
في ظل تطوره المستمر خلال فترة قصيرة، تحول “شات جي بي تي” من مجرد نافذة يكتب فيها المستخدم سؤالا وينتظر إجابة، أو أداة تساعده على صياغة نص أو تلخيص مقال، ليقترب تدريجيا من نموذج “المساعد الرقمي” القادر على البحث والتحليل وتنظيم المعلومات والتعامل مع الملفات والتطبيقات، بل وتنفيذ مهام طويلة تتطلب سلسلة من الخطوات.
وهذا التحول يعكس سباقا أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي لنقل النماذج من مرحلة الإجابة إلى مرحلة الفعل، وبدلا من أن يكتفي المستخدم بتلقي المعلومات، أصبح بإمكانه تكليف “شات جي بي تي” بجزء كبير من العمل الذي يسبق النتيجة النهائية.

1. البحث المتعمق.. عندما يتحول “شات جي بي تي” إلى باحث
تأتي ديب ريسيرتش (Deep Research) في مقدمة الأدوات المصممة للمهام البحثية المعقدة، فبدلا من فتح عشرات الصفحات والانتقال بينها لجمع المعلومات، يستطيع المستخدم تحديد السؤال والنتيجة المطلوبة والمصادر التي يريد الاعتماد عليها، ثم ترك الأداة تنفذ عملية البحث بصورة منظمة.
وتستطيع الميزة التعامل مع الملفات التي يرفعها المستخدم، والبحث في الويب العام أو مواقع محددة، والاستفادة من التطبيقات المتصلة، ثم إعداد تقرير يتضمن المراجع والاستشهادات وروابط المصادر.
كما حصلت ديب ريسيرتش على تحديثات خلال هذا العام، من بينها دعم التطبيقات وبروتوكول “إم سي بي” (MCP) وإمكانية تقييد البحث على مواقع موثوقة، وهو ما يمنح المستخدم سيطرة أكبر على نوعية المعلومات التي تدخل في عملية البحث.
وتبرز أهمية الأداة للباحثين والصحفيين والطلاب وفرق الأعمال، فبدلا من قضاء ساعات في مقارنة تطورات سوق معين، يمكن تكليفها بجمع المعلومات وتحليلها وإعداد خلاصة منظمة.
لكن السرعة لا تعني بالضرورة الدقة المطلقة، فالمعلومات المهمة تظل بحاجة إلى مراجعة المصادر الأصلية، خصوصا في القضايا العلمية والاقتصادية والصحفية.
2. “شات جي بي تي وورك”.. خطوة نحو الوكيل الذي ينفذ المهمة
إذا كانت ديب ريسيرتش تركز على البحث، فإن “شات جي بي تي وورك” (ChatGPT Work) يمثل خطوة أوسع نحو جعل الذكاء الاصطناعي منفذا لمهام كاملة.
الفارق هنا أن المستخدم لا يحتاج بالضرورة إلى تقسيم المهمة بنفسه إلى عشرات الأوامر، بل يمكنه تحديد الهدف النهائي، بينما يتولى “شات جي بي تي وورك” تفكيك المهمة إلى مراحل والعمل عليها، مع إتاحة متابعة التقدم والتدخل عند الحاجة. وهذا يعني انتقالا مهما من نموذج اسأل الذكاء الاصطناعي إلى نموذج كلّف الذكاء الاصطناعي.
فمثلا، بدلا من طلب تحليل مجموعة من الملفات ثم صياغة تقرير ثم إعداد عرض تقديمي في محادثات منفصلة، يمكن تكليف الأداة بالمشروع كاملا، على أن يراجع المستخدم النتائج قبل اعتمادها.

3. تحليل البيانات.. اسأل الجدول بدلا من قراءة آلاف الصفوف
من أكثر المجالات التي يمكن أن يوفر فيها “شات جي بي تي” الوقت، هي تحليل البيانات والملفات. فبعد رفع جدول بيانات، يستطيع المستخدم طرح أسئلة باللغة الطبيعية عن محتواه، مثل تحديد المنتجات الأسرع نموا، أو مقارنة أداء فترتين، أو البحث عن القيم غير المعتادة، أو إنشاء جداول ورسوم توضيحية.
وهنا تكمن إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعي، وهي تحويل مهمة كانت تتطلب أحيانا معرفة بالبرمجة أو أدوات تحليل متخصصة إلى محادثة مباشرة.
فبدلا من البحث عن المعادلة المناسبة، يمكن للمستخدم أن يقول حلل المبيعات، وقارن النتائج بين النصف الأول والثاني من العام، وحدد أكثر المنتجات نموا.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول سهولة التحليل إلى ثقة عمياء بالنتائج، فالبيانات قد تحتوي على أخطاء، والنموذج قد يسيء تفسير بعض القيم، ولذلك تظل المراجعة البشرية ضرورية، خاصة عند استخدام التحليل لاتخاذ قرارات مالية أو إدارية.
4. المشاريع.. ذاكرة المشروع في مكان واحد
كثير من الأعمال لا تنتهي خلال محادثة واحدة، وهنا تظهر أهمية المشاريع (Projects)، حيث تتيح الميزة إنشاء مساحة تجمع المحادثات والملفات والتعليمات المرتبطة بمشروع معين، بحيث يستطيع المستخدم العودة إليه لاحقا دون إعادة شرح الخلفية والسياق في كل مرة.
وتفيد هذه المساحات في الأبحاث الطويلة، وكتابة التقارير، والتخطيط، والمشروعات التي تتطور بمرور الوقت.
ويمكن للصحفي، مثلا، إنشاء مشروع خاص بملف تقني، وإضافة الدراسات والتقارير والمصادر إليه، ثم استخدام المحادثات داخله لكتابة أجزاء التقرير ومراجعتها وتحديثها.
وبذلك يتحول “شات جي بي تي” من سلسلة محادثات منفصلة إلى مساحة عمل تحتفظ بالسياق المرتبط بالمشروع.
5. التطبيقات.. تقليص المسافة بين “شات جي بي تي” وبقية الأدوات
تسمح التطبيقات (Apps) بربط “شات جي بي تي” بخدمات وأدوات ومصادر بيانات خارجية، ما يقلل الحاجة إلى التنقل المستمر بين التطبيقات.
وبدلا من البحث عن المعلومات في خدمة خارجية ثم نسخها يدويا إلى “شات جي بي تي”، يمكن للتطبيقات المتصلة إتاحة الوصول إلى البيانات واستخدامها داخل سير العمل. ويجعل ذلك “شات جي بي تي” أقرب إلى واجهة تجمع مجموعة من الأدوات في مكان واحد.

6. الذاكرة.. لا حاجة إلى إعادة شرح كل شيء
تعمل الذاكرة (Memory) على تقليل التكرار في المحادثات المتواصلة، من خلال الاحتفاظ ببعض التفاصيل والتفضيلات والسياقات المفيدة للمستخدم.
وتظهر الفائدة خصوصا لمن يستخدم “شات جي بي تي” بصورة متكررة في نوع معين من المهام، فإذا كان المستخدم يفضل أسلوبا معينا في تنظيم المعلومات أو إعداد التقارير، يمكن للذاكرة تقليل الحاجة إلى إعادة هذه التعليمات في كل مرة.
لكن الذاكرة ليست مصممة لتكون مستودعا للمستندات الطويلة، بل تركز على المعلومات والسياقات التي يمكن أن تجعل التفاعلات اللاحقة أكثر ملاءمة.
كما يستطيع المستخدم مراجعة الذكريات وإدارتها أو تعطيلها من إعدادات “شات جي بي تي”، وهو أمر مهم عندما يتعلق الأمر بالمعلومات الشخصية أو الحساسة.
7. المهام المجدولة.. دع “شات جي بي تي” يتولى الأعمال المتكررة
آخر حلقات هذا التحول تتمثل في المهام المجدولة (Scheduled Tasks)، التي تتيح جدولة مهام ينفذها “شات جي بي تي” في وقت محدد أو بصورة دورية.
ويمكن استخدام هذه الإمكانية لإعداد موجزات دورية، أو التذكير بمهمة، أو متابعة موضوع وإبلاغ المستخدم عند ظهور تحديثات جديدة.
وتختلف حدود المهام المتاحة بحسب خطة الاشتراك، كما يمكن للمستخدم إدارة المهام الموجودة وإيقافها أو تعديلها أو حذفها. وتكشف هذه الميزة عن اتجاه مهم، وهو أن الذكاء الاصطناعي لا ينتظر دائما أن يفتح المستخدم المحادثة ويسأله، بل يمكنه المشاركة في بعض الأعمال المتكررة وفق جدول محدد.

من اسألني إلى دعني أنجزها
تكشف هذه القدرات السبع عن تحول أعمق في فلسفة استخدام “شات جي بي تي”، فالقيمة لم تعد مرتبطة فقط بمدى جودة الإجابة التي ينتجها النموذج، وإنما بقدرته على اختصار سلسلة العمل التي تقود إلى تلك الإجابة.
لكن هذا التطور لا يعني أن دور الإنسان يتراجع إلى الصفر، على العكس، كلما زادت قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول إلى البيانات وتنفيذ الإجراءات، ازدادت أهمية المراجعة البشرية والتحقق من المصادر وفهم الصلاحيات ومراقبة النتائج.
كما أن منظومة “شات جي بي تي” نفسها تتغير بسرعة، وقد تختلف الميزات المتاحة من مستخدم إلى آخر بحسب الخطة والمنطقة وإعدادات الحساب ومرحلة طرح التحديثات.
وفي النهاية، ربما لا تكون القيمة الحقيقية لهذه الأدوات في أن تجعل الإنسان يتوقف عن العمل، وإنما في أن تحرره من جزء من الأعمال المتكررة التي تستهلك وقته، لتمنحه مساحة أكبر للتفكير والتحليل والإبداع واتخاذ القرار.




