
غير أن خبراء وسائقين يرون أن نجاح هذا التوجه سيبقى مرهونا بآلية احتساب الاشتراكات وتوزيعها بين السائق والشركات المشغلة، محذرين من أن تحميل السائق كامل الكلفة قد يدفع شريحة واسعة إلى العزوف عن الاشتراك، في ظل ما يتحمله أصلا من عمولات ووقود وصيانة، وترخيص وأقساط للمركبة.
وكانت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي أعلنت، في بيان، أنها بصدد استكمال الترتيبات القانونية والإجرائية لشمول أصحاب المهن والحرف الحرة والعاملين عبر تطبيقات النقل الذكية، ضمن ترتيبات مرنة تراعي طبيعة العمل والدخل المتأتي منه.
وأوضحت المؤسسة أن العاملين عبر تطبيقات النقل والتوصيل يمثلون أولوية في المرحلة المقبلة، نظرا لتعرضهم المستمر لمخاطر حوادث السير وإصابات العمل، مبينة أن السائق سيتمكن من الاختيار بين شرائح بنسبة 50 % أو 75 % أو 100 %، في تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة.
وفي المقابل، سيكون الشمول إلزاميا وكاملا في تأمينات إصابات العمل والأمومة والتعطل عن العمل، فيما لم يحدد البيان موعد بدء التطبيق أو قيمة الاشتراكات، أو الجهة التي ستتحمل حصة صاحب العمل.
وتعكس أحدث بيانات هيئة تنظيم النقل البري، التوسع المتواصل في الاعتماد على خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية، بالتوازي مع زيادة أعداد الشركات والسائقين المرخصين؛ إذ ارتفع عدد المركبات العاملة في القطاع إلى 16,776 مركبة بنهاية الربع الثاني من العام الحالي، بنمو نسبته 21.4 % مقارنة بالربع الأول، فيما بلغ عدد الشركات المرخصة 9 شركات، وفق تقرير الهيئة للربع الثاني من العام الحالي.
كما ارتفع عدد السائقين إلى 14,500 سائق، من إجمالي يقدر بنحو 30 ألف سائق يعملون عبر التطبيقات المرخصة وغير المرخصة، وفق تصريحات سابقة للهيئة، وهو ما يعكس استمرار نمو القطاع واتساع حضوره ضمن منظومة النقل.
وقال خبير التأمينات والحماية الاجتماعية الحقوقي موسى الصبيحي: “إن توجه الضمان يشكل نقطة تحول إيجابية في توسيع قاعدة الحماية الاجتماعية، خصوصا أن العاملين في قطاع النقل والتوصيل، يعدون من أكثر الفئات تعرضا لحوادث الطرق وإصابات العمل”.
وأيد الصبيحي البدء بنظام مرن يتيح للسائق الاختيار بين شرائح 50 % أو 75 % أو 100 %، في تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة، لكنه شدد على ضرورة ألا يتحول الشمول الجزئي إلى وضع دائم ينتقص من الحماية الاجتماعية ويؤثر في قيمة الراتب التقاعدي المستقبلي.
واقترح أن تكون هذه المرونة ضمن مرحلة انتقالية لا تتجاوز ثلاثة أعوام، ينتقل السائق بعدها إلى الشمول الكامل بجميع التأمينات. كما دعا إلى اعتبار حالات العجز الطبيعية والوفاة الطبيعية مشمولة بنسبة 100 % منذ البداية، بما يضمن استكمال مدد الاشتراك اللازمة لاستحقاق راتب العجز أو الوفاة.
وأكد الصبيحي ضرورة أن تبدأ المؤسسة، من الآن بإعداد الأطر التشريعية والأدوات الرقمية التي تتيح الانتقال التلقائي إلى الشمول الكامل بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، إلى جانب الربط الإلكتروني بين مؤسسة الضمان وهيئة تنظيم النقل البري، والشركات المشغلة للتطبيقات.
ورأى أن نجاح النظام يتطلب إلزام المنصات الرقمية بالمساهمة في الاشتراكات، وتبادل البيانات اللازمة لإثبات العمل والدخل، إضافة إلى تخفيف الرسوم والتراخيص التي يتحملها السائق، التي قد تصل – وفق تقديره – إلى نحو 400 دينار سنويا، وتوجيه جزء من هذه الكلفة لدعم الاشتراكات.
من جانبه، أكد مدير بيت العمال حمادة أبو نجمة، أن شمول سائقي التطبيقات الذكية بالضمان الاجتماعي يمثل خطوة ضرورية لحماية حقوقهم، شريطة الاعتراف بهم بوصفهم عمالا تربطهم علاقة عمل بالشركات المشغلة، وعدم التعامل معهم باعتبارهم عاملين مستقلين يتحملون وحدهم أعباء الحماية الاجتماعية.
وأوضح أن شركات التطبيقات تشرف على عمل السائقين وتنظمه وتراقب أداءهم، وتتحكم في توزيع الرحلات وتقييمهم واستمرار حساباتهم، وهي مؤشرات تدل – وفق أبو نجمة – على وجود علاقة تبعية تنظيمية، تستوجب مساهمة الشركات في اشتراكات الضمان الاجتماعي.
وحذر من أن تحميل السائق كامل الاشتراكات سيضيف عبئا جديدا إلى كلف الوقود والصيانة والترخيص وعمولات التطبيقات، وقد يضعف الإقبال على الشمول. وتبلغ الاشتراكات في علاقة العمل التقليدية 21.75 % من الأجر الخاضع للاقتطاع، تتحمل المنشأة منها 14.25 %، فيما يتحمل العامل 7.5 %، في حين لم تعلن مؤسسة الضمان الاجتماعي حتى الآن، آلية توزيع الاشتراكات الخاصة بسائقي التطبيقات.
وأشار أبو نجمة، إلى إمكانية الاستفادة من بيانات الرحلات والسجلات الإلكترونية وأنظمة التطبيقات لإثبات ساعات العمل والدخل وعلاقة السائق بالشركة. كما لفت إلى اعتماد مؤتمر العمل الدولي، في حزيران (يونيو) 2026، الاتفاقية رقم (193) بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، معتبرا أنها تؤسس لمعايير دولية جديدة لحماية حقوق العاملين في هذا القطاع.
ودعا الأردن، بوصفه عضوا في منظمة العمل الدولية ومصادقا على عدد من اتفاقياتها، إلى مواءمة تشريعاته مع هذه المعايير.
بدوره، قال السائق والناشط في الدفاع عن حقوق السائقين يوسف أبو عوده: “إن معظم السائقين لا يستطيعون تحمل أي رسم إضافي بسبب ارتفاع المصاريف التشغيلية”، مشيرا إلى أن السائق يدفع من حصته كلفة الوقود والصيانة والترخيص وقسط المركبة، بعد اقتطاع عمولة التطبيق التي قال إنها تصل – في بعض الحالات – إلى 30 % من قيمة الرحلة.
وقدر أبو عوده أن نسبة كبيرة من السائقين لن تشترك إذا كان الشمول اختياريا وكانوا سيتحملون كلفته كاملة، لافتا إلى أن السائق قد يتوقف عن العمل بسبب حادث أو مرض أو حظر حسابه، من دون أن يحصل على أي تعويض أو دخل بديل.
وأكد أن مطلب السائقين يتمثل في الاعتراف بهم عمالا وتقاسم الاشتراكات مع الشركات، مع مراعاة أن بعض العاملين لديهم اشتراكات قائمة من وظائف أخرى أو أنهم متقاعدون، وهو ما يستدعي وضع ترتيبات مختلفة لهذه الفئات. كما أبدى تخوفه من تكرار تجربة شمول سائقي التكسي، التي يرى أنها لم تحقق إقبالا كافيا.
وفي المقابل، قال سائق التطبيقات رائد حداد: “إنه يستطيع تحمل اشتراك شهري يتراوح بين 15 و20 دينارا”، مبينا أن السائقين يتعرضون باستمرار للتوقف عن العمل من دون تعويض، سواء بسبب الحوادث أو نتيجة حظر الحساب بعد شكوى قد تكون كيدية.
وأضاف أن شريحة من السائقين الشباب، قد تضطر إلى الالتزام بالاشتراك حتى في حال عدم مساهمة الشركات، لأن العمل عبر التطبيقات يمثل مصدر دخلها الوحيد، ولا تمتلك أي حماية تقاعدية، إلا أن ذلك سيشكل عبئا ماليا إضافيا قد يؤدي إلى تعثرها، مطالبا بإلزام الشركات بالمساهمة في الاشتراكات، على غرار المنشآت التي تتحمل الحصة الكبرى من اشتراكات العاملين لديها.
الغد – محمود خضر الشبول




