
رقمنة – زياد المومني
ماذا لو استطاع الذكاء الاصطناعي أن يفعل شيئًا يتجاوز كتابة النصوص وتحليل البيانات وأتمتة الأعمال؟ ماذا لو أصبح قادرًا على منح الإنسان مساحة يتوقف فيها قليلًا، ويتحدث عمّا يشعر به، ويحاول فهم ما يحدث داخله ؟
من هذا السؤال بدأت حكاية الريادي الأردني ” سامر الصعوب “، ورفاقه ” داريا الصعوب ” و ” هاني بو زيد ” لتطوير” Tramood” وهي منصة رقمية للعافية العاطفية تحاول توظيف الذكاء الاصطناعي إلى منطقة أكثر حساسية وتعقيدًا ، وهي المشاعر الإنسانية .
وتستهدف منصة Tramood، بصورة خاصة شباب جيل Z في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتحاول أن تمنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم، وفهم حالاتهم العاطفية، ومراقبة تغيراتها مع مرور الوقت .
ثلاثة أدوار مختلفة، لكنها تلتقي عند محاولة واحدة: تحويل فكرة تتعلق بمشاعر الإنسان إلى تجربة تقنية يمكن استخدامها في الحياة اليومية.
“أورنج”.. اختبار الفكرة خارج الفريق
وفي رحلة انتقال Tramood من الفكرة إلى السوق، شكّلت مشاركة المشروع في النسخة المحلية العاشرة من جائزة أورنج للمشاريع الريادية المجتمعية 2026 إحدى المحطات المهمة ، ومثلت المشاركة فرصة لوضع الفكرة أمام بيئة ريادية ، واختبارها، والاستماع إلى الملاحظات، والاقتراب أكثر من احتياجات المستخدمين والسوق .
فالمشروع الذي يبدو مقنعًا داخل غرفة المؤسسين يحتاج في النهاية إلى إثبات نفسه أمام المستخدم الحقيقي.
وهنا تبدأ المرحلة الأكثر صعوبة: هل سيعود المستخدم إلى التطبيق مرة أخرى؟ وهل سيجد فيه قيمة حقيقية تجعله جزءًا من روتينه اليومي؟
عندما تصبح المشاعر سؤالًا تقنيًا
يقول سامر إن نقطة البداية لم تكن البحث عن تطبيق جديد يضاف إلى سوق مزدحم، وإنما ملاحظة فجوة في الطريقة التي تتعامل بها بعض الحلول الرقمية مع المستخدم العربي.
ويضيف ان هناك الكثير من التطبيقات العالمية التي تتعامل مع العافية والمشاعر، لكننا شعرنا أن جزءًا من هذه الحلول لا ينطلق بالضرورة من خصوصية المستخدم العربي، ولا من اللغة والسياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه شباب المنطقة“.
ومن هنا بدأ السؤال: هل يمكن بناء تجربة لا تكتفي بترجمة منتج عالمي إلى العربية، وإنما تفهم المستخدم ضمن البيئة التي يعيش فيها، والطريقة التي يتحدث بها، والأسلوب الذي يعبّر من خلاله عن مشاعره؟
المسألة لا تتعلق باللغة وحدها، وإنما بالسياق
فالقلق، والوحدة، والضغط العاطفي، والتفكير المفرط، كلها تجارب قد يعيشها الشباب، لكن طريقة التعبير عنها وفهمها والتعامل معها تختلف من مجتمع إلى آخر.
وهنا أراد فريق ” Tramood ” بناء مساحة رقمية يشعر فيها المستخدم بأنه يستطيع التعبير عمّا يمر به دون خوف من الحكم أو الإحراج .
من الفكرة إلى المنتج .. لكن تحويل الفكرة إلى تطبيق كان قصة أخرى
ويقول الشريك في الفكرة والمطور الأساسي للتطبيق هاني بو زيد ان الفكرة مهما كانت جذابة تحتاج إلى تقنية تستطيع ترجمتها إلى تجربة حقيقية، وتم تحويل التصور العام للمشروع إلى منتج رقمي يجمع بين المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وعدد من الأدوات التي تساعد المستخدم على متابعة حالته العاطفية .
والتحدي، كما يراه فريق المشروع، لم يكن في إضافة الذكاء الاصطناعي إلى التطبيق فحسب، وإنما في بناء تجربة متكاملة تجعل التقنية جزءًا من رحلة المستخدم، لا مجرد خاصية إضافية.
فالمحادثة هي نقطة البداية، لكن Tramood تحاول أن تذهب أبعد منها؛ إلى تتبع المزاج، والرؤى السلوكية، وتمارين التنفس، والتحديات المصغرة المخصصة، وغيرها من الأدوات التي يمكن أن تساعد المستخدم على ملاحظة التغيرات في حالته العاطفية بمرور الوقت.
وهكذا، تتحول المشاعر من إحساس عابر يصعب الإمساك به إلى تجربة يمكن للمستخدم ملاحظتها وتتبع أنماطها.
داريا الصعوب.. من الفكرة إلى الرؤية .. وفي رحلة بناء المشروع، لا يقتصر الأمر على التقنية
وتقول الشريك الاستراتيجي للمشروع داريا الصعوب .. ان مشروع يقع عند تقاطع التكنولوجيا والعافية العاطفية، يحتاج الى مراجعة مستمرة للفكرة، وفهم المستخدم، وقراءة احتياجات السوق، والنظر إلى المنتج من زاوية تتجاوز الكود والخصائص التقنية.
وهنا يأتي التكامل بين أدوار الفريق حيث سامر يقود الرؤية الريادية للمشروع، وداريا تدعم المسار الاستراتيجي للفكرة، وهاني يحول هذه الرؤية إلى منتج تقني قابل للتجربة والتطوير.
“محادثة” لا تنتهي عند الكلام
في قلب Tramood توجد تجربة حوارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي ، ويستطيع المستخدم التحدث عن مشاعره ضمن مساحة رقمية غير حُكمية، لكن الهدف ، ليس مجرد الحصول على إجابة من نموذج ذكاء اصطناعي ، بل هي مساعدة المستخدم على التوقف والانتباه لما يشعر به.
ولهذا تجمع المنصة بين الحوار وأدوات أخرى، مثل تتبع المزاج، وتمارين التنفس، والتحديات المصغرة، والرؤى التي يمكن أن تساعد المستخدم على ملاحظة أنماط تتكرر مع مرور الوقت.
وبهذه الطريقة، تحاول Tramood الانتقال بالمستخدم من سؤال “كيف أشعر الآن؟” إلى سؤال أوسع: “ماذا يحدث لمشاعري مع مرور الوقت؟“.
الذكاء الاصطناعي.. لكن بلسان المنطقة
ربما يكون التحدي الأكبر أمام Tramood هو ألا تبدو مجرد منصة عالمية جرى تعريبها خاصة وان الذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم التحدث بعشرات اللغات، لكن اللغة وحدها لا تعني بالضرورة فهم السياق ، ولهذا يركز المشروع على تصميم تجربة تراعي خصوصية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى جعل الحديث عن المشاعر أكثر قربًا من اللغة اليومية وطريقة التعبير التي يعرفها المستخدم في المنطقة.
بين التكنولوجيا والمسؤولية
الاقتراب من المشاعر يضع المشروع أمام مسؤولية مختلفة ، ولهذا حرص فريق المشروع الى التأكيد على أن Tramood ليست عيادة رقمية، وليست بديلًا عن الطبيب أو المختص النفسي أو العلاج المتخصص .
ولكن الهدف، عندهم ، هو توفير مساحة رقمية للعافية العاطفية، تساعد المستخدم على التعبير عن مشاعره وفهمها ومراقبة تغيراتها، إلى جانب بناء بعض العادات اليومية المرتبطة بالعافية.
وهذا الفصل بين الدعم الرقمي والرعاية المتخصصة يمثل، بالنسبة إلى المشروع، جزءًا أساسيًا من التعامل المسؤول مع مجال حساس يرتبط مباشرة بالإنسان .
من الفكرة إلى الاستخدام .. لم تعد Tramood مجرد تصور أولي
ويبين فريق المشروع سامر وداريا وهاني إن المشروع وصل إلى مرحلة الإطلاق المبكر، مع تطبيق متاح عبر متجري Google Play وApple App Store، إلى جانب موقع إلكتروني رسمي، ومستخدمين تجريبيين نشطين ، مشيرين الى ان الإطلاق، بالنسبة لهم ليس نهاية مرحلة التطوير، بل بداية اختبار مختلف ، خاصة وان السوق هو المكان الذي ستظهر فيه الأسئلة التي لا تستطيع النماذج الأولية الإجابة عنها : كيف يتفاعل المستخدمون؟ ما الخصائص التي يحتاجون إليها فعلًا؟ وما الذي يجعلهم يعودون إلى المنصة؟
وتواصل Tramood تطوير المنتج وتحسين خصائصه بالاعتماد على تجربة المستخدمين وملاحظاتهم ، خاصة وان بناء منتج يتعامل مع المشاعر لا يمكن اختزاله في البرمجة وحدها، كما أن الفكرة وحدها لا تكفي ، بل هناك حاجة إلى رؤية تعرف المشكلة التي تريد حلها، ودعم يساعد على تطوير المسار، وتقنية تحول الرؤية إلى منتج، ثم مستخدمين يقررون في النهاية ما إذا كان المنتج يقدم قيمة حقيقية لهم .
كما أن الطريق إلى هذه الرؤية لا يزال يتطلب تطوير التقنية، وفهم سلوك المستخدمين، وتحسين التجربة، وبناء الثقة، والأهم الحفاظ على حدود واضحة ومسؤولة في التعامل مع موضوع حساس كالمشاعر والعافية النفسية .
في النهاية، تعود Tramood إلى السؤال الذي بدأت منه وهو، في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالسؤال عما يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينجزه للإنسان، يحاول هذا المشروع الأردني طرح سؤال مختلف:
هل تستطيع التكنولوجيا أن تساعد الإنسان على فهم نفسه بشكل أفضل؟
قد لا تكون الإجابة محسومة بعد ، لكن بالنسبة إلى سامر الصعوب وداريا الصعوب وهاني بو زيد، تبدو المحاولة نفسها بداية لرحلة مختلفة؛ رحلة لا تهدف فقط إلى جعل الآلات أكثر ذكاءً، وإنما إلى استخدام هذا الذكاء لبناء مساحة يكون فيها الإنسان أكثر انتباهًا لما يشعر به.
ومن هنا، تحاول Tramood أن تفتح بابًا جديدًا في مستقبل التكنولوجيا؛ بابًا لا تبدأ فيه التجربة من الآلة، بل من الإنسان .




