
رقمنة
*وصفي الصفدي
تبدأ الحكاية اليومية المعتادة بنقرة خاطفة على شاشة الهاتف الذكي؛ يختار المستخدم صورة شخصية عادية من ألبوم كاميرته، يرفعها إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويكتب بضع كلمات بسيطة. خلال ثوانٍ معدودة، يكتمل “السحر الرقمي”؛ وتخرج نسخة جديدة تماماً منه، ربما بملابس الثمانينيات الصاخبة، أو كبطل في مشهد سينمائي هوليوودي، أو حتى كشخصية كرتونية تعيش داخل علبة ألعاب بلاستيكية مبهجة. يسارع المستخدم بنشر صنيعته الجديدة على منصات التواصل الاجتماعي.
وخلال أيام وجيزة، تتحول هذه الحركة البسيطة إلى حمى فيروسية تجتاح هواتف ملايين البشر حول العالم، والكل يركض شغفاً وراء نسخته “المُعاد تخيلها”.
ما يبدو للوهلة الأولى مجرد لعبة رقمية أو موضة عابرة يكشف في الواقع عن تحول أوسع في صناعة التكنولوجيا: الصور التي يصنعها المستخدمون أصبحت جزءًا من اقتصاد قائم على الانتباه، والاستخدام، والإعلانات، والاشتراكات، وتطوير منتجات الذكاء الاصطناعي.
من الفلتر إلى الصورة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي
تختلف موجة الصور الحالية عن فلاتر الصور التقليدية. فبدل إضافة تأثير جاهز، تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي إعادة بناء الصورة استنادًا إلى وصف يكتبه المستخدم.
وفي أحدث موجات هذا النوع من المحتوى، انتشر خلال سبتمبر/أيلول 2026 تريند يحول الصور الشخصية إلى صور تبدو وكأنها التقطت في ثمانينيات القرن الماضي، بما يشمل الملابس وتسريحات الشعر والإضاءة والخلفيات والطابع الفيلمي.
وقد ساهمت سهولة إنشاء هذه الصور وشخصيتها العالية في انتشارها على منصات التواصل، فيما بدأت علامات تجارية وشخصيات عامة باستخدام الأسلوب نفسه في محتوى تسويقي.
لكن انتشار تريند معين لا يعني بالضرورة أنه صُمم من شركة تقنية أو بدأ كحملة تجارية. حتى الآن، لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن تريند صور الثمانينيات أُطلق بهدف جمع بيانات المستخدمين.
وهذه نقطة مهمة في التعامل الصحفي مع الظاهرة.
أرقام تكشف حجم السوق
رغم صعوبة قياس كل تريند على حدة، تكشف أرقام الشركات وحركات الاستخدام عن حجم غير مسبوق لإنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي.
بعد إطلاق إمكانات إنشاء الصور في ChatGPT خلال مارس/آذار 2025، أعلنت OpenAI أن أكثر من 130 مليون مستخدم أنشأوا أكثر من 700 مليون صورة خلال أسبوع واحد.
وفي موجة أخرى، أعلنت Google أن نموذجها لتوليد وتحرير الصور Nano Banana تجاوز 500 مليون صورة بحلول سبتمبر/أيلول 2025، ثم تخطى حاجز 5 مليارات صورة في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت OpenAI أن منظومة الصور لديها أصبحت تنتج أكثر من 3 مليارات صورة أسبوعيًا عبر ChatGPT وواجهات GPT-Image.
هذه الأرقام لا تمثل عدد المستخدمين، كما أنها ليست قابلة للمقارنة بصورة مباشرة، لأن الشركات تستخدم فترات وتعريفات مختلفة لقياس الصور المولدة. لكنها تعكس بوضوح حجم الطلب الذي أصبح موجودًا على إنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي.
عندما يتحول الترند إلى أداة لاكتساب المستخدمين
اقتصاديًا، تكمن إحدى أهم فوائد الترندات في قدرتها على جذب أشخاص لم يكونوا يستخدمون المنتج أصلًا.
قد يدخل المستخدم إلى تطبيق للذكاء الاصطناعي لمجرد تجربة صورته بأسلوب الثمانينيات، لكنه قد يكتشف لاحقًا أدوات أخرى ويصبح مستخدمًا منتظمًا للخدمة.
وقد ظهر هذا التأثير بوضوح خلال موجة الصور المستوحاة من أفلام Studio Ghibli في ربيع 2025.
فقد أظهرت بيانات Sensor Tower ارتفاعًا كبيرًا في استخدام ChatGPT وإيراداته داخل التطبيقات بالتزامن مع انتشار موجة الصور، بينما سجلت الخدمة مستويات قياسية من الاستخدام خلال الفترة نفسها.
