ريادة الاعمالشركات

الشريك المؤسس لمنصة يسير: الشركات الريادية تعزز كفاءة الأسواق وتمثل ركيزة للنمو الاقتصادي

رقمنة

لم تعد الشركات الناشئة في الاقتصادات الحديثة مجرد مشاريع قائمة على التكنولوجيا، بل أصبحت محركا رئيسيا لإعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية التقليدية، ورفع كفاءة الأسواق، وابتكار حلول تعالج تحديات طالما واجهت الشركات الصغيرة والمتوسطة. ومع تسارع التحول الرقمي، برزت المنصات الرقمية كأحد أهم أدوات تطوير سلاسل التوريد، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الشفافية، بما ينعكس على تنافسية الاقتصاد وقدرته على تحقيق النمو المستدام.

وفي الأردن، شهدت منظومة ريادة الأعمال خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، مدعومة بتوسع برامج الاحتضان والتسريع، ونمو صناديق رأس المال الجريء، وظهور أدوات تمويل أكثر قدرة على دعم الشركات في مختلف مراحل نموها. وأسهم هذا التطور في تحويل العديد من الأفكار الريادية إلى شركات واعدة، قادرة على جذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، والتوسع خارج السوق المحلي، بما يعزز مكانة الأردن كمركز إقليمي للابتكار وريادة الأعمال.

وفي هذا الإطار، تبرز منصة «يسير» كنموذج لشركة أردنية تسعى إلى تطوير قطاع تجارة الجملة، من خلال بناء منصة رقمية تربط الموردين بالبقالات والمتاجر الصغيرة ومتناهية الصغر، بما يسهم في تحسين كفاءة عمليات الشراء، وتوفير خيارات أوسع، وتعزيز القدرة التنافسية لهذه المتاجر.

وقال الشريك المؤسس لمنصة «يسير»، عامر ناصر الدين، في مقابلة مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن رؤية الشركة منذ انطلاقها لم تكن تقتصر على إنشاء منصة رقمية تربط الموردين بالتجار، وإنما تمكين المتاجر الصغيرة من الحصول على الأدوات والخدمات التي كانت متاحة في السابق لكبار التجار فقط.

وأوضح أن “يسير” تعمل على توفير تشكيلة واسعة من المنتجات، وأسعار أكثر تنافسية، وخدمات توصيل أسرع، إلى جانب حلول تمويل لرأس المال العامل، بما يساعد أصحاب المتاجر على تنمية أعمالهم، وتحسين قدرتهم على تلبية احتياجات المستهلكين، وتعزيز استدامة أعمالهم.

وأضاف أن المتاجر الصغيرة ومتناهية الصغر تمثل شريحة واسعة من النشاط التجاري في المملكة، إلا أنها كانت تواجه تحديات تتعلق بالحصول على المنتجات من موردين متعددين، وتفاوت الأسعار، الأمر الذي دفع الشركة إلى تطوير نموذج أعمال يعالج هذه التحديات من خلال منصة واحدة توفر الكفاءة والشفافية وسهولة الوصول إلى الموردين.

وحول واقع ريادة الأعمال في الأردن، أكد ناصر الدين أن البيئة الريادية شهدت تطورا كبيرا خلال السنوات الماضية، وأصبحت أكثر نضجا مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن، في ظل وجود مسرعات أعمال، وصناديق استثمار، ومؤسسات داعمة وفرت لرواد الأعمال التمويل والإرشاد وبناء العلاقات، الأمر الذي أسهم في زيادة قدرة الشركات الناشئة على النمو.

وأضاف أن المنظومة تشهد اليوم مرحلة أكثر تقدمًا مع ظهور صناديق استثمار تستهدف الشركات في مراحل النمو، وهو ما يسهم في سد فجوة التمويل التي كانت تواجه العديد من الشركات بعد تجاوز مرحلة التأسيس، ويفتح المجال أمامها للتوسع على المستوى الإقليمي والعالمي.

وأشار إلى أن الصندوق الأردني للريادة لعب دورا مهما في تعزيز منظومة الاستثمار الريادي في المملكة، من خلال تحفيز الاستثمار في الشركات الناشئة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، ودعم صناديق رأس المال الجريء، بما وفر فرصًا أكبر للشركات الواعدة للحصول على التمويل اللازم للنمو والتوسع.

وأوضح أن استفادة “يسير” من استثمار قادته Oasis500 بمشاركة مستثمرين مؤسسيين، وبدعم من الصندوق الأردني للريادة، شكلت محطة مفصلية في مسيرة الشركة، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية لهذا الاستثمار لم تكن في التمويل وحده، وإنما في بناء منظومة حوكمة أكثر قوة، وتشكيل مجلس إدارة فاعل، والاستفادة من خبرات المستثمرين وشبكاتهم وعلاقاتهم، الأمر الذي انعكس على رفع كفاءة الأداء المؤسسي، وتعزيز جاهزية الشركة لمراحل النمو المقبلة.

وأضاف أن رأس المال الذكي لا يقتصر على ضخ التمويل، وإنما يشمل نقل المعرفة والخبرة، وبناء المؤسسات القادرة على النمو المستدام، وهو ما تحتاجه الشركات الناشئة في مراحلها المختلفة.

وأكد ناصر الدين أن نجاح الشركات الناشئة لا يقاس فقط بحجم التمويل أو سرعة النمو، وإنما بقدرتها على بناء نموذج أعمال مستدام يحقق قيمة حقيقية للعملاء. وبين أن المؤشر الأهم بالنسبة لـ”يسير” يتمثل في اعتماد أصحاب المتاجر على المنصة في إدارة مشترياتهم اليومية، واستمرارهم في استخدامها بشكل متكرر، إلى جانب النمو في حجم المشتريات وربحية العمليات، باعتبارها مؤشرات تعكس نجاح النموذج واستدامته.

وفيما يتعلق بالتوسع، قال إن الأردن يمتلك جميع المقومات اللازمة لبناء شركات إقليمية، وفي مقدمتها الكفاءات البشرية، والقدرات التقنية، وروح المبادرة، إلا أن محدودية حجم السوق المحلي تجعل التفكير بالأسواق الإقليمية ضرورة استراتيجية منذ المراحل الأولى لتأسيس الشركات.

وأكد أن التوسع خارج الأردن لا يعني مغادرة السوق المحلية، بل يمثل امتدادًا طبيعيًا للشركات الأردنية، ويسهم في استقطاب المزيد من الاستثمارات، وزيادة الصادرات الخدمية، ونقل الخبرات، وخلق فرص عمل جديدة داخل المملكة.

وحول أبرز التحديات التي واجهت “يسير”، أوضح ناصر الدين أن التحدي الأكبر لم يكن تطوير التكنولوجيا، وإنما تغيير السلوك السائد في الأسواق التقليدية، مبينًا أن بناء ثقة التجار بالحلول الرقمية احتاج إلى وقت وجهد، وإثبات عملي للقيمة التي تقدمها المنصة من حيث توفير الوقت، وتحسين الأسعار، ورفع كفاءة عمليات الشراء.

وأضاف أن التحول الرقمي في القطاعات التقليدية يعتمد على بناء الثقة قبل أي شيء آخر، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا لم تحقق أثرًا ملموسًا يشعر به المستخدم في أعماله اليومية.

ودعا إلى مواصلة تطوير البيئة التنظيمية الداعمة لريادة الأعمال، من خلال تسهيل إجراءات الاستثمار، وتطوير التشريعات المتعلقة بالاستثمار الجريء، وتعزيز مرونة البيئة التنظيمية، إضافة إلى إتاحة فرص أكبر أمام الشركات الناشئة للمشاركة في المشتريات الحكومية، بما يسهم في تسريع نموها وزيادة مساهمتها في الاقتصاد الوطني.

وأكد أن دعم الشركات الريادية يمثل استثمارًا في الاقتصاد الوطني، لما لها من دور في رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، واستحداث وظائف نوعية، وجذب رؤوس الأموال، وزيادة تنافسية المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.

واكد على أن مستقبل ريادة الأعمال في الأردن ينبغي أن يرتكز على بناء شركات مستدامة ذات أثر اقتصادي طويل الأمد، قادرة على خلق الوظائف، وجذب الاستثمارات، والتوسع في الأسواق الإقليمية والعالمية، مشددًا على أن نجاح الشركات الأردنية في المنافسة خارج الحدود يمثل انعكاسًا لقدرة الكفاءات الوطنية على بناء مؤسسات تنافس عالميًا، وتسهم في تحقيق مستهدفات التحديث الاقتصادي وتعزيز النمو المستدام.

بترا – رائف الشياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى