
رقمنة
سجلت استثمارات رأس المال الجريء في السعودية نموًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما ارتفعت إلى 1.7 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بنحو 50 مليون دولار في عام 2019، في مؤشر على توسع منظومة الشركات التقنية الناشئة وزيادة الاهتمام الاستثماري بالفرص المتاحة في المملكة.
وقال Luca Barbi، الرئيس التنفيذي للعمليات والشريك العام في STV، إن السوق السعودية تمتلك مقومات لمواصلة النمو خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن المملكة تضم تسع شركات ناشئة تتجاوز قيمة كل منها مليار دولار، بإجمالي تقييمات يبلغ 18 مليار دولار. وتوقع إمكانية ارتفاع عدد هذه الشركات إلى 35 شركة خلال السنوات الخمس المقبلة.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع قاعدة الشركات السعودية التي وصلت إلى مراحل متقدمة من النمو، إلى جانب تزايد أهمية رأس المال الجريء في تمويل المشروعات التقنية وتطوير نماذج أعمال قابلة للتوسع. وفي المقابل، تبرز تحديات تتعلق بتمويل الشركات في مراحل النمو المتوسطة والمتقدمة، وتوفير مسارات واضحة للتخارج، بما يتيح للمستثمرين تحقيق عوائد فعلية وإعادة توجيه رؤوس الأموال إلى فرص جديدة.
نمو استثمارات رأس المال الجريء
ارتفعت استثمارات رأس المال الجريء في السعودية من نحو 50 مليون دولار في عام 2019 إلى 1.7 مليار دولار في عام 2025، وفقًا للأرقام التي عرضها Barbi. ويعكس هذا التغير اتساع النشاط الاستثماري في الشركات الناشئة، وتزايد الاهتمام بتطوير قطاع التقنية في المملكة.
ويأتي نمو الاستثمارات بالتزامن مع توسع الشركات الناشئة في قطاعات متعددة، وزيادة الحاجة إلى تمويل يساعدها على تطوير المنتجات، واستقطاب الكفاءات، وتوسيع قاعدة العملاء، والدخول إلى أسواق جديدة.
وتختلف احتياجات الشركات التمويلية باختلاف مراحل تطورها؛ إذ يركز التمويل المبكر على بناء المنتج واختبار الطلب عليه، بينما تحتاج الشركات التي أثبتت جدوى نماذج أعمالها إلى استثمارات أكبر لدعم التوسع وتعزيز قدراتها التشغيلية.
وتتطلب المحافظة على نمو السوق وجود مصادر تمويل متنوعة تغطي هذه المراحل، إلى جانب بيئة تسمح للشركات الناجحة بالوصول إلى المستثمرين المحليين والدوليين، وتمنحها فرصًا واضحة للنمو وتحقيق العوائد.
السعودية تستهدف 35 شركة مليارية
تضم السعودية تسع شركات ناشئة تتجاوز قيمة كل منها مليار دولار، بإجمالي تقييمات يصل إلى 18 مليار دولار، بحسب Barbi، الذي توقع ارتفاع العدد إلى 35 شركة خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويعكس هذا التوقع أهمية بناء شركات تقنية قادرة على الانتقال من مرحلة النمو الأولي إلى مستويات أكبر من الإيرادات والتوسع، بما يسمح لها بتعزيز حضورها في السوق المحلية والوصول إلى أسواق إقليمية وعالمية.
ولا يرتبط نمو عدد الشركات المليارية بارتفاع التقييمات الاستثمارية وحده، إذ يتطلب استمرار هذا المسار تطوير منتجات قادرة على المنافسة، وتوسيع قاعدة العملاء، وتحسين كفاءة التشغيل، وبناء نماذج أعمال يمكن تكرارها في أسواق مختلفة.
كما أن وصول الشركات إلى تقييمات مرتفعة يضع أمامها تحديات جديدة تتعلق بالحوكمة وإدارة التوسع وتحقيق نتائج مالية تتناسب مع توقعات المستثمرين.
وتحتاج المنظومة كذلك إلى توفير فرص تمويل في المراحل المتقدمة، حتى تتمكن الشركات التي حققت تقدمًا تجاريًا من مواصلة النمو دون أن تواجه نقصًا في رأس المال عند الانتقال إلى مراحل أكبر من النشاط.
فجوة تمويلية في جولات Series B
حدد Barbi جولات التمويل من الفئة الثانية Series B باعتبارها أكبر فجوة تمويلية في السوق السعودية، مشيرًا إلى أن الشركات في هذه المرحلة تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 20 مليونًا و50 مليون دولار.
وتأتي هذه الجولة عادة بعد أن تكون الشركة قد أثبتت وجود طلب على منتجاتها وبدأت في بناء قاعدة عملاء وإيرادات، لتصبح حاجتها الأساسية مرتبطة بتوسيع العمليات وتسريع النمو وتطوير قدراتها التجارية والتقنية.
وتختلف هذه الاحتياجات عن متطلبات التمويل الأولي، إذ تحتاج الشركات إلى مبالغ أكبر لتوسيع فرق العمل، وتعزيز البنية التقنية، وتطوير قنوات البيع، ودخول أسواق جديدة، مع المحافظة على كفاءة الإنفاق.
ويمكن أن يؤدي نقص التمويل في هذه المرحلة إلى إبطاء نمو الشركات التي تمتلك منتجات ناجحة وفرصًا تجارية واضحة، خصوصًا عندما لا تتوافر صناديق استثمارية مستعدة لتقديم تمويل بالحجم المطلوب.
ودعا Barbi الجهات الحكومية والصناديق الاستثمارية طويلة الأجل إلى المساهمة في سد هذه الفجوة، بما يدعم قدرة الشركات السعودية على الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا ويعزز استمرارية نمو منظومة رأس المال الجريء.
ويبرز هذا التحدي أهمية توزيع التمويل على مختلف مراحل دورة حياة الشركة، إذ لا يكفي دعم تأسيس الشركات إذا لم تتوافر الموارد التي تساعد المشروعات الناجحة على التوسع وبناء أعمال أكبر.
المستثمرون الدوليون ومعايير الاختيار
أوضح Barbi أن المستثمرين العالميين يبحثون عن شركات تتمتع بحجم أعمال كبير وربحية واضحة ومسارات تخارج محددة، وهي عوامل تؤثر في قرارات الاستثمار، خصوصًا عند تقييم الشركات التي وصلت إلى مراحل متقدمة من النمو.
ويعني التركيز على حجم الأعمال أن المستثمرين يهتمون بقدرة الشركة على بناء نشاط تجاري واسع وقابل للتوسع، مع وجود طلب فعلي على منتجاتها وخدماتها. كما تمثل الربحية وكفاءة استخدام رأس المال مؤشرين مهمين على قدرة الشركة على تحويل النمو إلى نتائج مالية مستدامة.
أما وضوح مسارات التخارج، فيساعد المستثمرين على تقييم فرص تحقيق العوائد خلال دورة الاستثمار، سواء من خلال الطرح العام الأولي أو عمليات الاندماج والاستحواذ أو بيع الحصص لمستثمرين آخرين.
وأكد Barbi أهمية بناء شركات سعودية تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار، باعتبار ذلك أحد العوامل التي يمكن أن تعزز جاذبية السوق أمام رؤوس الأموال الدولية.
ويعكس هذا التوجه طموحًا لتطوير شركات تقنية ذات حجم وتأثير أكبر، قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية واستقطاب استثمارات ضخمة، مع المحافظة على أساس تجاري يدعم استمرار نموها.
STV تدير أصولًا بقيمة ملياري دولار
تدير STV أصولًا بقيمة ملياري دولار، واستثمرت في نحو 40 شركة منذ تأسيسها، بحسب Barbi. وتوضح هذه الأرقام حجم النشاط الاستثماري للصندوق ودوره في تمويل الشركات الناشئة ودعم توسعها.
وأشار إلى أن STV تدرس قرابة ثلاثة آلاف فرصة استثمارية، مقابل الاستثمار في نحو 30 شركة، بمعدل قبول يبلغ 1% وفق الأرقام التي عرضها.
ويعكس هذا المعدل الانتقائية في قرارات الاستثمار، إذ تخضع الشركات المتقدمة للتقييم قبل اتخاذ قرار التمويل، بما يشمل دراسة السوق والمنتج والفريق المؤسس وإمكانات النمو والمخاطر المرتبطة بالنشاط.
وتتطلب هذه العملية قدرة على التمييز بين الشركات التي تمتلك فرصة حقيقية لبناء أعمال مستدامة وتلك التي قد تواجه صعوبات في الوصول إلى العملاء أو تحقيق نمو تجاري كافٍ.
وتساعد الانتقائية الاستثمارية الصناديق على توجيه مواردها إلى الشركات التي تتوافق مع استراتيجياتها، فيما تظل نتائج الاستثمار مرتبطة بأداء الشركات بعد التمويل وقدرتها على تنفيذ خططها وتحقيق الأهداف التجارية.
الذكاء الاصطناعي يفتح فرصًا استثمارية جديدة
في قطاع الذكاء الاصطناعي، أشار Barbi إلى إطلاق صندوق للاستثمار المبكر مدعوم من Google، يستهدف الشركات الناشئة السعودية التي تمتلك القدرة على التوسع عالميًا.
ويعكس هذا التوجه اهتمامًا متزايدًا بالشركات التي تطور حلولًا تعتمد على الذكاء الاصطناعي، في ظل توسع استخدام هذه التقنيات في قطاعات الأعمال والخدمات الرقمية وتحسين العمليات التشغيلية.
ويتيح الاستثمار المبكر للشركات الحصول على التمويل اللازم لتطوير منتجاتها واختبارها في السوق، مع توفير فرصة للمستثمرين للمشاركة في نمو الشركات منذ مراحلها الأولى.
غير أن بناء شركة قادرة على المنافسة عالميًا يتطلب أكثر من تطوير تقنية جديدة، إذ تحتاج الشركات إلى تحديد مشكلة تجارية واضحة، وبناء منتج يلبي احتياجات العملاء، وتطوير نموذج إيرادات قابل للاستمرار، إلى جانب القدرة على التوسع خارج السوق المحلية.
واستشهد Barbi بشركة Clarity، التي تضم قائمة عملائها شركتي OpenAI وBooking.com، بوصفها مثالًا على الشركات التي تستهدف أسواقًا أوسع وتعمل مع مؤسسات عالمية.
وتبرز هذه الأمثلة أهمية بناء شركات سعودية قادرة على تقديم حلول تتجاوز حدود السوق المحلية، بما يفتح أمامها فرصًا للنمو واستقطاب عملاء دوليين وجذب استثمارات إضافية.
التخارج يعزز استمرارية رأس المال
حدد Barbi ثلاثة مسارات رئيسية للتخارج أمام المستثمرين، تشمل الاكتتابات العامة، والاندماج والاستحواذ، والصفقات الثانوية التي تتيح بيع الحصص إلى مستثمرين آخرين.
ويعد التخارج مرحلة مهمة في دورة رأس المال الجريء، إذ يتيح للمستثمرين تحويل قيمة حصصهم إلى عوائد محققة، ثم إعادة توجيه الأموال إلى فرص استثمارية جديدة.
ويمثل الاكتتاب العام أحد المسارات المتاحة أمام الشركات التي وصلت إلى حجم ونضج يسمحان لها بالإدراج في الأسواق المالية، فيما تتيح عمليات الاستحواذ لشركات أكبر شراء الشركات الناشئة والاستفادة من تقنياتها أو منتجاتها أو قاعدة عملائها.
أما الصفقات الثانوية، فتمنح المستثمرين إمكانية بيع حصصهم لمستثمرين آخرين وفق شروط الصفقة، دون أن يتطلب ذلك بالضرورة طرح الشركة للاكتتاب العام أو بيعها بالكامل.
ودعا Barbi الشركات الكبرى في السعودية إلى الاستحواذ على شركات تقنية ناشئة، بما يدعم الابتكار وينشط سوق الصفقات، ويوفر مسارات إضافية أمام المؤسسين والمستثمرين لتحقيق العوائد.
ويمكن أن تسهم عمليات الاستحواذ في تسريع نمو الشركات الناشئة، من خلال إتاحة الوصول إلى موارد وشبكات توزيع وخبرات تشغيلية أوسع، فيما تستفيد الشركات الكبرى من التقنيات الجديدة والفرق المتخصصة التي طورتها الشركات المستحوذ عليها.
تحويل التقييمات إلى عوائد محققة
أشار Barbi إلى أن الصندوق الأول لـSTV يقع ضمن الربع الأعلى أداءً عالميًا وفق تقييمه، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة لمنظومة رأس المال الجريء السعودية تتمثل في تحويل العوائد الاستثمارية إلى أرباح محققة من خلال عمليات التخارج.
وتوضح هذه الرؤية أن تطور السوق لا يقاس بحجم الاستثمارات التي تدخل الشركات الناشئة فقط، وإنما أيضًا بقدرة الصناديق على تحقيق نتائج استثمارية فعلية، واستعادة رؤوس الأموال، وإعادة استثمارها في شركات جديدة.
فارتفاع تقييم الشركة خلال جولة تمويل لا يعني بالضرورة أن المستثمر حقق عائدًا نقديًا، إذ تظل القيمة الاستثمارية غير محققة إلى أن يتم التخارج من الحصة وفق صفقة تسمح بتحويلها إلى أموال فعلية.
ومن هنا، تبرز أهمية تطوير سوق نشطة للاكتتابات العامة والاستحواذات والصفقات الثانوية، بما يمنح المستثمرين خيارات متعددة للخروج من استثماراتهم، ويزيد قدرة المنظومة على تمويل شركات جديدة.
كما أن نجاح عمليات التخارج يوفر مؤشرات عملية على نضج السوق، ويساعد المستثمرين على تقييم فرص الاستثمار المستقبلية بناءً على نتائج فعلية، إلى جانب توقعات النمو والتقييمات الخاصة.
جولة



