مقالات

الخبير في حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك يكتب لـ ” رقمنة ” : ليس مؤتمراً للتكنولوجيا المالية…. بل مشروع للمستقبل

رقمنة

د. حمزه العكاليك

لم يعد التنافس في مستقبل المال يدور حول من يملك أحدث التقنيات بل حول من يملك البيئة التنظيمية والبنية الرقمية والقدرة البشرية التي تجعل هذه التقنيات قابلة للثقة والتوسع. وفي هذا السباق يحاول الأردن أن يبني لنفسه موقعاً يتجاوز دور السوق المستهلك للتكنولوجيا إلى دور المشارك في تشكيلها.

من هنا تكتسب فعاليات مؤتمر الأردن للتكنولوجيا المالية 2026 أهمية تتجاوز حدود المؤتمر نفسه. فبمشاركة البنوك والشركات الناشئة والمستثمرين والجهات التنظيمية يجمع الحدث الأفكار ورأس المال والسياسات في مساحة واحدة ويعكس طموحاً لوضع الأردن منصةً يمكن فيها تطوير التقنيات المالية واختبارها ثم توسيع نطاقها إلى الأسواق الإقليمية.

وفي قلب هذا التوجه تقف قاعدة بسيطة لكنها بالغة الأهمية: حيث يلتقي التنظيم بالابتكار. فالبنك المركزي الأردني يتجاوز تدريجياً الدور التقليدي في الرقابة على المؤسسات المالية نحو تمكين منظومة التكنولوجيا المالية الأوسع وتوجيهها. وتقدم البيئة التنظيمية التجريبية JoRegBox والمختبر التنظيمي المسرّع Express JoRegBox مثالاً واضحاً على ذلك؛ إذ تتيحان لشركات التكنولوجيا المالية اختبار الحلول الرقمية مع عملاء حقيقيين ضمن ضوابط محددة وإدارة قائمة على المخاطر بما يساعد على اختصار الطريق من الفكرة إلى السوق دون المساس بالاستقرار المالي أو حماية المستهلك.

ويتجسد النهج نفسه في التعامل مع الذكاء الاصطناعي. فالإطار التنظيمي للبنك المركزي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي والمالي يضع مبادئ للحوكمة في مجالات الخوارزميات والتعلم الآلي والتحليلات التنبؤية. وتبرز أهمية الذكاء الاصطناعي القابل للشرح بوضوح هنا؛ فدخول الأنظمة المؤتمتة في قرارات التمويل والائتمان وغيرها من القرارات المالية يستلزم أن تتمكن المؤسسات من فهم هذه القرارات وتفسير كيفية الوصول إليها. فمن دون هذه الضمانات قد تأتي الكفاءة على حساب العدالة والثقة.

وتضيف الخدمات المصرفية المفتوحة طبقة أخرى إلى هذه المنظومة. فمن خلال المعايير التقنية الموحدة وواجهات برمجة التطبيقات APIs يمكن مشاركة البيانات استناداً إلى موافقة العملاء الصريحة. لكن اتساع الترابط يعني أيضاً اتساع مساحة التعرض لمخاطر الأطراف الثالثة والتهديدات السيبرانية. وهنا يبرز دور مركز الاستجابة لطوارئ الحاسوب للقطاع المالي Jo-FinCERT في تعزيز المرونة السيبرانية والحد من مواطن الضعف التشغيلية وحماية البيانات المالية.

وعند جمع هذه العناصر يمكن أن يمتلك الأردن ميزة إقليمية مهمة. فوجود بيئة تنظيمية متماسكة قد يجعل المملكة مساحة لاختبار حلول التكنولوجيا التنظيمية RegTech والتكنولوجيا الإشرافية SupTech بما يتيح للشركات تطوير منتجات موثوقة محلياً قبل التوسع في أسواق الخليج وشمال أفريقيا. وبهذا المعنى يصبح التنظيم جزءاً من البنية التحتية التي تجعل الابتكار ممكناً.

كما قاد البنك المركزي الأردني جهوداً استباقية في تطوير البنية الرقمية اللازمة لدعم هذا الطموح حيث كان حريصاً على رعاية الابتكار المالي وتوفير البيئة التنظيمية والتقنية الكفيلة باحتضانه. وتحت إشرافه وتوجيهه الاستراتيجي تُدار منظومة المدفوعات الوطنية عبر الشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص (JoPACC) لتشكّل ركيزة أساسية لخدمات مالية أكثر اعتماداً على البيانات. وتتيح هذه البنية المتقدمة تمكين تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة المخاطر والتدقيق الفوري فضلاً عن دعم أهداف الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) عبر الحدّ من المعاملات الورقية وتوسيع آفاق التمويل الأخضر للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ويستكشف الأردن كذلك العملة الرقمية للبنك المركزي للتجزئة rCBDC في إطار تقييم إمكاناتها في تعزيز الشمول المالي وتحسين تدفقات التحويلات المالية. وتؤكد هذه المسارات أن التحول المالي لا يتعلق بتبني التكنولوجيا لمجرد التبني بل بطرح سؤال أكثر أهمية: ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تحقق عندما تستند إلى حوكمة سليمة؟

ومع ذلك قد لا تكون أكبر مزايا الأردن منصة أو نظام مدفوعات بل الإنسان نفسه. فالمهندسون الشباب ورواد الأعمال والمتخصصون في التقنيات الرقمية يمثلون مورداً متجدداً للمعرفة والابتكار. وتكمن الفرصة في تحويل هذه الطاقات إلى منتجات وخدمات قابلة للتصدير من حلول RegTech وSupTech إلى الأمن السيبراني وغيرها من التقنيات المالية المتقدمة.

لهذا ينبغي النظر إلى مؤتمر التكنولوجيا المالية 2026 باعتباره أكثر من مؤتمر. فقيمته الحقيقية ستقاس بما يحدث بعد انتهاء الكلمات: الشراكات التي تُبنى والمنتجات التي تُختبر والاستثمارات التي تُستقطب والمواهب التي ترتبط بالفرص والأفكار التي تتحول إلى حلول قابلة للتوسع.

وفي البحر الميت حيث يلتقي قادة المال والتكنولوجيا، يمتلك الأردن فرصة لإرسال رسالة واضحة إلى المنطقة: إنه لا ينتظر مستقبل المال حتى يصل بل يبني القواعد والبنية التحتية والمهارات التي تمكنه من الإسهام في تشكيله. وهذه هي القيمة الأعمق لهذا التحول: أن تصبح التكنولوجيا أداة لبناء الثقة وأن يصبح التنظيم جسراً بين الابتكار والاستثمار وأن يتحول الأردن من سوق للتقنيات إلى شريك في صناعتها وتصديرها إلى أسواق جديدة.

*خبير في مجال حوكمة البيانات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى