
رقمنة
تسببت الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى في أزمة عالمية بقطاع السفر، بعد إغلاق مجالات جوية وإلغاء أكثر من 20 ألف رحلة، مما أدى إلى تعليق سفر أكثر من مليون شخص حول العالم.
وجد ملايين المسافرين أنفسهم عالقين بسبب الحرب والنزاعات الأخرى من إيران إلى المكسيك خلال هذا العام، وهي مشكلات تهدد صناعة السياحة العالمية التي تقدر قيمتها بنحو 11.7 تريليون دولار للاقتصاد العالمي، وفقاً للمجلس العالمي للسفر والسياحة. ويظهر ذلك أن الأشخاص البعيدين من الصواريخ المتساقطة وهجمات الطائرات المسيرة ونقاط التوتر الجيوسياسية ليسوا بمنأى عن آثارها غير المباشرة.
وقالت الرئيسة والمديرة التنفيذية للمجلس العالمي للسفر والسياحة غلوريا غيفارا، في بيان تلقت “اندبندنت عربية” نسخة عنه، أن المجلس يتابع من كثب تأثير التوترات الحالية في الشرق الأوسط على المسافرين والشركات والمجتمعات في جميع أنحاء المنطقة وخارجها.
وأضافت غيفارا “يجب أن تبقى سلامة ورفاهية المسافرين والعاملين في قطاع السفر والسياحة على رأس أولوياتنا دائماً”. وتابعت “في مثل هذه الأوقات، يعد التعاون الوثيق بين الحكومات والقطاع الخاص أمراً بالغ الأهمية”، مشيرة إلى أن “أعضاء المجلس العالمي للسفر والسياحة وشركاءه يعملون معاً لإعطاء الأولوية للسلامة، وتبادل المعلومات، ودعم المسافرين والمجتمعات المتضررة من الاضطرابات”. وأوضحت “لقد أثبت قطاع السفر والسياحة باستمرار مرونته في مواجهة التحديات العالمية، وباعتباره قوة حيوية للتواصل والاستقرار الاقتصادي والتفاهم المتبادل، يواصل هذا القطاع التكيف والاستجابة بمسؤولية خلال فترات عدم اليقين”.
وقالت غيفارا إن “المجلس العالمي للسفر والسياحة يقف جنباً إلى جنب مع القطاع العالمي في دعم السفر الآمن والمسؤول، مع تشجيع الاستقرار الذي يمكن قطاع السفر والسياحة من مواصلة المساهمة بصورة إيجابية في الاقتصادات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم”.
وقد أدى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران إلى اندلاع أزمة كبيرة في مجالات الطيران والسفر والسلامة. فقد تقطعت السبل بأكثر من مليون شخص حول العالم بسبب إغلاق المجالات الجوية، مما أدى إلى إيقاف أكثر من 20 ألف رحلة منذ السبت الماضي، وفقاً لبيانات شركة “سيريوم” المتخصصة في بيانات الطيران، وعلق بعض المسافرين أيضاً على متن سفن الرحلات البحرية.
وشهدت الاستفسارات حول وثائق التأمين السياحي الأكثر كلفة، والتي تسمح بالإلغاء لأي سبب ارتفاعاً هائلاً وصل إلى 18 ضعفاً هذا الأسبوع، وفقاً لتصريحات المديرة العليا للعمليات في منصة “سكويرماوث” الإلكترونية لتأمين السفر كريسي فالدز لشبكة “سي أن بي سي”.
ومنذ السبت الماضي أطلقت إيران هجمات انتقامية على الدول الخليجية، مما أثر في مطاراتها المزدحمة بحركة المسافرين الدوليين، وقد تركت الضربات المتبادلة شركات الطيران أمام خيارات محدودة لإعادة المسافرين إلى بلدانهم.
وبعد أيام من الهجوم طلبت وزارة الخارجية الأميركية من مواطنيها في جزء كبير من المنطقة المغادرة فوراً، مع توفر خيارات محدودة.
وقالت الوزارة إنها تعمل على تنظيم رحلات جوية مستأجرة للمواطنين الأميركيين الراغبين في العودة من السعودية وإسرائيل والإمارات وقطر.
وقال المسؤول التنفيذي السابق في شركات الطيران ومؤسس شركة “أتموسفير ريسيرش غروب” الاستشارية في قطاع السفر هنري هارتيفيلدت لشبكة “سي أن بي سي”، “لقد تحولت هذه الأزمة إلى مستنقع معقد في قطاع الطيران”.
الصراعات العالمية
تعد الحرب مع إيران أخطر صراع عسكري هذا العام، لكنها واحدة من سلسلة عقبات هددت الطلب على السفر وأرباح الفنادق وشركات الطيران والرحلات البحرية، إضافة إلى الاقتصادات المحلية التي تعتمد بصورة كبيرة على السياحة، خصوصاً السياح الدوليين الذين ينفقون عادة أكثر من الزوار المحليين.
فبعد ثلاثة أيام فحسب من بداية عام 2026، شنت الولايات المتحدة ضربة عسكرية على فنزويلا واعتقلت رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس.
وأدى الهجوم إلى إغلاق المجال الجوي في أنحاء منطقة الكاريبي، مما ترك المسافرين عالقين، وكثير منهم في منتجعات فاخرة أو منازل مستأجرة كانوا قد حجزوها لقضاء عطلات نهاية العام.
ثم في فبراير (شباط) الماضي تم تعليق الرحلات الجوية في أجزاء من المكسيك، بما في ذلك مدينة بويرتو فالارتا الساحلية السياحية ومدينة غوادالاخارا، بعد اندلاع أعمال عنف عقب مقتل زعيم أحد كارتلات المخدرات على يد الجيش المكسيكي.
وقد اضطر المسؤولون التنفيذيون في قطاع السفر إلى اتخاذ تغييرات مكلفة بالفعل، مثل تغيير مساراًت الرحلات أو إلغائها، وتقديم سياسات حجز مرنة واسترداد الأموال، وإيقاف الطائرات أو تعديل خطط الطيران بالكامل، أو خفض أسعار الغرف الفندقية.
ولا تزال كلفة هذه الصراعات قيد الحساب، بما في ذلك كلفة الوقود، وهو أحد أكبر النفقات بالنسبة إلى شركات الطيران والرحلات البحرية إلى جانب العمالة.
وغالباً ما يتم تمرير هذه الكلفة إلى المستهلكين، ما يعني أن أسعار التذاكر والإقامات الفندقية قد ترتفع، فعلى سبيل المثال، قالت شركة الطيران الأسترالية “كوانتاس” لشبكة “سي أن بي سي” إن رحلتها من بيرث في أستراليا إلى لندن ستسلك الآن مساراً يتطلب التوقف للتزود بالوقود في سنغافورة، على رغم أن ذلك سيسمح أيضاً بنقل نحو 60 راكباً إضافياً.
تحطم آمال الطيران لعام 2026
كان المسؤولون التنفيذيون في قطاع السفر بدأوا عام 2026 بتفاؤل، كما يحدث غالباً في بداية كل عام. فقد توقع بعض رؤساء شركات الطيران، بما في ذلك أكبر الشركات الأميركية ربحية مثل “دلتا إيرلاينز” و”يونايتد إيرلاينز”، لتحقيق أرباح قياسية هذا العام، لكن الحرب والحوادث الأخرى اندلعت في وقت يعتمد فيه قطاع السفر بصورة متزايدة على الخدمات الفاخرة لجذب المسافرين الأثرياء الذين يشكلون حصة أكبر من إجمال الإنفاق. وخسارة هذه الفئة من الرحلات مرتفعة الكلفة قد تكون ضربة كبيرة لتلك الشركات وكذلك للاقتصادات المحلية.
وفي المكسيك على سبيل المثال، تمثل السياحة نحو تسعة في المئة من الاقتصاد، وقد ارتفع عدد السياح الدوليين العام الماضي بنسبة 13.6 في المئة ليصل إلى 98.2 مليون شخص، أنفقوا نحو 35 مليار دولار، وفقاً لوزارة السياحة في البلاد.
لكن، الآن بدأت شركات الطيران في تقليص الرحلات إلى بويرتو فالارتا، في الأقل من الولايات المتحدة في المدى القريب، فقد خفضت شركة “دلتا” رحلاتها إلى المدينة من 3 أبريل (نيسان) المقبل حتى نهاية الشهر، باستثناء رحلة يومية واحدة من لوس أنجليس وأخرى من أتلانتا، وفقاً لنشرة “كرانكي نتوورك ويكلي” المتخصصة في متابعة تغييرات شبكات شركات الطيران.
وقلصت شركتا “ألاسكا إيرلاينز” و”ساوث ويست إيرلاينز” خدماتهما خلال مارس (آذار) الجاري، وكتب مؤلفا نشرة “كرانكي نتوورك ويكلي” بريت سنايدر وكورتني ميلر، في إصدار الأول من مارس الجاري، “ربما ينسى الناس مخاوف مطار بويرتو فالارتا الدولي مع انتقال العناوين الرئيسة إلى الشرق الأوسط وعودة الحجوزات للارتفاع، لكننا سنراقب تغييرات السعة التشغيلية كمؤشرات مبكرة”.
وتأتي هذه التطورات أيضاً قبل ثلاثة أشهر فحسب من بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستستضيفها مدن في كندا والمكسيك والولايات المتحدة.
وبدأت بعض الفنادق في المكسيك تلاحظ التغيير، فقد قال مدير فندق “ريفيرا ديل ريو” في بويرتو فالارتا فيكتور رازو إن الحجوزات انخفضت بنحو 10 في المئة مقارنة بالعام الماضي، مضيفاً “قدمنا بعض العروض الترويجية بسبب ما حدث”، موضحاً أن الأسعار انخفضت بين 10 و20 في المئة قبل موسم عطلات الربيع وأسبوع الآلام المزدحم في الشهر المقبل. وأشار إلى أن الفندق لم يكن قريباً من مواقع الاضطرابات التي شملت إغلاق طرق، وأن الحجوزات استقرت منذ ذلك الحين، وختم قائلاً “الأمر ليس مثل بداية الجائحة. لا توجد مقارنة”.
المصدر : الانديبندنت




