
رقمنة
*هاني البطش
أبارك لأبنائنا وبناتنا طلبة الثانوية العامة “التوجيهي” في الأردن نتائجهم، وأبارك لأسرهم التي عاشت معهم عاماً من الجهد والقلق والانتظار، متمنياً لهم مستقبلاً مليئاً بالنجاح والتميز.
وكما اعتدت في السنوات السابقة، سأحاول خلال الفترة القادمة أن أساهم بما أستطيع في مساعدة الطلبة وأولياء أمورهم في واحدة من أهم القرارات التي يواجهها الطالب بعد الثانوية العامة:
أي تخصص جامعي أختار؟
لكنني أعتقد أن السؤال اليوم يجب أن يتغير.
فبدلاً من أن يسأل الطالب:
ما أفضل تخصص جامعي حالياً؟
الأفضل أن يسأل:
ما الوظيفة التي أريد أن أكون مؤهلاً لها عندما أتخرج؟ وهل ستكون هذه الوظيفة مطلوبة في سوق العمل عام 2030 أو 2032 أو 2036؟
وهنا تكمن المشكلة.
فالطالب الذي يبدأ دراسته الجامعية في عام 2026 لن يدخل سوق العمل الحقيقي غداً؛ بل قد يحتاج أربع أو خمس سنوات للدراسة، ثم فترة للتدريب وبناء الخبرة. أي أننا في الحقيقة لا نختار له تخصصاً لسوق العمل في 2026، وإنما نخطط لمستقبله في سوق العمل الذي سيواجهه تقريباً بين 2030 و2032 وما بعدهما.
وهذا السوق سيكون مختلفاً بشكل كبير عن السوق الذي نعرفه اليوم.
يشير تقرير مستقبل الوظائف 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن أصحاب العمل يتوقعون تغير نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في سوق العمل بحلول 2030. كما تتصدر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والشبكات والأمن السيبراني، والثقافة التكنولوجية قائمة المهارات الأسرع نمواً. وفي الوقت نفسه ستظل مهارات مثل التفكير التحليلي والإبداع والمرونة والقيادة والتعاون ذات أهمية كبيرة. (World Economic Forum)
الأمر إذن لا يتعلق فقط بظهور وظائف جديدة، وإنما بتغير محتوى الوظائف الحالية نفسها.
المحاسب سيبقى، ولكن طبيعة عمل المحاسب ستتغير.
المهندس سيبقى، ولكن الأدوات التي يستخدمها وطريقة تصميمه واتخاذه للقرار ستتغير.
الطبيب سيبقى، ولكن الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والصحة الرقمية ستصبح جزءاً متزايداً من بيئة عمله.
والمبرمج نفسه لن يكون بعيداً عن التغيير؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تنفيذ أجزاء متزايدة من دورة تطوير البرمجيات.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط:
هل سيبقى هذا التخصص؟
وإنما
كيف ستتغير المهنة المرتبطة بهذا التخصص؟ وما المهارات التي يجب أن يمتلكها الخريج حتى يبقى مطلوباً؟
لا توجد ضمانة اسمها “تخصص المستقبل”
من الأخطاء التي أراها اليوم أن نستبدل موجة قديمة بموجة جديدة.
في السابق كان الطلبة يتجهون جماعياً نحو الطب أو الهندسة أو الصيدلة أو تخصصات معينة لأنها كانت ترتبط اجتماعياً بالنجاح والاستقرار.
واليوم يمكن أن نقع في الخطأ نفسه عندما نقول للجميع:
ادرسوا الذكاء الاصطناعي.
أو الأمن السيبراني.
أو علم البيانات.
فمجرد وجود كلمة Artificial Intelligence في اسم التخصص لا يعني بالضرورة أن البرنامج قوي، ولا أن سوق العمل سيحتاج إلى العدد نفسه من الخريجين، ولا أن الخريج سيحصل تلقائياً على راتب مرتفع.
بل يجب أن نميز بين ثلاثة أمور:
الضجة حول التخصص Hype، والطلب الحقيقي على الوظائف Actual Labour Demand، وقدرة الخريج الجديد على الحصول على أول وظيفة Entry-Level Opportunity.
فالمنتدى الاقتصادي العالمي يضع متخصصي البيانات الضخمة، ومهندسي التكنولوجيا المالية، ومتخصصي الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي ضمن أسرع الوظائف نمواً نسبةً حتى 2030، لكن هذا لا يعني أن كل برنامج جامعي يحمل هذه المسميات يوفر بالضرورة المسار نفسه أو جودة التأهيل نفسها. (World Economic Forum)
والأردن يحتاج إلى نظرة مختلفة
في الأردن تحديداً، لا يمكن أن يكون قرار اختيار التخصص منفصلاً عن واقع سوق العمل.
تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة للأردنيين في الربع الأول من عام 2026 بلغ 21.1%، وهو مؤشر يجعل ربط التعليم الجامعي بالفرص الاقتصادية الفعلية قضية استراتيجية وليس مجرد اختيار شخصي للطالب. (DOS Web)
كما أن الدراسات التحليلية الرسمية لسوق العمل الأردني تظهر تحديات واضحة في تشغيل حملة الشهادات الجامعية، وهو ما يؤكد أن الحصول على البكالوريوس بحد ذاته لم يعد ضمانة للحصول على وظيفة. (DOS Web)
وفي المقابل، بدأت منظومة التعليم العالي الأردنية نفسها بإدخال تخصصات أكثر ارتباطاً بالتحولات التقنية والاقتصادية، وشملت تخصصات حديثة مثل تكنولوجيا أشباه الموصلات، إنترنت الأشياء، هندسة المباني الذكية، إدارة سلاسل التوريد، تكنولوجيا الطاقة والطاقة الشمسية، صيانة المركبات الكهربائية والهجينة، والبرمجة التطبيقية وغيرها. (Higher Education Ministry)
لكن حتى هنا يجب أن نتذكر:
حداثة اسم التخصص لا تكفي؛ المهم جودة البرنامج ومدى ارتباطه بسوق العمل.
لا تختار تخصصك للأردن فقط
هناك نقطة أعتبرها شديدة الأهمية للطالب الأردني.
نحن لا ينبغي أن نؤهل أبناءنا لسوق عمل محلي فقط.
لدينا أسواق قريبة ضخمة في السعودية والإمارات وقطر تشهد تحولات كبيرة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والصناعة والرعاية الصحية والبنية التحتية والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي.
وهناك أيضاً سوق عالمي أصبح يسمح في عدد متزايد من الوظائف بأن يعمل الشاب الأردني من عمان أو إربد أو العقبة مع شركة موجودة في دبي أو الرياض أو لندن أو برلين أو الولايات المتحدة دون أن يغادر الأردن.
لذلك سأحاول عند مناقشة التخصصات خلال الفترة القادمة ألا يكون السؤال:
هل هذا التخصص مطلوب في الأردن؟
فقط، وإنما:
هل يمنح هذا التخصص صاحبه قابلية للتوظيف في الأردن والخليج والأسواق الدولية والعمل عن بُعد؟
الراتب أيضاً جزء من القرار
علينا أن نكون واقعيين مع الطلبة.
الدراسة الجامعية استثمار في الوقت والمال والجهد، ولذلك فإن العائد الاقتصادي المتوقع من المسار المهني عامل مشروع يجب أن يدخل في القرار.
ليس المطلوب اختيار أعلى وظيفة راتباً فقط، ولكن من المهم دراسة:
حجم الطلب على الوظيفة، وعدد الخريجين، ومستوى المنافسة، والراتب عند بداية المسار، وإمكانات نمو الدخل بعد خمس أو عشر سنوات، وإمكانية العمل دولياً، وإمكانية الانتقال بين الصناعات، ومخاطر الأتمتة، وفرص تأسيس مشروع خاص مستقبلاً.
فقد يكون هناك تخصص براتب أولي متوسط، ولكنه يفتح بعد خمس سنوات عشرات المسارات المهنية ذات الدخل المرتفع.
وفي المقابل قد يكون هناك تخصص طويل ومكلف جداً، لكن سوقه محدود أو شديد التشبع.
لا أخشى الذكاء الاصطناعي على الطالب… أخشى أن يدخل سوق العمل دون أن يعرف استخدامه
من أهم المعايير التي سأضعها في تقييم التخصصات خلال السنوات القادمة هو:
AI Exposure & AI Resilience
أي: إلى أي درجة يستطيع الذكاء الاصطناعي أتمتة مهام هذه الوظيفة؟ وإلى أي درجة يستطيع الخريج استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة قيمته المهنية؟
فالذكاء الاصطناعي في كثير من الحالات لن يلغي المهنة كاملة، وإنما سيعيد توزيع المهام داخلها.
ولهذا فإن المنافسة المستقبلية قد لا تكون ببساطة بين:
إنسان وذكاء اصطناعي،
بل بصورة متزايدة بين:
متخصص يعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي في مهنته، ومتخصص آخر لا يعرف.
وهذا ينسجم مع اتجاهات سوق العمل العالمية التي تجمع بين تسارع الطلب على AI والبيانات والأمن السيبراني وبين استمرار الحاجة إلى التفكير التحليلي والإبداع والمهارات الإنسانية. (World Economic Forum)
ابحثوا عن التخصصات المركبة
من المجالات التي أرى أنها تستحق اهتماماً خاصاً خلال العقد القادم ما أسميه:
Hybrid Careers – المهن المركبة.
أي الجمع بين معرفة عميقة في قطاع معين والذكاء الاصطناعي أو البيانات أو التكنولوجيا.
مثل:
الطب + الذكاء الاصطناعي
الهندسة + الذكاء الاصطناعي
الأمن السيبراني + الذكاء الاصطناعي
التمويل + البيانات والذكاء الاصطناعي
القانون + حوكمة الذكاء الاصطناعي
الزراعة + التكنولوجيا
الطاقة + البيانات
الصحة + المعلوماتية
الأعمال + تحليلات البيانات
الهندسة + الاستدامة
سلاسل التوريد + الذكاء الاصطناعي
فالقيمة المستقبلية للخريج لن تأتي دائماً من اسم تخصص واحد، وإنما من تركيبة المهارات التي يمتلكها.
رسالتي للطلبة: لا تسألوا “ماذا أدرس؟” فقط
اسألوا أنفسكم:
ماذا أستطيع أن أصبح بعد دراسة هذا التخصص؟
وكم عدد المسارات المهنية التي يفتحها لي؟
وهل أستطيع المنافسة به خارج الأردن؟
وهل أستطيع العمل عن بُعد؟
وهل الطلب عليه في ازدياد أم في تراجع؟
وكم يبلغ دخل المبتدئ؟
وإلى أين يمكن أن يصل دخلي بعد عشر سنوات؟
وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي معظم مهامي
وهل البرنامج الذي سأدرسه حديث فعلاً أم أن اسمه حديث ومحتواه قديم؟
وهل سأكتفي بما تقدمه الجامعة، أم سأبني إلى جانب الشهادة الإنجليزية والمهارات الرقمية والشهادات المهنية والتدريب العملي والمشاريع؟
خلال الفترة القادمة…
واستمراراً لما قمت به في السنوات السابقة في مساعدة طلبة التوجيهي في اختيار تخصصاتهم، سأعمل هذا العام على تناول الموضوع بصورة أكثر عمقاً، من خلال استشراف سوق العمل للسنوات العشر القادمة 2026–2036.
وسأحاول تحليل التخصصات والوظائف ليس من زاوية الأردن فقط، وإنما من منظور:
الأردن – السعودية – الإمارات – قطر – الأسواق الدولية – والعمل عن بُعد.
وسنتناول التخصصات الواعدة، والتخصصات التي توجد مؤشرات على تشبعها، والمهن الأكثر تعرضاً للأتمتة، والمهن التي سيعززها الذكاء الاصطناعي، والرواتب، وفرص العمل الدولي، والتخصصات المركبة، والمسارات التي يمكن أن توفر دخلاً جيداً واستدامة مهنية على المدى الطويل.
تخصصات ذات طلب ونمو متوقع مرتفع حتى 2036
ومن أبرزها:
* الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب – AI & Computer Science
* علوم البيانات وتحليلات البيانات – Data Science & Analytics
* الأمن السيبراني – Cybersecurity
* هندسة البرمجيات والحوسبة السحابية – Software & Cloud Engineering
* هندسة الحاسوب والأنظمة المدمجة – Computer & Embedded Systems Engineering
* الروبوتات والأنظمة الذاتية – Robotics & Autonomous Systems
* هندسة أشباه الموصلات والإلكترونيات – Semiconductor & Electronics Engineering
* الهندسة الكهربائية والطاقة المتجددة – Electrical & Renewable Energy Engineering
* الهندسة الصناعية والتصنيع المتقدم – Industrial & Advanced Manufacturing Engineering
* الطب والتخصصات الصحية – Medicine & Healthcare
* التمريض – Nursing
* المعلوماتية الصحية والصحة الرقمية – Health Informatics & Digital Health
* التكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية الحيوية – Biotechnology & Bioinformatics
* سلاسل التوريد واللوجستيات – Supply Chain & Logistics
* التكنولوجيا المالية وتحليلات الأعمال – FinTech & Business Analytics
* الهندسة البيئية والمياه والاستدامة – Environmental, Water & Sustainability Engineering
* تكنولوجيا الزراعة والأغذية – AgriTech & Food Technology
والهدف ليس أن نقول للطالب:
“ادرس هذا التخصص.”
بل أن نساعده على أن يفهم البيانات والاتجاهات والمخاطر والفرص، ثم يختار التخصص الذي يجمع بين
قدراته وميوله + جودة التعليم + حاجة سوق العمل + الدخل المتوقع + قابلية العمل دولياً + القدرة على التكيف مع المستقبل.
لأن قرار التخصص الجامعي ليس قرار السنوات الأربع القادمة فقط.
إنه، في كثير من الحالات، أول قرار استراتيجي يتخذه الشاب لمستقبله المهني خلال الثلاثين سنة القادمة.
مبارك لأبنائنا وبناتنا طلبة التوجيهي، وأتمنى لهم أن يختاروا تخصصاتهم ليس بناءً على ما كان مطلوباً بالأمس، ولا على ما هو مشهور اليوم، بل بناءً على المكان الذي يتجه إليه العالم غداً.
*خبير في مجال التحول الرقمي وريادة الاعمال




