
وتكشف المراجعة الدورية للوكالة عن مجموعة من نقاط القوة التي يستند إليها الاقتصاد الأردني، أبرزها مصداقية السياسات الاقتصادية والنقدية، واستقرار سعر صرف الدينار المرتبط بالدولار الأميركي، وفاعلية المؤسسات الوطنية في إدارة الأزمات واحتواء الصدمات، إلى جانب توقعات بارتفاع تدريجي لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى نحو 3 % خلال ما تبقى من العقد الحالي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن التقييمات الفرعية التي أوردتها “موديز” تعكس ثقة المؤسسات الدولية بقدرة الأردن على إدارة سياساته الاقتصادية والمالية، وتؤكد أهمية الاستقرار النقدي والمؤسسي في تعزيز الجدارة الائتمانية للمملكة. إلا أنهم يشددون على أن تعظيم مكاسب هذه التقييمات يتطلب تسريع تنفيذ الإصلاحات والمشاريع الإستراتيجية، وتوسيع قاعدة الإنتاج والصادرات، وتحسين بيئة الاستثمار، بما ينعكس بصورة مباشرة على النمو والتشغيل ومستوى المعيشة.
“موديز”: نمو تدريجي مدعوم بالإصلاحات والبنية التحتية
أنهت وكالة “موديز” مراجعتها الدورية لتصنيفات الأردن الائتمانية، متوقعة استمرار قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وأن يرتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تدريجيا إلى نحو 3 % خلال ما تبقى من العقد الحالي.
وفي تقييمها لمكونات الجدارة الائتمانية، منحت الوكالة القوة الاقتصادية للأردن درجة “ba1″، مقارنة بدرجة أولية عند “ba2″، مستندة إلى توقعات تحسن النمو بدعم من مشاريع البنية التحتية الكبرى، والتنفيذ التدريجي للإصلاحات الاقتصادية، وتحسن الاندماج التجاري الإقليمي.
كما رفعت تقييم القوة المالية ضمن بطاقة التقييم إلى “b2″، مقارنة بالدرجة الأولية “b3″، في ضوء استقرار ربط الدينار الأردني بالدولار الأميركي، وما يوفره من حماية للمالية العامة .
وأظهرت بطاقة التقييم النهائية نطاقا يتراوح بين “Ba2” و”B1″، مقارنة بالنطاق الأولي الذي تراوح بين “Ba3” و”B2″، فيما يقع التصنيف المعين للأردن ضمن نطاق النتيجة النهائية المشار إليها.
وفي المقابل، سجل تقييم قوة المؤسسات والحوكمة درجة “baa1″، بما يعكس، بحسب الوكالة، متانة المؤسسات الوطنية وسجلها في المحافظة على مصداقية السياسات وفاعليتها، فضلا عن قدرتها على تنفيذ الإصلاحات واتباع سياسات استباقية للتعامل مع الصدمات.
وأبقت “موديز” النظرة المستقبلية مستقرة، في ظل توازن المخاطر الإيجابية والسلبية التي تواجه الملف الائتماني للمملكة، متوقعة أن تبقى التداعيات غير المباشرة للصراع في الشرق الأوسط محدودة نسبيا.
ولفتت الوكالة إلى أن الإصلاحات الحكومية واسعة النطاق قد تسهم في تسريع تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى الاقتصاد الأردني، بما يتيح إمكانية تحقيق معدلات نمو أعلى من توقعاتها الحالية، ويعزز قدرة المملكة على التعامل مع التحديات المحلية والخارجية.
وربطت الوكالة فرص رفع التصنيف مستقبلا بمدى نجاح الإصلاحات في تحسين آفاق النمو على المدى المتوسط، وخفض البطالة والمخاطر الاجتماعية، وتحقيق تراجع ملموس في عبء الدين الحكومي والالتزامات المحتملة، خصوصا في قطاعي المياه والكهرباء، إلى جانب انخفاض مستدام في المخاطر الجيوسياسية الإقليمية.
الاستقرار النقدي والمؤسسي يعززان قدرة الاقتصاد على الصمود
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن مراجعة “موديز” تعكس قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحديات هيكلية مزمنة، موضحا أن التقييم لا يقتصر على مؤشرات النمو، بل يقدم قراءة لمواطن القوة والضعف في الهيكلين المالي والمؤسسي للمملكة.
وأضاف، إن تحسن تقييم القوة الاقتصادية إلى “ba1” مقارنة بالدرجة الأولية “ba2” يعكس توقعات الوكالة بتعزز النمو تدريجيا وصولا إلى نحو 3 %، مدعوما بمشاريع البنية التحتية الكبرى والإصلاحات الاقتصادية وتحسن الاندماج التجاري الإقليمي.
وأوضح أن تقييم القوة المالية عند “b2” مقارنة بالدرجة الأولية “b3” يرتبط بصورة أساسية بمصداقية سياسة ربط الدينار بالدولار الأميركي، وما توفره من استقرار نقدي يحد من التعرض لتقلبات أسعار الصرف ويسهم في دعم الاستقرار المالي والاقتصادي.
وأشار عايش إلى أن تقييم قوة المؤسسات والحوكمة عند “baa1” يعكس مكانة المؤسسات الوطنية وسجلها في الحفاظ على مصداقية السياسات الاقتصادية والمالية وفاعليتها، إلى جانب اتباع نهج استباقي في التعامل مع التحديات وامتصاص الصدمات.
ولفت إلى أن هذه المقومات ساعدت الاقتصاد الأردني على التعامل مع تداعيات التوترات الإقليمية، بما في ذلك الضغوط التي تعرض لها القطاع السياحي، إذ أسهمت الأسواق الخليجية والإقليمية والمحلية في تعويض جانب من تراجع أعداد السياح القادمين من الأسواق التقليدية، ولا سيما الأوروبية والأميركية.
وأكد عايش أن البناء على المؤشرات الإيجابية يتطلب إستراتيجيات عمل واضحة تركز على تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية والتحول الرقمي، واستكمال المبادرات الإستراتيجية في قطاعات النقل والطاقة والمياه، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وشدد على أهمية تحسين الاندماج التجاري الإقليمي والاستفادة من المسارات التجارية عبر ميناء العقبة، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الأردنية، خصوصا في العراق وسورية، بما يدعم الصادرات الصناعية والخدمية ويتيح للمنتجات الوطنية الاستفادة من احتياجات الأسواق المجاورة.
وفي ملف الاستثمار، دعا إلى مواصلة الإصلاحات الهيكلية الهادفة إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من خلال تبسيط الإجراءات البيروقراطية، وخفض تكاليف ممارسة الأعمال، وتعزيز استقرار التشريعات الناظمة للاستثمار، بما يعزز ثقة المستثمرين الدوليين.
وحذر من أن استمرار المخاطر الجيوسياسية قد ينعكس على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والسلع الأساسية ومعدلات النمو، بما يضيف ضغوطا على القدرة الشرائية للأسر ويؤثر في الآفاق الاقتصادية للمملكة.
قوة المؤسسات رصيد يجب تحويله إلى استثمارات منتجة
من جانبه، أكد الخبير المالي محمد الحدب السرحان أن التقييمات الفرعية التي أوردتها “موديز” تحمل دلالات اقتصادية مهمة تتجاوز التصنيف السيادي العام، خصوصا فيما يتعلق بقوة المؤسسات والحوكمة والقوة الاقتصادية والمالية.
وأوضح أن منح الأردن درجة “baa1” في قوة المؤسسات والحوكمة يعكس الثقة الدولية بقدرة الدولة على إدارة السياسات الاقتصادية والمحافظة على مصداقيتها وتنفيذ الإصلاحات والتعامل مع الأزمات، مشيرا إلى أن هذه الميزة المؤسسية تكتسب أهمية إضافية في منطقة ترتفع فيها المخاطر الجيوسياسية.
وبين أن وصول تقييم القوة الاقتصادية إلى “ba1” مقارنة بالدرجة الأولية “ba2″، والقوة المالية إلى “b2” مقارنة بالدرجة الأولية “b3″، يعكسان احتساب الوكالة عوامل داعمة للجدارة الائتمانية ضمن منهجيتها، مؤكدا أن هذه التعديلات تندرج ضمن بطاقة التقييم ولا تعني بحد ذاتها رفعا جديدا للتصنيف الائتماني السيادي للأردن.
وأضاف، إن التقييم الاقتصادي يأخذ في الاعتبار قدرة المملكة على الاستفادة من الإصلاحات والاستثمارات وتحسين الاندماج التجاري، فيما يستفيد التقييم المالي من مصداقية ربط الدينار بالدولار.
وأكد السرحان أن الاستفادة الاقتصادية من هذه التقييمات تتطلب الانتقال من إبراز قوة المؤسسات إلى توظيفها ميزة تنافسية لجذب الاستثمار، مبينا أن المستثمر لا ينظر إلى الحوافز الضريبية وحدها، بل يهتم أيضا بوضوح التشريعات واستقرار القرارات وسرعة الإجراءات والقدرة على تنفيذ الالتزامات الحكومية.
وفيما يتعلق بتعزيز القوة المالية، أشار إلى ضرورة معالجة مصادر الضغط المستمر على الموازنة، وفي مقدمتها الالتزامات المرتبطة بقطاعي المياه والكهرباء، إلى جانب رفع كفاءة الإنفاق العام.
ودعا إلى وضع مسار واضح لخفض الكلف التشغيلية والخسائر في القطاعين مع المحافظة على جودة الخدمات، ونشر مؤشرات دورية تقيس التحسن الفعلي في الأداء المالي والتشغيلي.
واعتبر السرحان أن الرسالة الأهم في تقييمات “موديز” تتمثل في امتلاك الأردن قاعدة مؤسسية ونقدية قوية يمكن تحويلها إلى مكاسب اقتصادية أكبر، إذا اقترنت بتسريع الاستثمار المنتج ومعالجة الالتزامات المالية وتوسيع فرص العمل.
وشدد على أن تحسين الجدارة الائتمانية مستقبلا لن يتحقق بمجرد المحافظة على الاستقرار، بل يتطلب إظهار نتائج قابلة للقياس في خفض أعباء الدين والبطالة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد الدخل ورفع الإنتاجية والتنافسية.
السياسة النقدية والاحتياطيات تدعمان السمعة الائتمانية
بدوره، قال الخبير الاقتصادي مفلح عقل إن السياسة النقدية المحلية الرصينة والحصيفة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانته المالية، إلى جانب ما تمتلكه المملكة من احتياطيات مرتفعة.
وأوضح أن ارتفاع المديونية من الناحية الإحصائية لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى مخاطرها، مشيرا إلى أن هيكل الدين وتركيبته يمثلان عاملين مهمين في تحديد القدرة على التعامل معه.
ولفت إلى أن جزءا كبيرا من الدين محلي، فيما تزيد حصة الدين الخارجي المرتبط بمؤسسات مالية دولية على 45 %، وفق تقديره، مؤكدا أن الأردن يمتلك خبرة ومصداقية في التعامل مع هذه المؤسسات.
وأكد عقل أن السمعة الائتمانية للأردن ممتازة، وأن هذه السمعة تنعكس إيجابا على مكانة المملكة المالية وقدرتها على التعامل مع المؤسسات الدولية.
وفيما يتعلق بسبل تحسين الجدارة الائتمانية، أشار إلى أهمية إعادة هيكلة الدين، والمحافظة على استقرار السياسة النقدية، والعمل على تحسين معدلات النمو الاقتصادي، إلى جانب ترشيد النفقات العامة.
الغد – عبد الرحمن الخوالدة




