الاقتصادريادة الاعمال

السعودية تعتمد استراتيجية جديدة لدعم ريادة الأعمال والمنشآت

رقمنة

وافق مجلس الوزراء السعودي، خلال جلسته التي عقدت في جدة اليوم الثلاثاء، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، على الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، في خطوة تستهدف تعزيز دور هذا القطاع في الاقتصاد السعودي ودعم انتقال المنشآت من مراحل التأسيس إلى النمو والتوسع.

ويأتي اعتماد الاستراتيجية في وقت أصبح فيه قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة أحد المكونات الرئيسية للنشاط الاقتصادي في المملكة، مع وصول عدد المنشآت إلى نحو 1.7 مليون منشأة، وتوفيرها أكثر من 8.88 مليون وظيفة، وفق أحدث البيانات الرسمية. كما تستهدف رؤية السعودية 2030 رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 35% بحلول عام 2030، مقارنة بخط أساس يبلغ 20%.

ويمثل القرار انتقالًا إلى مرحلة أكثر تنظيمًا في دعم ريادة الأعمال، من خلال استراتيجية وطنية تجمع بين تطوير ثقافة ريادة الأعمال، وتمكين المنشآت الواعدة، وتحسين البيئة التي تعمل فيها المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ثلاثة محاور للاستراتيجية الوطنية

ترتكز الاستراتيجية الوطنية الجديدة، وفق المواد التي أعدتها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، على ثلاثة محاور رئيسية.

ويتمثل المحور الأول في تعزيز منظومة وثقافة ريادة الأعمال، بما يدعم تأسيس الشركات الجديدة وتشجيع الابتكار وتوسيع قاعدة رواد الأعمال في المملكة.

ويركز المحور الثاني على دعم نمو المنشآت الواعدة، من خلال مساعدة الشركات التي تجاوزت مرحلة التأسيس على الوصول إلى مراحل أكبر من النمو والتوسع.

أما المحور الثالث فيرتبط بـبناء بيئة أعمال محفزة وممكنة، عبر تطوير الظروف التنظيمية والاقتصادية التي تساعد المنشآت على ممارسة أعمالها والوصول إلى التمويل والأسواق وفرص الاستثمار والشراكات.

وتعكس هذه المحاور توجهًا نحو التعامل مع المنشأة الصغيرة والمتوسطة باعتبارها مشروعًا يمر بمراحل مختلفة، تبدأ من الفكرة والتأسيس، ثم الانتقال إلى التشغيل، وصولًا إلى النمو والتوسع والاستثمار.

الانتقال من التأسيس إلى التوسع

تستهدف الاستراتيجية مساعدة المنشآت على تجاوز التحديات التي تظهر عادة بعد تأسيس المشروع، وهي المرحلة التي تحتاج فيها الشركات إلى موارد وتمويل وأسواق وشراكات تمكنها من بناء نموذج أعمال قابل للنمو.

وتتضمن التوجهات المعلنة تحسين الوصول إلى التمويل والأسواق، وتنويع الحلول التمويلية المتاحة، وتيسير ممارسة الأعمال، إلى جانب فتح فرص جديدة أمام المنشآت للوصول إلى الشراكات والاستثمار وسلاسل الإمداد.

ويعني ذلك أن الدعم لا يتوقف عند مساعدة رائد الأعمال على تأسيس منشأته، وإنما يمتد إلى توفير الظروف التي تساعدها على الاستمرار وتحقيق نمو أكبر.

وتأتي هذه النقطة في ظل توجه المملكة إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، مع اعتبار المنشآت الصغيرة والمتوسطة أحد المسارات الرئيسية لتنويع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.

1.7 مليون منشأة في المملكة

يأتي اعتماد الاستراتيجية في وقت شهد فيه قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.

وأظهرت بيانات حديثة أن عدد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة وصل إلى نحو 1.7 مليون منشأة، بزيادة قدرها 108% منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، فيما يملك الشباب السعوديون أكثر من 474 ألف منشأة منها.

كما تشير البيانات الرسمية إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة وفرت أكثر من 8.88 مليون وظيفة، ما يجعل القطاع أحد أكبر مصادر النشاط الاقتصادي وفرص العمل في المملكة.

وتضم منظومة المنشآت في المملكة قطاعات وأحجامًا مختلفة، من المنشآت متناهية الصغر التي تضم عددًا محدودًا من العاملين، إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تضم أعدادًا أكبر من الموظفين وتحتاج إلى مستويات أعلى من التمويل والتنظيم والتوسع.

مساهمة مستهدفة عند 35%

ترتبط الاستراتيجية الوطنية بصورة مباشرة بأحد مستهدفات رؤية السعودية 2030، والمتمثل في رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 35% بحلول عام 2030.

وتبلغ مساهمة القطاع حاليًا مستويات متقدمة مقارنة بالسنوات السابقة، إذ أظهرت بيانات وزارة التجارة أن مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي وصلت إلى 22.9% في عام 2024، متجاوزة المستهدف المرحلي لذلك العام.

ويعني الوصول إلى مستهدف 35% خلال السنوات المقبلة الحاجة إلى استمرار نمو عدد المنشآت، إلى جانب زيادة إنتاجية الشركات القائمة وقدرتها على التوسع والاستثمار والوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية.

ومن هنا تأتي أهمية الاستراتيجية الجديدة في الانتقال من التركيز على زيادة عدد المنشآت إلى دعم قدرتها على النمو وتحقيق أثر اقتصادي أكبر.

التمويل في قلب مرحلة النمو

يمثل الوصول إلى التمويل أحد العناصر الرئيسية في قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الانتقال إلى مراحل أكبر.

وتشير بيانات وزارة التجارة إلى أن إجمالي التمويل المضمون المقدم من برنامج «كفالة» وصل إلى 130.6 مليار ريال، في مؤشر على توسع نطاق التمويل المتاح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة خلال السنوات الماضية.

كما يستهدف برنامج تطوير القطاع المالي رفع حصة قروض المنشآت الصغيرة والمتوسطة من إجمالي القروض المصرفية إلى 20% بحلول 2030، مقارنة بالمستهدف المرحلي البالغ 11% في عام 2025.

وتنسجم هذه الأهداف مع توجه الاستراتيجية الجديدة نحو تنويع الحلول التمويلية وتحسين وصول المنشآت إلى مصادر التمويل التي تحتاج إليها خلال مراحل النمو المختلفة.

فرص أكبر للوصول إلى الأسواق

لا تركز الاستراتيجية على التمويل وحده، إذ تضع الوصول إلى الأسواق ضمن العناصر التي يمكن أن تساعد المنشآت على النمو.

وتواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة عادة تحديًا في الانتقال من سوق محدود إلى قاعدة عملاء أكبر، خصوصًا عندما تبدأ في التعامل مع الشركات الكبرى أو سلاسل الإمداد أو الأسواق الخارجية.

ولهذا تتضمن التوجهات المعلنة فتح فرص للشراكات والاستثمار وسلاسل الإمداد، بما يمكن المنشآت من الارتباط بمؤسسات أكبر والاستفادة من فرص الأعمال التي توفرها المشاريع والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

ويكتسب هذا المسار أهمية مع توسع المشاريع الكبرى والقطاعات الجديدة في المملكة، وارتفاع الطلب على الشركات المحلية القادرة على تقديم الخدمات والمنتجات ضمن سلاسل القيمة الجديدة.

بيئة أعمال أكثر تمكينًا

يمثل تحسين بيئة الأعمال محورًا آخر في الاستراتيجية، خصوصًا مع استمرار المملكة في تطوير الأنظمة والإجراءات الخاصة بتأسيس الشركات وممارسة الأنشطة التجارية.

وكانت وزارة التجارة قد أعلنت أن المملكة جاءت في المرتبة الثالثة عالميًا في مؤشر دعم التشريعات لتأسيس الشركات ضمن الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2026، مع تقدمها إلى المرتبة الرابعة عالميًا في مؤشر تكافؤ الفرص الاقتصادية.

كما تجاوز عدد السجلات التجارية القائمة في المملكة 1.91 مليون سجل في الربع الثاني من 2026، بعد إصدار أكثر من 71 ألف سجل تجاري خلال الربع نفسه.

وتوفر هذه المؤشرات سياقًا مهمًا للاستراتيجية الجديدة، التي تستهدف تطوير بيئة تساعد المنشآت على الدخول إلى السوق وممارسة أعمالها ثم الانتقال إلى مراحل النمو.

التقنية تفتح مسارات جديدة

يتزامن نمو قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة مع توسع الأنشطة المرتبطة بالتقنية والاقتصاد الرقمي في المملكة.

وأظهرت بيانات وزارة التجارة أن عدد السجلات التجارية في أنشطة الذكاء الاصطناعي تجاوز 19 ألف سجل في 2025، محققًا نموًا سنويًا قدره 34%.

ويمنح هذا التحول رواد الأعمال مساحة أكبر لبناء شركات جديدة في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، إلى جانب القطاعات الأخرى التي تشهد نموًا ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وتسعى «منشآت» ضمن منظومة الدعم الحالية إلى توفير التدريب والاستشارات وخدمات تطوير الأعمال وربط المنشآت بالمستثمرين والشركات الأكبر، إلى جانب برامج مرتبطة برأس المال الجريء وحاضنات ومسرعات الأعمال.

المنشآت محرك للتنويع الاقتصادي

يعكس اعتماد الاستراتيجية الوطنية الرهان المتزايد على المنشآت الصغيرة والمتوسطة باعتبارها جزءًا أساسيًا من عملية تنويع الاقتصاد السعودي.

فالقطاع لا يرتبط فقط بتأسيس الشركات الجديدة، وإنما يمتد تأثيره إلى خلق الوظائف، وتطوير سلاسل الإمداد، وزيادة المنافسة، وإيجاد شركات قادرة على تقديم منتجات وخدمات جديدة في القطاعات الناشئة.

وقد ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي إلى 22.9%، بينما تجاوز عدد المنشآت 1.7 مليون منشأة، وهو ما يضع المرحلة المقبلة أمام تحدي رفع إنتاجية هذه القاعدة الكبيرة وتحويل نمو عدد المنشآت إلى توسع مستدام في النشاط الاقتصادي.

الاستراتيجية تدعم الشركات الواعدة

تولي الاستراتيجية اهتمامًا خاصًا بالمنشآت الواعدة التي تمتلك القدرة على النمو والتوسع.

وتحتاج هذه الشركات إلى منظومة مختلفة عن تلك التي تحتاجها المنشآت في مرحلة التأسيس، إذ تصبح الأولوية لديها مرتبطة بالوصول إلى أسواق جديدة، والحصول على تمويل أكبر، وتطوير المنتجات، وبناء فرق العمل، وربط الأعمال بسلاسل الإمداد والشركات الكبرى.

وتستهدف الاستراتيجية توفير هذه البيئة بصورة أكثر تكاملًا، بما يساعد الشركات الواعدة على الانتقال إلى مراحل أعلى من النمو بدلًا من بقائها ضمن نطاق الأعمال الصغيرة.

كما يمكن أن يفتح توسع هذه الشركات المجال أمام ظهور شركات سعودية أكبر قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

دور «منشآت» في المرحلة الجديدة

تتولى الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» دورًا محوريًا في دعم القطاع، من خلال تطوير البرامج والمبادرات التي تستهدف رواد الأعمال والمنشآت في مراحل مختلفة من دورة حياتها.

وتشمل منظومة الهيئة خدمات التدريب والاستشارات وتطوير الأعمال، إلى جانب ربط المنشآت بالجهات التمويلية والمستثمرين والشركات الكبرى، ودعم الابتكار ورأس المال الجريء والحاضنات ومسرعات الأعمال.

ومع اعتماد الاستراتيجية الوطنية، ينتقل هذا الدور إلى إطار أكثر شمولًا، يجمع المبادرات والبرامج حول أهداف واضحة تتعلق بتأسيس الشركات، ونمو المنشآت الواعدة، وتحسين بيئة الأعمال.

خطوة جديدة نحو مستهدفات 2030

يأتي اعتماد الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في مرحلة قطعت فيها السعودية شوطًا كبيرًا في تطوير بيئة الأعمال.

فعدد المنشآت ارتفع بصورة كبيرة، ومساهمة القطاع في الناتج المحلي تجاوزت المستهدف المرحلي، كما توسعت أدوات التمويل وتحسنت البيئة التنظيمية لتأسيس الشركات.

وتضع الاستراتيجية الجديدة المرحلة المقبلة أمام هدف أكثر طموحًا يتمثل في رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى 35% من الناتج المحلي بحلول 2030، مع بناء منظومة تساعد الشركات على النمو والتوسع والاستثمار.

وبذلك يصبح التحدي القادم مرتبطًا بقدرة المنظومة على تحويل العدد الكبير من المنشآت إلى شركات أكثر إنتاجية واستدامة، وعلى دعم الشركات الواعدة حتى تصبح جزءًا أكبر من الاقتصاد الوطني وسلاسل الإمداد والأسواق الإقليمية.

جولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى