
رقمنة – زياد المومني
قد لا تبدو أرضية السيارة للوهلة الأولى جزءًا من منظومة السلامة المرورية، لكنها بالنسبة إلى الريادي معاذ الحسن يمكن أن تتحول إلى مساحة ذكية تراقب سلوك السائق، وتتعلم أنماطه، وتتدخل عندما تبدأ مؤشرات الخطر بالظهور.
هذه هي الفكرة التي يقف وراءها مشروع «SYNIRO»، الذي فاز بالمركز الثاني في النسخة المحلية العاشرة من جائزة أورنج للمشاريع الريادية المجتمعية لعام 2026، عبر حل يستهدف واحدة من أكثر المشكلات تعقيدًا على الطرق وهو العامل البشري .
فالإرهاق، والتشتت، وانخفاض مستوى الانتباه، وتأخر رد الفعل، كلها عوامل يمكن أن تفصل بين رحلة آمنة وحادث قد تكون عواقبه كبيرة ، ومن هنا ينطلق «SYNIRO» من فكرة مختلفة: ماذا لو تمكنت التكنولوجيا من التعرف إلى الخطر قبل أن يتحول إلى حادث؟
من التحذير بعد الخطر إلى التنبؤ به قبل وقوعه
الحلول التقليدية لمساعدة السائق غالبًا ما تتدخل عندما تكون هناك إشارة واضحة إلى وجود خطر، سواء من خلال تنبيه صوتي أو ضوئي ، أما «SYNIRO» فيحاول الذهاب خطوة أبعد، من خلال بناء نظام وقائي يتابع سلوك السائق بصورة مستمرة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية وتحليل الأنماط السلوكية .
والفكرة الأساسية هي رصد مؤشرات التعب أو التشتت أو انخفاض اليقظة في الوقت الفعلي، ثم تقديم تنبيه قبل أن يتطور الأمر إلى موقف أكثر خطورة.
ولا يعتمد النظام على التنبيه الصوتي وحده؛ إذ يتضمن مفهومه استخدام الاهتزاز كوسيلة تفاعل مباشرة مع السائق، بهدف دفعه إلى تغيير سلوكه واستعادة انتباهه في اللحظة المناسبة.
وهنا يحاول المشروع تغيير طبيعة العلاقة بين السائق ونظام السلامة: من نظام «يخبرك بأن هناك مشكلة» إلى مساعد ذكي يحاول فهم ما يحدث والتدخل قبل تفاقم المشكلة.
أرضية السيارة تتحول إلى نظام ذكي لمراقبة السائق
أحد أكثر عناصر «SYNIRO» إثارة للاهتمام هو موقع التكنولوجيا نفسها ، فالنظام مصمم ليكون جزءًا من البساط الأرضي للمركبة، بحيث يمكن أن يحل محل الأرضيات التقليدية في منطقة القدمين، مع إمكانية استخدامه أثناء ارتداء النعال بمستويات مختلفة من الخمول .
وهذه المقاربة تمنح المشروع فرصة للاندماج مع تجربة استخدام السيارة من دون الحاجة، بحسب تصور الحل، إلى تغيير جذري في بنية المركبة.
وبدل أن تكون الأرضية مجرد سطح يضع السائق قدميه عليه، تصبح جزءًا من منظومة تستشعر وتحلل وتستجيب .
كيف يكتشف «SYNIRO» تعب السائق وتشتته
يعتمد النظام على الرؤية الحاسوبية وتحليلات السلوك القائمة على الذكاء الاصطناعي لمراقبة مؤشرات مرتبطة بانتباه السائق وفترات الجلوس ومستويات اليقظة بصورة مستمرة .
ويهدف هذا التحليل إلى التعرف على التغيرات التي قد تشير إلى بداية التعب أو التشتت، بما يسمح للنظام بالتدخل في وقت مبكر، بدل انتظار ظهور حالة خطرة بشكل واضح.
وبذلك يحاول «SYNIRO» الانتقال من مفهوم الإنذار التقليدي إلى مفهوم الذكاء التنبؤي التفاعلي، حيث تصبح البيانات المتراكمة عن سلوك المستخدم أساسًا لاتخاذ قرار التنبيه.
اهتزاز تحت القدمين.. تنبيه يتفاعل مع السائق
في اللحظة التي يرصد فيها النظام مؤشرات تستدعي التدخل، يقدم تنبيهات فورية متعددة المستويات، من بينها الاهتزاز ، حيث تقوم الفكرة على أن التنبيه لا ينبغي أن يكون مجرد صوت يمكن تجاهله، خصوصًا عندما يكون السائق في حالة تعب أو انخفاض في التركيز، بل يمكن أن يكون تفاعلًا مباشرًا مع الجسم يساعد على لفت الانتباه ودفع السائق إلى تصحيح سلوكه.
ويربط المشروع هذا النوع من التحفيز بهدف تعزيز نشاط الجهاز العصبي والدورة الدموية والتفاعل العصبي والحركي، بما يساعد على استعادة انتباه السائق والتدخل قبل تطور الموقف إلى حادث.
«SYNIRO» يتعلم من السائق لتقليل التنبيهات الخاطئة
لا يتعامل «SYNIRO» مع جميع السائقين بالطريقة نفسها ، فمع مرور الوقت، يتعلم النظام أنماط القيادة وفترات الجلوس والسلوك المعتاد للمستخدم، بهدف تحسين دقة التحليل وتقليل التنبيهات الخاطئة.
وهذه النقطة مهمة في أي نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ لأن التنبيهات المتكررة وغير الضرورية قد تفقد المستخدم ثقته بالنظام بدل أن تعزز السلامة.
لذلك تقوم فلسفة «SYNIRO» على جعل النظام أكثر قدرة على التكيف مع المستخدم بمرور الوقت، ليصبح أقرب إلى مساعد شخصي للسلامة بدل كونه مجرد جهاز إنذار.
المشكلة ليست حادثًا فقط.. بل ساعات طويلة خلف المقود
ويضيف الحسن ان طموح المشروع لا يتوقف عند منع الحوادث ، خاصة وان السائق المهني قد يقضي ساعات طويلة يوميًا خلف المقود، ما يجعل الجلوس لفترات ممتدة جزءًا من طبيعة عمله، ولذلك يحاول «SYNIRO» معالجة جانب آخر من المشكلة من خلال مراقبة فترات الجلوس والتفاعل مع السائق بطريقة تهدف إلى الحد من الآثار المرتبطة بالخمول والجلوس المطول .
ويضع المشروع ضمن اهتمامه مخاطر صحية مرتبطة بنمط الجلوس لفترات طويلة، مثل السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم ومشكلات الدورة الدموية وتجلطات الأطراف وتجمع السوائل في القدمين.
وبذلك يقدم المشروع نفسه عبر مسارين هما السلامة المرورية من جهة، وصحة السائق من جهة أخرى ، وهذه الزاوية تمنح «SYNIRO» بعدًا مختلفًا؛ فالسائق بالنسبة للنظام ليس مجرد شخص يجب تحذيره عندما يقترب من حادث، بل مستخدم ينبغي مراقبة ظروفه خلال الرحلة بأكملها.
من السيارات الخاصة إلى أساطيل النقل والخدمات اللوجستية
وقد يكون قطاع أساطيل النقل والخدمات اللوجستية أحد المجالات التي يمكن أن تظهر فيها قيمة النظام بصورة أكبر ، ففي السيارة الخاصة، يمكن أن يعمل «SYNIRO» كمساعد للسائق ، أما في الأساطيل، فتتوسع الفكرة لتصبح منصة يمكن من خلالها جمع وتحليل البيانات المتعلقة بسلوك السائقين ومستويات المخاطر ، كما يتيح تصور المشروع ربط النظام بلوحات تحكم سحابية يمكن أن تمنح مديري الأساطيل رؤى حول أداء السائقين وتقييمات المخاطر وتقارير السلامة التنبؤية.
وهذا يعني أن البيانات لا تبقى داخل المركبة، بل يمكن تحويلها إلى أداة تساعد الشركات على اتخاذ قرارات أكثر اعتمادًا على البيانات، وتحديد الأنماط التي قد ترتبط بالمخاطر التشغيلية، والعمل على تقليلها على المدى الطويل.
بيانات السائق تتحول إلى أداة لاتخاذ القرار
مع المنصة السحابية، لا تقتصر وظيفة «SYNIRO» على إصدار تنبيه داخل السيارة ، والنظام يمكن أن يوفر لمديري الأساطيل صورة أوسع عن سلوك السائقين، ومستويات المخاطر، وأنماط القيادة وفترات الجلوس، بما يساعد على بناء تقارير يمكن استخدامها في إدارة السلامة والتشغيل .
وهنا تتحول التكنولوجيا من منتج موجه للسائق الفرد إلى منظومة بيانات يمكن أن تخدم الشركات والمؤسسات التي تدير أعدادًا كبيرة من المركبات والسائقين.
من فكرة ريادية إلى مشروع يحصد المركز الثاني في جائزة أورنج
وصول «SYNIRO» إلى المركز الثاني في النسخة المحلية العاشرة من جائزة أورنج للمشاريع الريادية المجتمعية لعام 2026 يمثل محطة مهمة في مسار المشروع ومعاذ الحسن، خصوصًا أن فكرته تقع عند تقاطع ثلاثة مجالات متنامية هي الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الذكية، والسلامة والصحة.
لكن قيمة المشروع لا تكمن فقط في الجائزة، وإنما في السؤال الذي يحاول الإجابة عنه: هل يمكن أن تصبح السيارة أكثر قدرة على فهم حالة الإنسان الذي يقودها، وليس فقط مراقبة ما يحدث حولها؟
مع «SYNIRO»، يحاول معاذ الحسن تقديم إجابة تقنية على هذا السؤال، من خلال تحويل جزء من السيارة عادةً ما يكون مجرد أرضية إلى عنصر في منظومة ذكية تراقب، وتحلل، وتتعلّم، وتتدخل.
هل تصبح أرضية السيارة خط الدفاع الأول عن السائق
في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى حلول تقلل الأخطاء البشرية على الطرق، قد يكون الانتقال من أنظمة السلامة التي تستجيب للخطر إلى أنظمة تتنبأ به أحد المسارات التي ستعيد تشكيل مستقبل التنقل الذكي.
وهنا يأتي رهان «SYNIRO»: بان تتحول البيانات القادمة من سلوك السائق ومنطقة جلوسه إلى إشارات يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها، ثم تحويلها إلى تدخل وقائي في اللحظة المناسبة.
وإذا نجح هذا النموذج في الانتقال من مرحلة التطوير إلى تطبيق واسع وموثوق، فقد لا تبقى أرضية السيارة مجرد جزء من تصميم المقصورة، بل تصبح عنصرًا جديدًا في منظومة السلامة الذكية.
والمستقبل، كما يوحي «SYNIRO»، قد لا يكون فقط في السيارات التي تستجيب للحوادث، بل في أنظمة تحاول أن تجعل الحادث أقل احتمالًا للوقوع من الأساس.




