تقنية المعلوماتذكاء اصطناعي

بين الهوية والذكاء الاصطناعي.. كيف تعيد “العربية” رسم حضورها في العصر الرقمي

رقمنة

 في الوقت الذي تتسارع فيه دول العالم لتطوير نماذجها في مجال الذكاء الاصطناعي، تخوض اللغة العربية تحديا من نوع آخر؛ إذ لم يعد الهدف يقتصر على صون مكانتها التاريخية والحضارية، بل بات يتمثّل في ترسيخ حضورها الفاعل داخل البيئة الرقمية، إذ أصبحت البيانات الركيزة الأساسية لإنتاج المعرفة وصياغة ملامح المستقبل.

ووفق التقرير الذي أعدته وكالة الأنباء السعودية(واس) اليوم السبت، ضمن الملف الثقافي الشهري لاتحاد وكالات أنباء الدول العربية (فانا)؛ “مع أن العربية يتحدث بها أكثر من 400 مليون إنسان، وترتبط بنحو ملياري مسلم بوصفها لغة القرآن الكريم، إلّا أن حضورها على شبكة الإنترنت لا يزال دون مستوى ثقلها الحضاري والديموغرافي”؛ لافتة إلى أن نسبة المواقع التي تقدم محتواها باللغة العربية لا تتجاوز نسبتها 0.6 بالمئة من إجمالي مواقع الويب عالميا، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين انتشار اللغة وحضورها الرقمي، ويحد في الوقت نفسه من فرصها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية.

وأشارت إلى أنه مع تسارع التنافس العالمي لبناء نماذج لغوية وطنية وتعزيز السيادة الرقمية، يزداد الاهتمام بإثراء المحتوى العربي، وتطوير موارده اللغوية، باعتبارهما ركيزة أساسية لضمان قدرة العربية على مواكبة التحولات التقنية، والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد المعرفي.

وفي هذا السياق، أكد رئيس قطاع الحوسبة اللغوية بمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الدكتور عبدالله الفيفي، في حديثه لوكالة الأنباء السعودية (واس)، أن حماية اللغة العربية في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على المحافظة عليها أو نشر الوعي بأهميتها، وإنما أصبحت ترتبط بقدرتها على الحضور الفاعل في البيئة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبين الفيفي أن هذه المرحلة تتطلب إنتاج محتوى عربي موثوق، وتطوير الموارد اللغوية الرقمية، وتأهيل المعلمين والباحثين، وتعزيز استخدام العربية في التعليم والبحث والإنتاج المعرفي، إلى جانب بناء شراكات تجمع اللغويين والتربويين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي؛ بما يضمن مراعاة التطبيقات التقنية لخصائص اللغة العربية وسياقاتها الحضارية والثقافية.

ورأى أن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يمثّل نموذجا وطنيا يقود جهودا متكاملة لتعزيز حضور العربية في البيئة الرقمية، عبر بناء البنية التحتية اللغوية والمعرفية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإعداد المعاجم الرقمية، وإنشاء المدونات اللغوية المقروءة والصوتية الموسومة والمحكمة، التي تشكل قاعدة أساسية لتدريب النماذج اللغوية وتحسين قدرتها على فهم العربية والتعامل مع خصائصها.

وتابع أنه لا تقتصر جهود المجمع على بناء الموارد اللغوية، بل تمتد إلى تطوير معايير ومؤشرات علمية لقياس أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي في اللغة العربية، وإعداد مجموعات اختبار مرجعية للمقارنة بين النماذج المختلفة، إلى جانب تطوير تطبيقات معجمية ذكية تشمل البحث الدلالي، والمعجم العكسي، وتصنيف المعاني، وإثراء المداخل المعجمية بالصوت والصورة والأمثلة والترجمات، بما يحول المعجم العربي إلى منصة معرفية حديثة قابلة للتكامل مع التطبيقات الرقمية.

وأشار إلى أن المجمع يولي اهتماما خاصا ببناء الموارد اللغوية عالية الجودة، وتوثيق اللهجات، وتطوير البيانات الصوتية والمعجمية والمصطلحية، وإتاحتها للباحثين والمطورين، فضلا عن دعم البحث العلمي، وبناء القدرات الوطنية، وتحفيز الابتكار والشركات الناشئة في مجال التقنيات اللغوية، مؤكدا أن مستقبل العربية لن يتحدد بزيادة المحتوى الرقمي وحدها، بل بقدرتها على تحويل المعرفة اللغوية والثقافية إلى موارد رقمية منظمة وموثوقة تسهم في تدريب الأنظمة الذكية، وتمكن العربية من المنافسة بوصفها لغة رقمية فاعلة في الاقتصاد المعرفي وصناعة المستقبل.

*العربية… هوية حضارية تتجاوز حدود التواصل.

لم تكن اللغة العربية عبر تاريخها مجرد وسيلة للتواصل، بل شكّلت وعاء للمعرفة، وحافظة للتراث، وجسرا لنقل العلوم بين الحضارات، واليوم، ومع التحول الرقمي المتسارع، يرى مختصون أن التحدي لم يعد يقتصر على صون سلامة اللغة، وإنما يتمثّل في ترسيخ حضورها داخل البيئة الرقمية، لتبقى لغة قادرة على إنتاج المعرفة والإسهام في صناعة المستقبل.

وأكد الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العربية، الدكتور عبدالحميد مدكور لـ(واس)، أن العربية تحمل إرثا حضاريا عريقا، وتمثل وعاء للفكر والخبرة الإنسانية، وشدد على أن الحفاظ على الهوية يبدأ بتمكين اللغة في التعليم والإعلام والثقافة والإبداع، مع الانفتاح في الوقت ذاته على اللغات الأخرى عبر الترجمة ونقل العلوم، دون أن يكون ذلك على حساب اللغة الوطنية، لافتا إلى أن الدول المتقدمة جعلت من لغاتها الأم أساسا للتعليم وإنتاج المعرفة.

ولا يقتصر تعزيز حضور العربية على المؤسسات اللغوية، بل يمتد إلى الإعلام بوصفه أحد أهم روافد بناء المحتوى العربي الرقمي.

وهنا رأى أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور عثمان فكري، أن الإعلام يؤدي دورا محوريا في ترسيخ مكانة العربية من خلال إنتاج محتوى عربي موثوق، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتطوير العمل الإعلامي، مع الحفاظ على المراجعة البشرية والالتزام بالمعايير المهنية؛بما يضمن جودة المحتوى ودقته.

ويبرز إلى جانب ذلك مسار “رقمنة” التراث العربي والإسلامي بوصفه أحد أهم محاور تمكين العربية في العصر الرقمي.

وأكد أستاذ علم اللغة بجامعة الفيوم الدكتور محمد حامد عجيلة، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية يفتح آفاقًا واسعة لحماية الهوية اللغوية، وتعزيز حضور العربية عالميًا، داعيا إلى توسيع التعاون العربي في هذا المجال، ولا سيما في ظل المبادرات النوعية التي تقودها المملكة العربية السعودية لخدمة اللغة العربية.

ويمتد هذا الاهتمام إلى المحافل الدولية، حيث تتزايد الدعوات إلى توظيف التقنيات الحديثة لخدمة العربية وتعزيز حضورها في المؤسسات الأممية.

وفي هذا السياق، أكد الممثل الدائم للعراق لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الدكتور أسعد تركي سواري في تعليقه لـ”واس”، أن العربية أثبتت عبر تاريخها قدرة استثنائية على استيعاب العلوم والثقافات، داعيا إلى توسيع حضورها في أعمال المنظمة، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الترجمة الفورية، وإتاحة المحتوى العربي على نطاق عالمي.

وفي موازاة ذلك، يرى أستاذ النحو والخبير في المجمع العلمي العراقي الدكتور فاضل السامرائي، أن ما تتميز به العربية من ثراء لغوي وارتباط وثيق بالقرآن الكريم يمنحها قدرة كبيرة على مواكبة التحولات التقنية، مؤكدا أن هذه المزايا ينبغي أن تقترن بتطوير أساليب تعليم اللغة، وتعزيز استخدامها الصحيح في المؤسسات التعليمية والإعلامية؛ حتى تظل حاضرة في مختلف مجالات المعرفة.

وتبرز خصوصية العربية كذلك في ثرائها البلاغي، الذي يمثّل أحد أبرز عناصر تميزها، وفي الوقت نفسه أحد أكبر التحديات أمام النماذج اللغوية الحديثة.

ورأى مختصون أن الصور البلاغية، بما تحمله من دلالات وسياقات ثقافية عميقة، تؤكّد الحاجة إلى بناء موارد لغوية عربية ثرية وعالية الجودة، تُمكّن تطبيقات الذكاء الاصطناعي من فهم النصوص العربية وتحليلها بما يتجاوز المعنى الحرفي إلى أبعادها البلاغية والثقافية.

*الذكاء الاصطناعي… بين فجوة المحتوى وفرص التمكين ورأى خبراء أن التحدي الأكبر الذي يواجه اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بقدراتها اللغوية أو ثرائها المعرفي، وإنما بحجم حضورها الرقمي وجودة البيانات المتاحة لتدريب النماذج اللغوية الحديثة؛ إذ تعتمد هذه التقنيات بصورة أساسية على وفرة المحتوى ودقته وتنوعه، الأمر الذي يجعل الاستثمار في المحتوى العربي ضرورة إستراتيجية، وليس مجرد خيار ثقافي.

وأشار سفير الجمهورية اليمنية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الدكتور محمد جميح، إلى أن العربية تُعد من أكثر اللغات استخدامًا على شبكة الإنترنت، إلا أن حجم المحتوى العربي لا يزال محدودًا مقارنة بعدد مستخدميها؛ إذ لا يتجاوز – بحسب تقديره – بين 1 و3 % من إجمالي المحتوى العالمي، فيما لا تزيد نسبة المواقع الناطقة بالعربية على 0.6 % من إجمالي مواقع الشبكة، وهو ما يحد من كفاءة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في فهم العربية ومعالجة نصوصها، رغم التطور الملحوظ الذي شهدته النماذج اللغوية الحديثة خلال السنوات الأخيرة.

وتقود هذه الفجوة إلى تساؤلات أوسع حول كيفية تحويل الذكاء الاصطناعي من تحدٍ يواجه العربية إلى فرصة لتعزيز حضورها.

وفي هذا الإطار، يرى مدير إدارة المعلومات والاتصال بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) الدكتور محمد الجمني، أن مستقبل العربية لم يعد مرتبطا بحمايتها فحسب، وإنما بقدرتها على الإسهام في الاقتصاد المعرفي العالمي، من خلال تطوير الموارد اللغوية، ومعالجة اللغة الطبيعية، واللسانيات المقارنة، وبناء شراكات فاعلة بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات التقنية، بما يدعم تطوير التعليم والبحث العلمي.

وأكد عدد من المختصين أن تحقيق هذا التحول يبدأ من الاستثمار في التعليم وإعداد أجيال قادرة على إنتاج المعرفة باللغة العربية.

وفي هذا السياق، شدد نائب رئيس مجمع اللغة العربية الأردني ووزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور إبراهيم بدران، على أن تمكين العربية ينطلق من المدرسة والجامعة قبل أن يمتد إلى الإعلام والفضاء الرقمي، داعيًا إلى تعزيز الترجمة والتعريب، وتوحيد المصطلحات العلمية بين المجامع اللغوية العربية.

وفي هذا الاطار أشار إلى مبادرة “ضاد” التي أطلقها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، للمحافظة على مكانة اللغة العربية، وإثراء المحتوى العربي الرقمي، وتشجيع الشباب على إنتاج المعرفة باللغة العربية.

أما على المستوى التقني، فأجمع المختصون على أن جودة البيانات واتساعها تُمثّلان الأساس الحقيقي الذي تُبنى عليه النماذج اللغوية الحديثة.

وفي هذا الإطار، أوضح رئيس المجموعة البحثية المتخصصة في معالجة اللغة الطبيعية العربية وعلوم البيانات بالجامعة الأردنية الدكتور بسام حمو، أن بناء قواعد بيانات عربية واسعة تشمل اللغة العربية الفصحى واللهجات والمصطلحات العلمية سيتيح تطوير تطبيقات أكثر كفاءة في مجالات الترجمة الآلية، والتعليم الإلكتروني، والتلخيص، وتحويل الكلام إلى نص، مع التأكيد على استمرار دور المراجعة البشرية في المجالات المتخصصة.

ولا تقتصر الجهود العربية على تطوير البنية التقنية، بل تمتد إلى بناء كوادر علمية تجمع بين علوم اللغة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، تشير الباحثة المغربية الدكتورة ماجدولين النهيبي، إلى أن عددًا من الجامعات المغربية استحدث برامج أكاديمية تجمع بين اللسانيات والذكاء الاصطناعي، في خطوة تستهدف إعداد كفاءات قادرة على تطوير التقنيات اللغوية العربية.

ورغم هذه الفرص، يحذر مختصون من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يكون على حساب تنمية المهارات اللغوية والإبداعية لدى الأجيال الجديدة.

ويصف رئيس المرصد الموريتاني لحماية اللغة العربية الدكتور يحيى الهاشمي، الذكاء الاصطناعي بأنه “ذو حدين”؛ فمن جهة يسهم في تسريع إنتاج المعرفة وتداولها، ومن جهة أخرى قد يؤدي إلى اتكالية بعض الشباب على المحتوى الجاهز، بما ينعكس سلبًا على مهارات الكتابة والإبداع، مؤكدا أن هذه التقنيات ينبغي أن تبقى في خدمة اللغة العربية لا أن تكون بديلا عنها.

ويتعزز هذا الطرح مع ما يذهب إليه الأكاديمي وعضو مجلس أمناء إذاعة القرآن الكريم التابعة لدار الفتوى اللبنانية منير الحافي، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تسهيل الوصول إلى المحتوى العربي، لكنه لا يزال متأخرا مقارنة بالمحتوى الإنجليزي، الأمر الذي يتطلب استثمارات عربية لتطوير منصات ونماذج لغوية متقدمة، بالتعاون مع كبرى شركات التقنية العالمية، بما يضمن حضورًا أقوى للعربية في فضاء الذكاء الاصطناعي.

وقال الحافي: ” إن أدوات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تبقى وسيلة مساندة للعقل البشري، لا بديلًا عنه”، لافتا إلى أن هذه النماذج لا تزال عاجزة عن استيعاب “روح” النص العربي وسياقه الثقافي بصورة كاملة، وهو ما يجعل المراجعة البشرية ضرورة للحفاظ على دقة المحتوى وجودته، فضلًا عن أهمية إشراك خبراء اللغة العربية ضمن فرق تطوير التطبيقات الذكية لضمان توافقها مع الخصائص اللغوية والثقافية للمجتمعات العربية.

ويجد هذا التوجه صداه لدى مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات الدكتور حسان قطب، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي نجح في تسهيل الوصول إلى المعرفة وتجاوز كثير من الحواجز اللغوية، لكنه يحذر – في الوقت نفسه – من الاعتماد المفرط على أدوات التصحيح والكتابة الآلية، لما قد يسببه ذلك من تراجع في مهارات الكتابة والإبداع، مؤكدا أن حماية العربية في العصر الرقمي تتطلب تعاونًا وثيقًا بين خبراء اللغة ومهندسي البرمجيات والمؤسسات العلمية والثقافية، لوضع خطط علمية تواكب التطور التقني، وتحافظ في الوقت ذاته على أصالة اللغة وعمقها الحضاري.

ويمتد هذا الاهتمام إلى المؤسسات الأكاديمية والثقافية في العالم العربي، إذ أكدت رئيسة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”رجاء ياسين بحري، أن اللسانيات المقارنة تُمثل أداة علمية أساسية لفهم الخصوصيات الثقافية العربية، مشيرة إلى أن العلاقة بين اللغة العربية والذكاء الاصطناعي تشكل في آن واحد تحديا وفرصة تاريخية، في ظل الحاجة إلى تطوير نماذج ذكية تستوعب تعقيدات العربية ولهجاتها، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والتقنية لإنتاج محتوى رقمي يرسخ حضور اللغة العربية في البيئة الرقمية.

*الهوية الثقافية… من حماية اللغة إلى صناعة المعرفة يتفق الخبراء على أن مستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بقدرتها على المحافظة على إرثها الحضاري فحسب، بل بمدى نجاحها في التحول إلى لغة منتجة للمعرفة الرقمية، وقادرة على الإسهام في تطوير التقنيات الحديثة وصناعة المحتوى، بما يعزز حضورها في الاقتصاد المعرفي العالمي.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر الدكتور صالح بلعيد، في حديثه لـ(واس)، أن تحقيق السيادة الرقمية يبدأ من اللغة الأم، مشددا على أن بناء المحتوى العربي ينبغي أن يستند إلى سياسة لغوية عربية موحدة، واستثمارات مستدامة في التعليم والإعلام والبحث العلمي، إلى جانب توحيد المصطلحات العلمية بين المجامع اللغوية العربية.

ورأى أن امتلاك المنصات الرقمية وحده لا يكفي، بل إن السيادة الحقيقية تتحقق بامتلاك البيانات والخوارزميات والموارد اللغوية، داعيًا إلى الانتقال من الطرح النظري إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس تجعل الذكاء الاصطناعي مشروعًا إستراتيجيًا لمستقبل اللغة العربية.

وتنسجم هذه الرؤية مع ما يطرحه مدير إدارة المعلومات والاتصال بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) الدكتور محمد الجمني، الذي رأى أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على حماية العربية، وإنما يتمثل في تمكينها من المنافسة داخل الاقتصاد المعرفي العالمي، عبر تطوير المحتوى الرقمي، ودعم مشروعات الذكاء الاصطناعي، ومعالجة اللغة الطبيعية، والترجمة الآلية، وتعزيز البحث العلمي في التقنيات اللغوية.

وأكد مختصون أن المملكة العربية السعودية تُمثل اليوم أحد أبرز النماذج العربية في دعم اللغة العربية وتمكينها رقميًا، إذ يشيد الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العربية، الدكتور عبدالحميد مدكور، بما أطلقته المملكة من مبادرات ومشروعات نوعية أسهمت في تعزيز حضور العربية إقليميا ودوليا، مؤكدا أن المرحلة المقبلة تتطلب مبادرات عربية مشتركة تجعل العربية أكثر حضورا في التعليم والإعلام والفضاء الرقمي، انطلاقا من أن اللغة لا تحقق نهضتها بذاتها، وإنما بأبنائها عندما يجعلونها لغة العلوم والمعرفة والإبداع.

وفي السياق ذاته، يدعو أستاذ علم اللغة بجامعة الفيوم الدكتور محمد حامد عجيلة، إلى توسيع مجالات التعاون العربي في رقمنة التراث، وتعليم العربية للناطقين بغيرها، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير التطبيقات اللغوية، بما يسهم في ترسيخ الهوية الثقافية وتعزيز الانتماء، ويفتح آفاقا جديدة أمام انتشار العربية عالميًا.

*رسالة تتجاوز الحاضر وبينما تتسارع الثورة الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، تبدو اللغة العربية أمام فرصة تاريخية للانتقال من موقع المتلقي للتقنية إلى موقع الشريك في إنتاجها، مستندة إلى إرث حضاري يمتد أكثر من خمسة عشر قرنا، وثروة معجمية تُقدر بنحو 12 مليون كلمة، وقاعدة بشرية تزيد على 400 مليون ناطق، وهي مقومات تؤهلها لأن تكون لغة للمعرفة والابتكار متى ما عُزّز الاستثمار العلمي، بالعمل العربي المشترك، وبناء منظومة رقمية متكاملة تجعل العربية حاضرة في البيانات والخوارزميات والمنصات والتطبيقات.

وهكذا، فإن الرهان الحقيقي لمستقبل العربية لم يعد يتمثّل في الحفاظ عليها بوصفها لغة تراث فحسب، بل في تمكينها من أن تكون لغةً فاعلة بإنتاج المعرفة، وتطوير التقنيات، وصناعة المحتوى، بما يعزز حضورها في منظومة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي العالمي، ويحفظ في الوقت ذاته هويتها الثقافية ورسالتها الحضارية للأجيال المقبلة.

بترا/فانا – إعداد: طلال بن مشعان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى