
رقمنة
اعتادت الشركات الناشئة على التعامل مع الجولة الاستثمارية باعتبارها وقوداً للنمو والتوسع. تجمع الشركة رأس مال جديداً لتوظيف المزيد من الموظفين، ودخول أسواق جديدة، وبناء فرق المبيعات، وتوسيع قدرتها التشغيلية، ثم تنتقل مع نموها من جولة Seed إلى Series A ثم Series B، وفق مسار استثماري يرتبط عادة بتطور المنتج والسوق.
هذا التصور بدأ يتغير مع صعود شركات الذكاء الاصطناعي، التي أعادت تشكيل العلاقة بين رأس المال وعدد الموظفين والمنتج والبنية التحتية. وأصبح من الممكن أن تحصل شركات صغيرة جداً من حيث عدد العاملين على جولات استثمارية وتقييمات كانت ترتبط سابقاً بشركات تضم آلاف الموظفين وعشرات المنتجات.
التغير لا يتعلق فقط بارتفاع أحجام التمويل، وإنما يمتد إلى طبيعة ما يموله المستثمرون داخل الشركة نفسها. ففي بعض الحالات، أصبح رأس المال يذهب إلى مجموعة من الباحثين وقدرتهم على بناء تقنية متقدمة، وفي حالات أخرى يذهب الجزء الأكبر إلى الحوسبة والرقائق ومراكز البيانات والطاقة، مع اعتماد الشركات على فرق أصغر قادرة على إنتاج قدرات أكبر باستخدام الذكاء الاصطناعي.
جولات تمول القدرة التقنية
تقدم شركة Lab Machines Thinking، التي أسستها ميرا موراتي، أحد الأمثلة الواضحة على هذا التحول.
جمعت الشركة ملياري دولار في أول جولة لها خلال عام 2025، عند تقييم بلغ 12 مليار دولار، في وقت لم يكن لديها منتج معلن في السوق، وفق المادة محل البحث.
القيمة التي جذبت المستثمرين في هذه الحالة لم تكن مرتبطة بإيرادات قائمة أو منتج أثبت نجاحه تجارياً، وإنما بفريق الشركة الذي يضم عدداً من الباحثين السابقين في OpenAI، إلى جانب خطة لبناء نماذج متقدمة تحتاج بطبيعتها إلى قدرات حوسبية كبيرة.
ويختلف هذا النموذج عن الصورة التقليدية لجولة Seed، حيث يكون المنتج في مرحلة مبكرة ويحتاج إلى تمويل لاختباره وتطويره، ثم تأتي جولات أكبر بعد إثبات قدرته على جذب المستخدمين وتحقيق الإيرادات.
في نموذج شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يمكن أن يأتي التمويل الضخم قبل إطلاق المنتج، لأن المستثمرين يمولون الفريق والقدرة البحثية والبنية التحتية المطلوبة للوصول إلى اختراق تقني مستقبلي.
الموهبة تتحول إلى أصل رأسمالي
هذا التحول يقود إلى تغير أساسي في طريقة تقييم شركات التكنولوجيا.
في النماذج السابقة، كان رأس المال يستخدم لبناء المنظمة تدريجياً. تحتاج الشركة إلى المال لتوظيف المهندسين، وتشكيل فريق المبيعات، وإنشاء الإدارات المختلفة، ثم توسيع العمليات مع نمو الإيرادات.
في بعض شركات الذكاء الاصطناعي، أصبحت مجموعة محدودة من الباحثين ذوي الخبرة العالية تمثل جزءاً كبيراً من قيمة الشركة نفسها.
وتظهر Superintelligence Safe الصورة بصورة أوضح، إذ وصلت الشركة التي أسسها إيليا سوتسكيفر إلى تقييم بلغ 32 مليار دولار قبل بناء نشاط تجاري تقليدي، فيما حاولت Meta الاستحواذ عليها واستقطاب مؤسسيها.
وبذلك أصبحت مجموعة محدودة من الباحثين ذات قيمة استراتيجية مرتفعة، وتحولت قدرة الفريق على تطوير نماذج متقدمة إلى أحد الأصول الرئيسية التي ينظر إليها المستثمرون عند تقييم الشركة.
شركات صغيرة بتقييمات ضخمة
كان عدد الموظفين لسنوات مؤشراً مهماً على حجم الشركة وقدرتها على تنفيذ خططها.
أما شركات الذكاء الاصطناعي فتقدم نموذجاً مختلفاً، إذ يمكن لشركة تضم عشرة أو عشرين باحثاً من المستوى الأعلى أن تحصل على تقييم كان يتطلب سابقاً شركة تضم آلاف الموظفين وعدداً كبيراً من المنتجات.
ويرتبط ذلك بارتفاع إنتاجية الفرق الصغيرة، مع اعتمادها على أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرات النماذج المتقدمة في تنفيذ أجزاء من الأعمال البرمجية والتحليلية والإنتاجية.
وبالتالي لم يعد حجم الفريق وحده مؤشراً كافياً على حجم القيمة التي يمكن للشركة إنتاجها، بعدما أصبح عدد محدود من الموظفين قادراً على التعامل مع نطاق أوسع من المهام باستخدام التكنولوجيا والحوسبة.
الحوسبة تعيد توجيه رأس المال
رغم أن شركات الذكاء الاصطناعي تستطيع العمل بعدد أقل من الموظفين، فإن ذلك لا يعني انخفاض حاجتها إلى رأس المال.
التحول يحدث في المكان الذي يذهب إليه رأس المال.
تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها يتطلب رقائق متقدمة، ومراكز بيانات، وطاقة، وعقود حوسبة يمكن أن تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.
ولهذا أصبحت شركات الذكاء الاصطناعي تجمع بين خصيصتين تبدوان متناقضتين في النموذج التقليدي؛ فهي خفيفة من ناحية العمالة، وثقيلة من ناحية رأس المال المطلوب لتشغيل التقنية.
ويعني ذلك أن الدولار الإضافي الذي تحصل عليه الشركة لم يعد يذهب بالضرورة إلى توظيف عدد أكبر من الموظفين، وإنما يمكن أن يتحول إلى وحدات معالجة رسومية، وقدرات حوسبة، وبيانات، وبنية تحتية لازمة لتدريب النماذج وتشغيلها.
Cursor تقدم نموذجاً مختلفاً
على الجانب الآخر، تقدم شركة Cursor نموذجاً تجارياً مختلفاً لهذا التحول.
في بداية عام 2025، كانت الشركة تضم نحو 60 موظفاً فقط، لكنها وصلت إلى 100 مليون دولار من الإيرادات السنوية المتكررة، ثم جمعت 900 مليون دولار عند تقييم بلغ 10 مليارات دولار.
وفي عام 2026، تحركت SpaceX للاستحواذ عليها بقيمة 60 مليار دولار، في صفقة ارتبط جزء من منطقها أيضاً بمنح Cursor قدرة أكبر على الوصول إلى الحوسبة التي تحتاج إليها.
وتكشف Cursor عن جانب آخر من العلاقة الجديدة بين الذكاء الاصطناعي ورأس المال. فبينما تحتاج شركات مثل Machines Thinking إلى مليارات الدولارات قبل الوصول إلى منتج بسبب تكلفة بناء التقنية نفسها، استطاعت Cursor بناء إيرادات كبيرة بفريق صغير، مستفيدة من الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجية هذا الفريق.
الذكاء الاصطناعي يعمل في اتجاهين
تكشف هذه النماذج عن تحول مزدوج في اقتصاديات شركات التكنولوجيا.
من جهة، يساعد الذكاء الاصطناعي الشركات على تقليل عدد الأشخاص اللازمين لبناء وتشغيل أجزاء كبيرة من الأعمال، ما يسمح لفرق صغيرة بإنتاج قدر أكبر من العمل.
ومن جهة أخرى، يرفع الذكاء الاصطناعي حجم الحوسبة المطلوبة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها على نطاق واسع.
وبذلك تتحرك التكنولوجيا في اتجاهين متزامنين؛ تقلل الحاجة إلى العمالة في بعض الوظائف والمهام، بينما تزيد الحاجة إلى البنية التحتية الحوسبية ورأس المال المرتبط بها.
وهذا التحول يساعد على تفسير ظهور جولات استثمارية تبدو ضخمة عند مقارنتها بالمعايير التي اعتادت عليها صناعة رأس المال الجريء.
