مقالات

الخبير الاستراتيجي الاقتصادي ليث الخطيب يكتب لـ ” رقمنة” : عصر الرؤية… عندما يصبح الخيال رأس المال الحقيقي

رقمنة 

*ليث الخطيب

على امتداد العقود الماضية، كانت ريادة الأعمال تقوم على معادلة ثابتة؛ فصاحب الرؤية يمتلك الفكرة، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى واقع إلا من خلال فريق كبير من المتخصصين. كانت الأفكار العظيمة تتوقف عند حدود القدرة على التنفيذ، ويصبح نجاحها مرهونًا بوجود المبرمج، والمهندس، والمصمم، والإداري، وكل من يملك المهارة اللازمة لتحويل الحلم إلى منتج أو خدمة.

لهذا السبب، لم تكن الأفكار وحدها كافية. فكم من مشروع رائد بقي حبيس الأدراج، وكم من ابتكار تأخر سنوات، ليس لضعف الفكرة، وإنما لعجز صاحبه عن جمع الفريق المناسب أو توفير الموارد البشرية القادرة على تنفيذها.

إلا أن هذه المعادلة، في تقديري، بدأت تدخل مرحلة تاريخية جديدة مع صعود الذكاء الاصطناعي.

فالتحول الحقيقي الذي نشهده اليوم لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة الأكواد أو تصميم الصور أو تحليل البيانات، بل في أنه بدأ يختصر المسافة بين الفكرة والتنفيذ. ما كان يحتاج في السابق إلى فريق كامل من المبرمجين، أصبح بإمكان شخص واحد إنجازه بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، وما كان يتطلب أشهرًا من العمل، قد يُنجز اليوم خلال أيام أو حتى ساعات.

لقد كنت، كغيري من رواد الأعمال، أحتفظ بأفكار كثيرة كنت أؤمن بقدرتها على صناعة أسواق جديدة أو تقديم حلول مختلفة. لكن العقبة لم تكن في الفكرة نفسها، بل في التنفيذ. كنت بحاجة إلى مبرمجين وشركاء تقنيين يؤمنون بالرؤية ذاتها، بينما كان معظمهم ينظر إلى المشروع من زاوية مختلفة؛ فهو يبحث عن وظيفة أو أجر مقابل عمل، لا عن مغامرة فكرية أو رهان على المستقبل.

وهنا كانت المفارقة.

فصاحب الرؤية هو من يتحمل المخاطرة الحقيقية، وهو من يقرأ المستقبل قبل الآخرين، وهو من يراهن على فكرة لم تثبت نجاحها بعد. أما المنفذ، مهما بلغت كفاءته، فإنه غالبًا ما يتعامل مع المشروع بوصفه مهمة مهنية، لا رؤية استراتيجية. ولهذا كانت الفجوة بين من يتخيل المستقبل ومن يمتلك أدوات التنفيذ واسعة، وأحيانًا قاتلة لكثير من المشاريع.

اليوم، بدأت هذه الفجوة تضيق بصورة غير مسبوقة.

فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على أداء جزء كبير من الأعمال التنفيذية، وسيزداد هذا الدور مع تطور النماذج البرمجية، ثم مع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى العالم الفيزيائي عبر الروبوتات والأنظمة الصناعية الذكية. وعندما يحدث ذلك، لن يصبح تنفيذ الأفكار مرهونًا بحجم الفريق، بل بوضوح الرؤية وجودة الفكرة.

ومن هنا أعتقد أننا مقبلون على تحول أعمق من مجرد ثورة تقنية.

إننا نتجه نحو اقتصاد جديد، تصبح فيه الرؤية هي المورد الأكثر ندرة، ويغدو الخيال أصلًا اقتصاديًا يفوق في قيمته كثيرًا من المهارات التنفيذية التقليدية. فالبرمجة ستصبح أكثر سهولة، والتصميم سيزداد أتمتة، والتحليل ستنجزه الخوارزميات بسرعة ودقة، لكن القدرة على اكتشاف الفرص، وربط الأفكار، وقراءة الاتجاهات قبل ظهورها، ستبقى ميزة لا يمكن استنساخها بسهولة.

إن السؤال الذي سيحدد قيمة الإنسان في العقود القادمة لن يكون: ماذا تستطيع أن تنفذ؟ بل: ماذا تستطيع أن ترى قبل الآخرين؟

ولهذا، أعتقد أن العالم يتجه إلى مرحلة يصبح فيها أصحاب الرؤى أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى. ليس لأنهم الأكثر معرفة بالتقنية، بل لأن التقنية نفسها ستصبح في متناول الجميع، بينما ستظل الرؤية الحقيقية سلعة نادرة.

قد لا يكون أغنى رجال المستقبل هم أصحاب أكبر الشركات أو أكبر عدد من الموظفين، بل أولئك الذين يمتلكون القدرة على قراءة المستقبل، وصياغة أفكار غير مسبوقة، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحويلها إلى واقع بأقل قدر من الوقت والموارد.

إننا لا نشهد فقط ولادة عصر الذكاء الاصطناعي، بل نشهد بداية عصر الرؤية؛ العصر الذي تصبح فيه الأفكار، لا الأدوات، هي المصدر الحقيقي للقوة والثروة، ويصبح الخيال، للمرة الأولى في التاريخ، رأس المال الأكثر قيمة.

*خبير استراتيجي اقتصادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى