
رقمنة
*وصفي الصفدي
نجاح أي مشروع للتحول الرقمي لا يُقاس بعدد الخدمات التي تم رقمنتها، ولا بعدد التطبيقات التي تم إطلاقها، وإنما بمدى قدرة هذه الخدمات على تبسيط حياة المواطن، وتقليل الوقت والجهد والتكلفة عليه.
وتجربة عملية مع خدمة تجديد جوازات السفر عبر تطبيق “سند” تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مفهوم تصميم تجربة العميل في الخدمات الحكومية الرقمية، ومدى انتقال بعض الإجراءات الورقية إلى البيئة الرقمية دون إعادة هندستها بما يحقق القيمة الحقيقية للمستخدم.
فخلال تجربة تجديد ثلاثة جوازات سفر لأفراد من العائلة نفسها، ظهرت مجموعة من الملاحظات التي تستحق الوقوف عندها، ليس باعتبارها انتقاداً للخدمة، وإنما باعتبارها فرصاً حقيقية للتحسين.
أولى هذه الملاحظات تتمثل في بطء إنجاز خطوات الخدمة، وهو أمر قد يكون مرتبطاً بالأداء التقني أو تكامل الأنظمة، إلا أن الملاحظة الأكثر أهمية تتعلق بالإجراءات نفسها.
فلماذا يُطلب من المواطن تحميل صورة لجواز السفر القديم، بينما الجواز صادر أصلاً عن دائرة الأحوال المدنية والجوازات، وجميع بياناته موجودة في قواعد البيانات الحكومية؟
إذا كانت الحكومة تمتلك البيانات الأصلية، فإن أحد أهم مبادئ الحكومة الرقمية هو “عدم مطالبة المواطن بتقديم بيانات تملكها الحكومة بالفعل.”
هذه القاعدة أصبحت معياراً عالمياً في تصميم الخدمات الحكومية الحديثة، لأنها تقلل الأخطاء، وتختصر الوقت، وترفع مستوى الثقة بالخدمة.
لكن القضية الأهم تظهر عند تجديد أكثر من جواز سفر للعائلة نفسها.
ففي الحالة الحالية، يتعين على المستخدم تنفيذ ثلاث معاملات منفصلة بالكامل، لكل جواز سفر على حدة، مع دفع رسوم توصيل مستقلة لكل معاملة، رغم أن جميع الوثائق ستُرسل إلى العنوان نفسه، وغالباً بواسطة شركة التوصيل نفسها، وربما بواسطة المندوب نفسه.
وهنا يبرز سؤال بسيط، لكنه جوهري:
هل يدفع المواطن فعلياً مقابل ثلاث عمليات توصيل مختلفة، أم مقابل ثلاث مرات للخدمة نفسها؟
في المعاملات التقليدية داخل دائرة الأحوال المدنية والجوازات، يستطيع المواطن تجديد أكثر من جواز في زيارة واحدة دون أن يتحمل أي رسوم إضافية.
أما في البيئة الرقمية، فقد تحولت الخدمة إلى ثلاث معاملات مستقلة، وثلاث عمليات دفع مستقلة، وثلاث رسوم توصيل مستقلة، رغم أن النتيجة النهائية كانت طرداً بريدياً واحداً يصل إلى المنزل نفسه، فإن المواطن يكون قد دفع رسوم توصيل إضافية دون أن يقابلها خدمة إضافية فعلية.
أما إذا لم تُجمع في طرد واحد، فإن ذلك يعني هدراً إضافياً في الوقت والوقود والانبعاثات البيئية، واستنزافاً غير مبرر لموارد شركة التوصيل، إضافة إلى زيادة الكلفة التشغيلية على الدولة وشركائها.
وفي كلتا الحالتين، يبقى المواطن هو الطرف الذي يتحمل التكلفة.
إن تصميم الخدمات الرقمية الحديثة لا ينظر إلى كل معاملة باعتبارها وحدة منفصلة، وإنما ينظر إلى رحلة العميل كاملة.
وفي هذه الحالة، فإن رحلة المواطن تبدأ برغبته في تجديد جوازات أفراد أسرته، وليس بتجديد جواز واحد فقط.
لذلك، من المنطقي أن تتيح المنصة للمستخدم اختيار جميع الوثائق المنتهية الصلاحية التابعة للعائلة ضمن معاملة موحدة، ثم تنفيذ الطلب مرة واحدة، مع عنوان توصيل واحد، ورسوم توصيل واحدة، وجدولة واحدة للاستلام والتسليم.
هذا المفهوم مطبق في العديد من منصات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية حول العالم، حيث يستطيع المستخدم إضافة عدة منتجات أو خدمات إلى “سلة واحدة”، ثم إتمام عملية دفع واحدة وشحنة واحدة.
فإذا كانت هذه الفلسفة نجحت في التجارة الإلكترونية، فهي أكثر أهمية في الخدمات الحكومية التي يفترض أن يكون هدفها الأول هو تسهيل حياة المواطن، وليس زيادة عدد العمليات المنفذة.
وقد يكون من المناسب، إذا اقتضت الاعتبارات التشغيلية، فرض رسم إداري بسيط لكل وثيقة إضافية ضمن الطلب نفسه، إذا كان لذلك ما يبرره من كلفة فعلية، لكن يصعب تبرير فرض رسوم توصيل كاملة لكل وثيقة عندما يكون التسليم في الوقت نفسه، وللعنوان نفسه، ومن خلال المندوب نفسه.
كما أن هذه الحالة تكشف أهمية تبني مبدأ “الحدث الحياتي” في تصميم الخدمات الحكومية، بحيث تُبنى الخدمة حول احتياجات الأسرة أو المواطن، وليس حول الهيكل الإداري للمؤسسة.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني نقل النموذج الورقي إلى شاشة الهاتف، بل إعادة تصميم الإجراءات بالكامل بما يحقق الكفاءة والعدالة وسهولة الاستخدام.
إن ما تحقق في مشروع “سند” يمثل إنجازاً مهماً في مسيرة التحول الرقمي الأردني، لكن المرحلة القادمة يجب أن تركز بصورة أكبر على جودة التجربة، وليس فقط على رقمنة الإجراءات.
فالخدمة الرقمية الناجحة هي التي تجعل المواطن يشعر بأن التكنولوجيا اختصرت عليه الوقت والجهد والتكلفة، لا أن تضيف إليه رسوماً أو خطوات كان يمكن الاستغناء عنها.
وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي لأي منصة حكومية رقمية سؤالاً بسيطاً:
هل صُممت الإجراءات بما يخدم المؤسسة… أم بما يخدم المواطن؟
فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد نجاح التحول الرقمي، وليس عدد الخدمات الإلكترونية المتاحة.
*خبير التقنية والاتصالات




