الاقتصادريادة الاعمال

الاستثمار الجريء….. جسر أردني بين المواهب والأسواق الإقليمية

رقمنة 

لم يعد التحدي أمام الاقتصادات الصغيرة نسبيًا يتمثل في إنتاج الأفكار والمواهب بقدر ما يتمثل في قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى شركات قابلة للتوسع وفتح الأسواق أمامها. ومن هنا تتزايد أهمية الاستثمار المغامر والشراكات العابرة للحدود باعتبارهما جسرًا بين الكفاءة المحلية ورأس المال والأسواق الإقليمية؛ وهي معادلة يمكن أن تمنح الأردن فرصة لتحويل ميزته في رأس المال البشري والتقني إلى قيمة اقتصادية تتجاوز حدود السوق المحلية.

فكل شركة ناشئة تنجح في الوصول إلى الأسواق الخارجية لا تضيف استثمارًا جديدًا فحسب، وإنما تخلق صادرات تقنية ووظائف نوعية وتستقطب رأس مال إضافيًا، بما يجعل بناء منظومة متكاملة لريادة الأعمال والاستثمار جزءًا من استراتيجية أوسع للنمو الاقتصادي وليس مجرد دعم لقطاع ناشئ.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الشراكات التي تجمع رواد الأعمال بالمستثمرين وصناديق رأس المال الجريء، باعتبارها إحدى الأدوات القادرة على تسريع انتقال الشركات الأردنية من مرحلة تطوير الأفكار والحلول إلى مرحلة النمو والتوسع الإقليمي، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية.

،ويمكن تعريف الاستثمار الجريء بأنه شكل من أشكال التمويل الذي يوفر الأموال للشركات الناشئة التي لديها إمكانات نمو عالية في المراحل المبكرة، في مقابل الحصول على حصة من الملكية.

وتعتمد الشركات الناشئة ورواد الأعمال على الاستثمارات الجريئة كمصدر تمويل مهم. ولا يأخذ الاستثمار الجريء دائما شكلاً نقدياً، بل يمكن أن يكون على شكل خبرة فنية أو إدارية. وعادة ما يتم تخصيص الاستثمار الجريء للشركات الصغيرة التي تتمتع بإمكانات نمو استثنائية، أو للشركات التي نمت بسرعة فائقة ويبدو أنها مستعدة لمواصلة التوسع خبير التقنية وحوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك، بين في حديثه لوكالة الانباء الاردنية (بترا) إن بناء الشراكات بين منظومة ريادة الأعمال والمستثمرين وصناديق رأس المال المغامر يمثل عاملًا حاسمًا في تمكين الشركات الناشئة الأردنية من الانتقال من السوق المحلية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

وأوضح أن الشركات الأردنية تمتلك قدرات تقنية وابتكارية تؤهلها للمنافسة، إلا أن تحويل هذه القدرات إلى شركات قابلة للتوسع يتطلب الوصول إلى رأس المال الذكي والخبرات الاستثمارية والشبكات والأسواق الإقليمية.

وأشار إلى أن الشراكات التي تجمع بين التميز التقني والسوق الواسع يمكن أن تسرّع نمو الشركات الناشئة، خصوصًا في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والحلول اللوجستية والتكنولوجيا المالية، وتختصر عليها سنوات من محاولات التوسع الفردية.

وأضاف أن دخول المستثمرين وصناديق رأس المال المغامر إلى منظومة ريادة الأعمال الأردنية لا يوفر التمويل فقط، بل يعزز الثقة بالبيئة الاستثمارية ويبعث برسالة إيجابية إلى المستثمرين الإقليميين والدوليين حول قدرة الشركات الأردنية على النمو والمنافسة.

وأكد أن الأردن يمتلك قاعدة واسعة من المواهب والكفاءات القادرة على تطوير حلول تكنولوجية تلبي احتياجات الأسواق العربية، الأمر الذي يتيح له التحول من سوق محلية محدودة الحجم إلى منصة إقليمية للابتكار وتطوير الشركات القابلة للتوسع.

ولفت إلى أن الاستثمار المغامر لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد مصدر للتمويل، وإنما باعتباره شراكة طويلة الأمد تجمع رأس المال بالخبرة والمعرفة والوصول إلى الأسواق، بما يساعد الشركات على تجاوز المراحل الأولى وتحقيق نمو مستدام.

وتشير التقديرات إلى أن عدد الشركات الناشئة والريادية القائمة في الأردن يتجاوز الـــ 300 شركة معظمها تعمل في قطاع التكنولوجيا والاتصالات أو تطوع التقنية لخدمة القطاعات المختلفة من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لجمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات “إنتاج”، المهندس نضال البيطار، أن الأردن يمتلك منظومة متقدمة في مجال ريادة الأعمال التقنية، وأن الكفاءات البرمجية والهندسية الأردنية تحظى بطلب متزايد في الأسواق العربية والعالمية.

