
رقمنة
اللي بين إيديك اليوم بكرة ما بتلاقيه”، هذه الجملة دفعت تسنيم (39 عاما) لمعاتبة زوجها، وذلك بسبب كلماته المليئة بالتهويل التي يوجهها لأطفاله في ظل الأوضاع التي تمر بها المنطقة.
تسنيم تبين أن زوجها عندما يوبخهم على طلباتهم أو رفضهم أكل طعام معين، يبدأ في سلسلة طويلة من الترهيب، ويخبرهم أن ما يملكونه اليوم قد لا يجدونه غدا، ويقول: “انتو ما بتشوفوا العالم حواليكم”، في محاولة منه لتعليم أطفاله أن يقدروا النعمة التي بين أيديهم. هي ترى أن هذا الأسلوب يزرع الخوف في قلوب الأطفال، ويشعرهم أنهم سيحرمون مما لديهم في يوم ما.
وفي نقاشها معه، أخبرته بضرورة أن ينتبه لكلماته، مبينة له أنه بهذا الأسلوب لن يعلم الأطفال شيئا، بل على العكس تماما سيزرع الخوف والقلق في داخلهم، وبهذا لن يعلمهم كيف يمكنهم الاقتصاد في مصاريفهم، بل سيعيشون في حالة تخبط وخوف.
وفي ظل الغلاء الذي تعيشه المنطقة، تزداد الضغوطات المادية على الأسر، الأمر الذي وضعها أمام تحد حقيقي، وهو كيف يمكن شرح هذه الظروف للأطفال بطريقة لا تؤثر سلبا على نفسيتهم؟
فمن جهة، يحتاج الأطفال إلى فهم مبسط للواقع الذي تعيشه الأسرة، من دون إدخالهم في دائرة القلق أو إشعارهم بعدم الأمان، إلى جانب تربيتهم على تحمل المسؤولية المالية، ليكبروا بوعي وإدراك لـ”قيمة القرش”.
موازنة الأهل بين الشرح والتطمين
وفي هذه الدائرة التعليمية، تبقى الحلقة الأهم أن يوازن الأهل بين الشرح والتطمين، خاصة عند الحديث عن الاستغناء عن بعض الأمور، مع ضرورة التأكيد أن ما يحدث ليس حالة فردية، بل جزء من أزمة أوسع تؤثر على الجميع.
بدورها، بينت المتخصصة في الإرشاد النفسي والتربوي في الجامعة الهاشمية الدكتورة سعاد غيث، أن أسلوب الشرح يختلف تبعا لعمر الطفل ومرحلته النمائية، لذلك ينبغي توضيح الضغوط التي تمر بها الأسرة بما يتناسب مع مستوى إدراكه.
وهناك مبدأ جوهري يشكل القاسم المشترك بين جميع الأعمار، وهو ما يعرف بـ”الرسالة المطمئنة”، أي تقديم حقيقة مبسطة للطفل حول الوضع المالي للأسرة، من دون تحميله مشاعر الخوف أو التهديد، لأن الطفل قد يشعر بوجود خطر من دون أن يفهمه فعليا.
وتوضح غيث أنه في مرحلة الطفولة المبكرة (4-7 سنوات)، يكون تفكير الطفل ماديا وملموسا، لذلك نستخدم عبارات بسيطة وواضحة، مثل: “سنشتري الأشياء المهمة أولا ونؤجل بعض الأمور الأخرى”.
وفي مرحلة الطفولة المتوسطة (8-12 سنة)، يمكن البدء بتقديم مفهوم الميزانية بشكل مبسط، بما يتناسب مع قدراتهم على الفهم. أما في مرحلة المراهقة، فيمكن إشراك الأبناء جزئيا في فهم الواقع المالي والاقتصادي، من دون إدخالهم في تفاصيل مرهقة أو مقلقة.
عبارات قاسية قد تثير الخوف لدى الصغار
وتذكر غيث أن محاولة شرح الوضع المالي للأسرة يجب أن تتضمن ثلاثة عناصر أساسية: أولا، توضيح الواقع، كأن نقول “نحن نمر بفترة نحتاج فيها إلى تنظيم المصاريف”، ثانيا، الطمأنة الصريحة، مثل التأكيد “نحن بخير وأنت بأمان”، وأخيرا، وضع إطار عام للظروف، وتوضيح أن هذه الأوضاع يمر بها كثير من الناس، وأنها ليست أمرا غريبا في الحياة.
أيضا، هناك أمور يجب تجنبها عند الحديث مع الأطفال حول الوضع المالي، منها استخدام عبارات قاسية أو حادة، مثل “لا يوجد مال”، لأنها قد تثير الخوف لديهم من دون فائدة. وتشدد غيث على ضرورة تجنب إشراك الطفل في قلق الكبار، كالتفاصيل المتعلقة بالديون أو العجز المالي، لأن الطفل لا يستطيع فهمها بشكل كامل وإنما يلتقط القلق فقط.
وتنوه غيث إلى أنه من المهم تجنب التناقض بين أقوال الأهل وسلوكهم، فلا يصح أن نطلب ضبط المصاريف بينما يتم إنفاق المال على أمور غير أساسية، لأن ذلك يفقد الرسالة مصداقيتها.
ووفق غيث، يجب أن يدرك الأهل أن الطفل لا يخاف من قلة المال بحد ذاتها، بل يخاف من فقدان الاستقرار، وتوتر الوالدين وقلقهما، وقد يتولد لديه شعور بأن العالم مكان غير آمن، لذلك، فإن الحفاظ على الإحساس بالأمان والاستقرار هو الأساس في التعامل مع هذا الأمر.
هذا يعرف بـ”التربية الاقتصادية”، ويعد من أنواع التربية التي لا تقل أهمية عن التربية الإيمانية أو الأخلاقية أو الاجتماعية، وينبغي على الآباء أن يعتنوا بها في تنشئة أبنائهم.
إدارة المال وبناء علاقة صحية معه
وتتحقق هذه التربية من خلال إكساب الأطفال مجموعة من المهارات الأساسية، بحسب غيث، من أبرزها الانتقال من ثقافة الإشباع إلى ثقافة الاختيار، فبدلا من أن نقول للطفل “لا نستطيع الشراء”، يمكن أن نمنحه خيارا “هل تفضل الشراء الآن أم تأجيله لوقت آخر؟”، وبذلك ننقله من شعور الحرمان إلى موقع الفاعل وصاحب القرار، وهي نقطة محورية في التربية الاقتصادية.
وتبين غيث أنه ينبغي تزويد الأطفال بأدوات عملية تساعدهم على إدارة المال وبناء علاقة صحية معه، مثل “المصروف الموجه”، حيث يتعلم الطفل توزيع مصروفه بين الإنفاق والادخار والمشاركة، مما يعزز لديه التوازن القيمي.
ومن الوسائل المهمة إشراك الطفل في قرارات بسيطة، كاختيار منتج معين ضمن ميزانية محددة، أو المقارنة بين سعرين من حيث الجودة والقيمة، ما ينمي لديه مهارات التفكير والتمييز.
وترى أن ذلك قد يكون فرصة لتعريفه بالفرق بين المنتجات المحلية والمستوردة، وتشجيعه على تقدير المنتجات المحلية التي غالبا ما تكون أقل تكلفة، مما يعزز لديه وعيا اقتصاديا واتجاها إيجابيا نحوها، منوهة إلى أن بعض الظروف المعاصرة، مثل حملات المقاطعة، أسهمت في تعزيز هذا الوعي لدى الأطفال، حيث أصبح لديهم إدراك أكبر في اختيار المنتجات واتخاذ مواقف داعمة للاقتصاد المحلي.
تعزيز قيم التعاون والحد من النزعة الأنانية
وتؤكد غيث أنه من المهم أن يدرك الطفل أن قيمة المال لا تكمن في امتلاك الأشياء، بل في اختيار الشيء المناسب في الوقت المناسب، وهي رسالة تربوية أساسية ينبغي أن يحرص الآباء على إيصالها بأساليب مختلفة.
وتذكر غيث أن هناك أخطاء شائعة يجب تجنبها، مثل ربط الحب بالشراء، بحيث يصبح التعبير عن الحب من خلال تلبية جميع الطلبات، أو التعويض عن التقصير أو الشعور بالذنب بالإفراط في الشراء، مما يخلق علاقة غير صحية مع المال.
كذلك، يعد استخدام المال كأداة للسيطرة خطأ تربويا، كأن يقال للطفل: “إذا لم تلتزم فلن تحصل على مصروف”، لأن ذلك يؤثر سلبا في فهمه لقيمة المال.
والأهم، ينبغي ترسيخ مفهوم أن المال وسيلة لتيسير الحياة وليس غاية بحد ذاته، وفق غيث، وأنه يمكن استخدامه لتحقيق أهداف نبيلة كالمساعدة والعطاء، مما يعزز لدى الطفل قيم التعاون ويحد من النزعة الأنانية في التملك. كما أن غياب مهارات التعامل مع الضغوط المالية، وعدم امتلاك استراتيجيات واضحة لإدارة المال، يؤديان إلى تحول هذه الضغوط إلى عبء نفسي ثقيل.
ووفقا لذلك، تبين غيث أن المشكلة ليست في الأزمات الاقتصادية العالمية أو المحلية، بل في كيفية التعامل معها والتعبير عنها داخل الأسرة، لذلك ينبغي على الأهل تعلم استراتيجيات تساعدهم على ضبط انفعالاتهم، خاصة أمام أبنائهم.
الوعي بالمشاعر وحسن إدارة المال
وتذكر أن من أهم هذه الاستراتيجيات الفصل بين المشكلة والعلاقة، أي أن تبقى العلاقة بين الزوجين مستقرة، حتى في ظل وجود ضغوط مالية، وأن تتم مناقشة هذه الضغوط بعيدا عن الأطفال، بحيث لا يكونوا شهودا على التوترات المالية بين الوالدين، لأن ذلك قد يؤثر سلبا في شعورهم بالأمان. ثانيا، تعلم تسمية المشاعر بدقة، أو ما يعرف بترميز الانفعالات، فبدلا من التعبير العام وغير الواضح مثل: “أنا مضغوط”، يمكن تحديد الشعور بشكل أدق: “أنا قلق بسبب زيادة المصاريف”، هذا النوع من التعبير يساعد على فهم المشاعر وتنظيمها بدلا من تفريغها بشكل عشوائي.
ووفقا لذلك، فإن الوعي بالمشاعر وحسن إدارة المال، والتعامل الواعي مع الضغوط داخل الأسرة، جميعها عوامل تسهم في خلق بيئة أكثر استقرارا وطمأنينة للأهل والأبناء على حد سواء.
وتوضح أنه عندما يشعر الطفل بأن والديه متماسكان وقادران على المواجهة، تصله رسالة ضمنية مفادها “نحن معك، وأنت بأمان، ونحن قادرون على تجاوز الصعوبات”، وهذا الإحساس يبنى من خلال الأفعال والسلوكيات اليومية، لا بالكلمات فقط.
الاختصاصية النفسية أسماء طوقان تنوه إلى ضرورة تقديم الواقع للطفل بطريقة مبسطة، تناسب مرحلته العمرية من دون تفاصيل مبالغة أو تخويف لتجنب التوتر والقلق.
وتتابع “كما يجب المحافظة على الروتين اليومي للطفل لأنه يسهم في تعزيز الشعور بالأمان والاستقرار، والابتعاد عن المناقشات المثيرة للقلق وتجنبها أمام الطفل”.
تجنب العبارات المقلقة والمخيفة
إلى ذلك، المحافظة على تماسك الوالدين أمام طفلهما لأنه يأخذ الأمان من استقرارهما، والعمل على تبسيط التغيرات كـ”تقليل المصاريف” بأنه قرار عائلي طبيعي مثل معظم القرارات التي يتخذها الوالدان. وأخيرا، التأكيد بشكل مستمر على فكرة توفير الاحتياجات الأساسية للطفل، وتوفير الدعم المعنوي الكافي للطفل لتعويض أي تغيرات مادية والتعامل مع الظروف بوعي وهدوء لأن الطفل ينعكس عليه أسلوب الأهل.
وتذكر طوقان أنه من الطرق الصحيحة لإخبار الطفل بالوضع المادي، استخدام الصدق بشكل دائم من دون الخوض في تفاصيل أو أرقام مقلقة.
إلى جانب شرح الوضع للطفل بعبارات مطمئنة ومتزنة، مثل “نحن بحاجة لتنظيم مصاريفنا بشكل أفضل”، والأهم السماح للطفل بالتعبير عن مشاعره من دون التقليل منها أو تجاهلها ومنحه مساحة لتوجيه الأسئلة ومناقشتها، ومرافقة الشرح برسائل تبعث الطمأنينة والتأكيد على تلبية احتياجاته.
وتشدد طوقان على تجنب العبارات المخيفة، مثل “ما معنا مصاري أو الوضع صعب كثير”، والتركيز على ما هو ثابت وآمن في حياة الطفل، وأخيرا تكرار تطمين الطفل عند الحاجة لأنه يحتاج لسماعها أكثر من مرة.
الطفل بحاجة لبيئة تشعره بالأمان
وتذكر طوقان أنه يمكن للأهل تفريغ ضغوطاتهم النفسية بعيدا عن الأطفال بطرق عدة؛ أولا، يجب الاعتراف بالمشاعر السلبية والضغوطات كخطوة أولى للتعامل معها، ثم تفريغ هذه المشاعر من خلال التحدث عنها مع شريك الحياة، صديق مقرب أو أحد أفراد العائلة. وثانيا، العمل على استخدام الكتابة لتنظيم الأفكار والتعبير عن المشاعر وتخصيص وقت للنفس بهدف تخفيف التوتر والانتباه للأسلوب وملامح الوجه ونبرة الصوت أمام الأطفال.
وبحسب طوقان، فإن الأطفال يلاحظون هذه التفاصيل الصغيرة عند والديهم، لذا يجب أخذ استراحة قصيرة عند الشعور بالغضب قبل التفاعل مع الطفل، وتجنب تفريغ التوتر على شكل عصبية أو انتقاد للطفل، وتعزيز الوعي لأنه يتأثر بالمشاعر حتى من دون كلمات.
وفي ختام حديثها، تبين طوقان أنه في ظل الأزمات، لا يحتاج الطفل إلى واقع مثالي بقدر ما يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالأمان والاحتواء، وتقول “إن استقرار مشاعر الأهل هو الأساس الذي يبنى عليه توازن الطفل النفسي”.
المصدر : صحيفة الغد – رشا كناكرية