وبذلك يصبح الترند نوعًا من التسويق الذي ينفذه المستخدمون بأنفسهم.
فكل صورة منشورة تحمل في كثير من الأحيان أثرًا غير مباشر للأداة التي أنتجتها، وكل مستخدم جديد يعيد إنتاج الترند يمكن أن يصبح بدوره قناة للوصول إلى مستخدمين آخرين.
من أين تأتي الأموال؟
لا يعني انتشار صورة أن الشركة تحقق إيرادًا مباشرًا من كل صورة.
القيمة الاقتصادية يمكن أن تأتي من عدة مصادر.
الاشتراكات
يبدأ المستخدم بالتجربة المجانية، ثم قد ينتقل إلى خطة مدفوعة للحصول على عدد أكبر من عمليات الإنشاء أو إمكانات أكثر تقدمًا.
الإعلانات
في منصات التواصل الاجتماعي، قد تكون القيمة الأساسية في زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة، وارتفاع التفاعل، والمحتوى الذي يراه، وبالتالي زيادة الفرص الإعلانية.
وتوضح أرقام Meta حجم هذا الاقتصاد؛ فقد بلغت إيرادات الشركة في 2025 نحو 200.97 مليار دولار، كان نحو 196.18 مليار دولار منها من الإعلانات، وفق بياناتها المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية.
الخدمات التجارية
تحولت نماذج الصور أيضًا إلى منتجات يمكن للشركات والمطورين دمجها في تطبيقاتهم عبر واجهات برمجية مدفوعة.
وهكذا لا تعود الصورة مجرد محتوى اجتماعي، بل تصبح جزءًا من سوق أوسع لخدمات الذكاء الاصطناعي.
لكن ماذا عن البيانات؟
هنا تصبح القصة أكثر حساسية.
عندما يرفع المستخدم صورة إلى أداة للذكاء الاصطناعي، فإنه قد يشارك أكثر من مجرد صورة.
قد تحتوي الصورة على الوجه، أو وجوه أشخاص آخرين، أو أطفال، أو تفاصيل عن المنزل أو المكان أو البيئة المحيطة.
وتختلف سياسات الشركات بشأن كيفية معالجة هذه البيانات.
وتوضح OpenAI أن المحتوى الذي يقدمه مستخدمو خدمات المستهلك، بما في ذلك الصور والملفات، يمكن استخدامه لتحسين النماذج وفق السياسات والإعدادات المعمول بها، مع وجود خيارات للمستخدمين للتحكم في استخدام المحتوى الجديد لتحسين النماذج.
وتوضح Google بدورها أن الصور والملفات التي يشاركها المستخدم مع خدمات Gemini تخضع لسياسات الخصوصية وإعدادات الحساب.
أما Meta فتوضح أن معلومات مثل الصور والفيديوهات ونشاط المستخدم وتفاعلاته تدخل ضمن أنواع المعلومات التي قد تتم معالجتها لتشغيل منتجاتها وتحسينها وتخصيصها والإعلانات وغيرها، وفق السياسة والقوانين المطبقة.
لذلك، فإن السؤال الصحفي الأدق ليس:
هل تسرق الشركات صور المستخدمين؟
بل:
ما الذي تسمح به شروط الخدمة، وكيف تتم معالجة الصور، وما الخيارات المتاحة للمستخدم؟
هل تريند الثمانينيات “فخ” لجمع البيانات؟
لا تتوافر، حتى الآن، أدلة موثوقة تسمح بهذا الاستنتاج.
وقد رصدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD المخاطر المحتملة المتعلقة بالخصوصية والبيانات البيومترية المرتبطة بتريند الصور الرجعية، لكنها لم تثبت أن الترند نفسه كان عملية سرية لجمع بيانات المستخدمين.
والتمييز هنا ضروري: وجود خطر محتمل لا يعني وقوع المخالفة.
كما أن استخدام صورة للوجه لا يعني تلقائيًا أن الشركة تستخدمها كبيانات بيومترية للتعرف إلى هوية الشخص؛ فهذا يعتمد على طريقة المعالجة والغرض منها والإطار القانوني المطبق.
المستخدم أصبح جزءًا من ماكينة التسويق
التحول الأهم ربما يكمن في أن المستخدم لم يعد مجرد مستهلك للإعلان.
هو أيضًا منتج للمحتوى وموزع له.
عندما يصنع شخص صورة بالذكاء الاصطناعي وينشرها، قد يشاهدها عشرات أو مئات الأشخاص. بعضهم سيجرب الأداة نفسها، ثم ينشر نتائجه، وهكذا تتسع الحلقة.
وتدرك منصات التواصل هذه الآلية جيدًا.
فـTikTok، على سبيل المثال، تتعامل مع الاتجاهات الثقافية والمحتوى الذي يصنعه المستخدمون باعتبارهما جزءًا من استراتيجية العلامات التجارية للوصول إلى الجمهور.
وهنا يتحول الترند إلى نوع من التسويق الفيروسي منخفض التكلفة.
شركات الإعلانات تدخل على الخط
لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على المستخدمين الأفراد.
دراسة عالمية أجرتها Adobe وشملت أكثر من 16 ألف صانع محتوى في 2025 أظهرت أن 86% منهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أعمالهم الإبداعية، بينما قال 76% إن هذه الأدوات ساعدت في نمو أعمالهم أو علامتهم الشخصية.
بالنسبة للشركات، يعني ذلك إمكانية إنتاج عدد أكبر من المواد البصرية خلال وقت أقصر، وتجربة أفكار إعلانية متعددة، وتخصيص المحتوى لجمهور محدد.
وبذلك يصبح الترند جزءًا من تحول أوسع في اقتصاد صناعة المحتوى.
هل الترندات بريئة؟
الإجابة ليست أبيض أو أسود.
قد يكون المستخدم الذي يحول صورته إلى نسخة من الثمانينيات مدفوعًا بالفضول والمرح والحنين فقط.
لكن هذا لا يعني أن النشاط الذي يقوم به بلا قيمة اقتصادية.
فالشركات قد تستفيد من زيادة الاستخدام، وجذب مستخدمين جدد، والاشتراكات، والإعلانات، وتطوير المنتجات، والخدمات التجارية.
وفي المقابل، لا توجد أدلة تسمح بتحويل كل تريند إلى قصة عن “مؤامرة” لجمع البيانات.
الأدق هو النظر إلى الترند بوصفه حلقة داخل منظومة اقتصادية رقمية:
محتوى جذاب → مشاركة → انتشار → مستخدمون جدد → زيادة الاستخدام → قيمة تجارية.
السؤال الذي يستحق أن يطرح
ربما لا يكون السؤال:
هل يجب أن أشارك في الترند؟
بل:
ماذا يحدث لصورتي بعد أن أشاركها؟
قبل استخدام أي أداة للذكاء الاصطناعي، ينبغي للمستخدم أن يعرف ما إذا كانت الصورة ستُخزن، ومدة الاحتفاظ بها، وما إذا كان يمكن استخدامها لتحسين النماذج، وما الخيارات المتاحة لتعطيل ذلك، وما إذا كانت الخدمة رسمية وموثوقة.
فالصورة التي يحصل عليها المستخدم مجانًا قد تكون جزءًا من منظومة اقتصادية أكبر بكثير من قيمتها الظاهرة.
الخلاصة
تريندات الصور بالذكاء الاصطناعي ليست مجرد موضة عابرة، لكنها أيضًا ليست دليلًا تلقائيًا على وجود مخطط خفي لجمع بيانات المستخدمين.
إنها تعكس نموذجًا جديدًا تتداخل فيه ثقافة الإنترنت مع اقتصاد الانتباه والذكاء الاصطناعي والإعلانات والبيانات.
المستخدم يصنع الصورة وينشرها. المنصة تحصل على التفاعل. شركة الذكاء الاصطناعي تحصل على الاستخدام. العلامة التجارية تحصل على فرصة تسويقية. وقد تتحول هذه الدورة إلى اشتراكات وإيرادات وخدمات تجارية.
ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية في عصر الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي ليس فقط من صنع الصورة؟، بل أيضًا:
من يستفيد منها، وما القيمة التي تولدها، وما الذي وافق المستخدم على منحه في المقابل؟
* خبير في مجال الاتصالات والتقنية
…………………………………………………………………………………………………………………………
مصادر المقال :
* OpenAI — سياسات استخدام بيانات المستخدم وتحسين النماذج.
* OpenAI — بيانات استخدام وتوليد الصور.
* Google — بيانات استخدام Nano Banana.
* OECD — AI Incidents Monitor.
* Reuters — بيانات استخدام ChatGPT خلال موجة صور Ghibli.
* Sensor Tower — بيانات الاستخدام والإيرادات.
* Meta — التقرير السنوي وبيانات الإيرادات الإعلانية.
* TikTok — تقارير الاتجاهات والاستخدام التجاري.
* Adobe — دراسة الذكاء الاصطناعي بين صناع المحتوى.
*خبير في مجال التقنية والاتصالات