وقال إن التحدي الأساسي أمام الشركات الناشئة لم يعد مرتبطًا بالقدرة على الابتكار فقط، وإنما بقدرتها على النمو السريع والوصول إلى رأس المال ودخول الأسواق وبناء الشراكات الاستراتيجية.

وأضاف أن تطوير منظومة الاستثمار المغامر يتطلب ربط التمويل باحتياجات الشركات الفعلية، وتوفير برامج تسريع وتمكين مرتبطة بمتطلبات المستثمرين، إلى جانب تسهيل حركة رأس المال والكفاءات والشركات بين الأسواق العربية.

وأشار إلى أن قطاعات الذكاء الاصطناعي التطبيقي، والتكنولوجيا المالية، والصحة الرقمية، والتقنيات الزراعية والتعليمية، وحلول اللغة العربية تمثل مجالات واعدة أمام الشركات الأردنية، بالنظر إلى توفر الكفاءات والقدرة على تطوير حلول تتناسب مع خصوصية الأسواق العربية.

وأوضح أن ميزة الأردن لا تقتصر على توفر الكفاءات التقنية، وإنما تمتد إلى القدرة على تطوير حلول موجهة لاحتياجات المنطقة، وهو ما يمنح الشركات الناشئة فرصة لبناء منتجات قابلة للتوسع في أسواق تتجاوز السوق المحلية.

وشدد البيطار على أن تحقيق أثر اقتصادي مستدام يتطلب العمل عبر مسارات متكاملة تبدأ بتعزيز عدد الشركات القابلة للاستثمار، وتهيئة بيئة تنظيمية مرنة، وربط التمويل بالطلب الفعلي في الأسواق الإقليمية، وفتح المجال أمام الشركات للوصول إلى العملاء والأسواق خارج الأردن.

وأكد أن قياس نجاح منظومة ريادة الأعمال يجب ألا يقتصر على حجم الاستثمارات التي يتم ضخها، وإنما يجب أن يشمل عدد الشركات التي تتوسع إقليميًا، وحجم الصادرات التقنية، والوظائف النوعية التي تستحدثها، وقدرتها على جذب استثمارات إضافية.

وتشير هذه الرؤية إلى تحول مهم في مفهوم دعم ريادة الأعمال؛ فالمطلوب لم يعد مجرد زيادة عدد الشركات الناشئة أو توفير التمويل في مراحلها الأولى، وإنما بناء منظومة تساعد الشركات القادرة على النمو على الوصول إلى مرحلة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة للأردن، حيث يمثل محدودية حجم السوق المحلية دافعًا طبيعيًا أمام الشركات التقنية للبحث عن أسواق أكبر منذ المراحل المبكرة، خصوصًا في دول الخليج والأسواق العربية التي تتمتع بقدرة شرائية مرتفعة وطلب متزايد على الحلول الرقمية.

وبالتالي، فإن نجاح منظومة الاستثمار المغامر يمكن أن يقاس بقدرتها على نقل الشركات الأردنية من نموذج يعتمد على السوق المحلية إلى نموذج يقوم على كما أن نجاح شركة أردنية في بناء حضور إقليمي يمكن أن يولد أثرًا يتجاوز الشركة نفسها، من خلال توفير وظائف عالية المهارة، واستقطاب استثمارات جديدة، وتعزيز الطلب على الخدمات التقنية، ورفع قدرة الأردن على تصدير الخدمات والمنتجات الرقمية.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يشكل الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية، خصوصًا مع اتساع الطلب على التطبيقات المتخصصة والحلول الموجهة للمؤسسات، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى حلول تراعي اللغة العربية وخصوصية الأسواق العربية.

ويضع ذلك الأردن أمام فرصة لتطوير موقعه في سلسلة القيمة الرقمية الإقليمية، ليس فقط كمصدر للكفاءات والمبرمجين، وإنما كمصدر للشركات والمنتجات والحلول التقنية القابلة للتوسع.

ويتطلب تحقيق هذه الغاية استمرار تطوير البيئة التشريعية والاستثمارية، وتوسيع قاعدة التمويل المتاح للشركات الناشئة، وتعزيز الصلات بين رواد الأعمال والمستثمرين والأسواق، إلى جانب بناء شراكات إقليمية تتيح للشركات الأردنية الوصول إلى العملاء ورأس المال والخبرات.

الاستثمار المغامر يمكن أن يتحول من أداة لتمويل الشركات الناشئة إلى محرك اقتصادي أوسع، إذا ما ارتبط بالتوسع في الأسواق والصادرات وخلق الوظائف واستقطاب الاستثمارات.

ومن هذه الزاوية، لا تكمن القيمة الحقيقية للشراكات الاستثمارية في الأموال التي تضخها في الشركات فحسب، بل في قدرتها على تحويل الموهبة الأردنية إلى شركات إقليمية، والابتكار إلى منتجات، والمنتجات إلى صادرات، ورأس المال إلى نمو اقتصادي مستدام.

بترا – رائف الشياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى