافي في الاستراتيجية؟
اعترف الأردن بالألعاب بوصفها فرصة اقتصادية وتقنية، وأقر الاستراتيجية الأردنية للألعاب والرياضات الإلكترونية للأعوام 2023–2027، كما راكم خبرة طويلة في تدريب المطورين ودعم الشركات الناشئة. وكنت شخصيًا جزءًا من هذا الجهد عبر مختبر الألعاب الأردني بين عامي 2011 و2025.
تظهر وزارة الثقافة في الاستراتيجية ضمن الجهات المسؤولة عن حملات التوعية والترويج، وهذا حضور محمود، لكنه لا يرقى بعد إلى سياسة ثقافية واضحة لحفظ الألعاب الأردنية ورعاية بعدها الإبداعي. فما يزال الخطاب العام يؤطر القطاع، في معظمه، بلغة التحول الرقمي والتشغيل والاستثمار.
هذا التأطير ضروري، لكنه غير مكتمل. فاللعبة المستوحاة من البترا، أو حكايات الجدات، أو الأدب العربي، أو عمارة مدينة أردنية، أو ذاكرة حي بعينه، هي منتج اقتصادي وشكل من أشكال التعبير الثقافي في آن واحد.
ولا يعني الدور الثقافي أن تتحكم الوزارة في ما يصنعه المطورون، أو أن توافق على القصص، أو أن تحول الألعاب إلى مواد تعليمية رسمية. المطلوب ببساطة أن تعترف بأن مطور الألعاب الأردني يساهم أصلًا في المشهد الثقافي للبلد.
ما الذي يمكن فعله؟
يمكن لوزارة الثقافة أن تصبح شريكًا فاعلًا عبر خطوات واضحة: إدراج ألعاب الفيديو في السياسة الثقافية الوطنية؛ وإنشاء برنامج للحفظ الرقمي داخل المكتبة الوطنية يبدأ بجمع الألعاب الأردنية المنشورة منذ عام 2003؛ وتعريف المطورين بحقوقهم وآليات التوثيق؛ وتقديم منح إنتاجية للألعاب المستوحاة من التاريخ والتراث الأردني؛ وربط الاستوديوهات بالمتاحف والمؤرخين والكتاب والموسيقيين والفنانين؛ وإشراك المطورين في المهرجانات الثقافية والوفود الرسمية؛ ودعم المحتوى العربي الأصيل، لا الترجمة وحدها؛ وتوثيق تاريخ صناعة الألعاب قبل أن يفقد أصحابه ملفاتهم.
لا تزاحم هذه الخطوات وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أو القطاع الخاص. وزارة الاقتصاد الرقمي تدعم بناء الصناعة، والجهات المعنية بالملكية الصناعية تؤدي دورها، فيما تحفظ وزارة الثقافة البعد الإبداعي وتقدمه بوصفه جزءًا من الذاكرة الوطنية.
السؤال الذي لا ينبغي تأجيله
يتقدم قطاع الألعاب الأردني على أي حال. المطورون يصنعون منتجات، ويدربون شبابًا، ويبنون شركات، ويصلون إلى لاعبين خارج الحدود. والصناعة لا تنتظر إذنًا ثقافيًا كي توجد، لكنها تحتاج إلى مؤسسات ثقافية تفهم ما يُصنع أمامها وتحفظه للأجيال.
لدي لاعب بدأ معنا على هاتف نوكيا قبل اثنين وعشرين عامًا، وما يزال يلعب ألعابنا اليوم على هاتف ذكي. هذا ليس رقمًا في تقرير تشغيل، بل علاقة ثقافية طويلة بين منتج أردني وإنسان.
إذا كانت المكتبة الوطنية مسؤولة عن حفظ الإنتاج الفكري والثقافي للأردن، فلماذا لا تُعامل ألعاب الفيديو الأردنية، حتى الآن، بوصفها جزءًا من هذا السجل الوطني؟
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة ” ميس الورد”