مراحل الاستثمار تفقد حدودها التقليدية
كان لكل مرحلة استثمارية معنى واضح نسبياً في نموذج الشركات الناشئة التقليدي.
كانت جولة Seed مرتبطة باختبار الفكرة وبناء المنتج الأولي، ثم تأتي Series A بعد الوصول إلى مرحلة أكثر تقدماً في المنتج، بينما ترتبط جولات النمو بإثبات السوق وتوسيع النشاط.
مع شركات الذكاء الاصطناعي، بدأت الحدود بين هذه المراحل تصبح أقل وضوحاً.
فقد تحصل شركة على مليارات الدولارات قبل الوصول إلى منتج تجاري معلن، لأن بناء المنتج نفسه يتطلب حجماً من رأس المال كان يأتي في السابق خلال مراحل استثمارية متأخرة.
ويعني ذلك أن المرحلة الاستثمارية لم تعد وحدها كافية لفهم حجم الشركة أو مقدار رأس المال الذي تحتاج إليه، إذ أصبح نوع التكنولوجيا وتكلفة تطويرها وقدرات الفريق والبنية التحتية المطلوبة عوامل أساسية في تحديد حجم الجولة.
المخاطر تتغير مع النموذج الجديد
يحمل هذا النموذج الاستثماري الجديد نوعاً مختلفاً من المخاطر.
عندما يعتمد تقييم الشركة بدرجة كبيرة على فريق صغير من الباحثين وعلى توقعات تقنية كبيرة، تصبح قيمة الشركة أكثر حساسية لفقدان عدد محدود من هؤلاء الباحثين.
كما يمكن أن تتأثر قيمة الشركة بظهور نموذج أقل تكلفة، أو انخفاض تكلفة الحوسبة، أو انتقال جزء من القيمة الاقتصادية من الشركة التي تطور النموذج إلى الشركة التي تمتلك العلاقة المباشرة مع العميل.
وبذلك لا يرتبط الخطر فقط بقدرة الشركة على بيع المنتج أو تحقيق الإيرادات، وإنما يمتد إلى سرعة تطور التكنولوجيا نفسها، وتغير تكلفة البنية التحتية، وقدرة المنافسين على تطوير نماذج بديلة.
اقتصاد رأس المال الجريء يتغير
أدى صعود الذكاء الاصطناعي إلى إعادة النظر في العلاقة التقليدية بين حجم الفريق وحجم رأس المال وحجم الشركة.
لم تعد الجولة الاستثمارية تعني بالضرورة أن الشركة ستستخدم الأموال لتوظيف مئات الموظفين وفتح مكاتب جديدة وتوسيع فرق المبيعات.
في بعض النماذج، يمكن أن يذهب الجزء الأكبر من رأس المال إلى الحوسبة والبنية التحتية والرقائق والبيانات، بينما تظل الشركة صغيرة نسبياً من حيث عدد العاملين.
وفي نماذج أخرى، يمكن أن يكون الفريق نفسه هو الأصل الرئيسي الذي يبرر التقييم، خصوصاً عندما يضم باحثين ذوي خبرة في تطوير النماذج المتقدمة.
وهكذا بدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير اقتصاد رأس المال الجريء، وليس فقط رفع قيمة الجولات الاستثمارية التي تحصل عليها شركات التكنولوجيا.
شركة أصغر ورأس مال أكبر
تتجه الصورة الجديدة للشركة الناشئة نحو معادلة مختلفة عن النموذج الذي ساد خلال العقود الماضية.
لم يعد السؤال الأساسي مرتبطاً بعدد الموظفين الذين ستوظفهم الشركة بعد الجولة، وإنما بقدرة عدد محدود من الموظفين على إنتاج قيمة أكبر باستخدام مستويات أعلى من الحوسبة ورأس المال.
وهذا يعني أن شركة المستقبل قد تكون أصغر من حيث عدد موظفيها، وفي الوقت نفسه أكبر بكثير من حيث رأس المال الذي تستخدمه والإنتاج الذي يستطيع كل موظف تحقيقه.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تصبح العلاقة بين رأس المال والموظفين والإنتاجية أحد أهم المتغيرات التي تعيد تشكيل طريقة بناء الشركات الناشئة وتمويلها وتقييمها.
جولة




