الاقتصاد

السياحة الداخلية.. نجاح باستقطاب الزوار وتحديات في توزيع المكاسب

ويرى خبراء في القطاع السياحي أن البرنامج، رغم دوره في تحريك عجلة السياحة الداخلية وتوفير متنفس للمنشآت السياحية في ظل التحديات التي تواجه السياحة الوافدة، يحتاج إلى الانتقال من التركيز على أعداد المشاركين والرحلات إلى تعظيم الإنفاق السياحي وعدد ليالي المبيت، وضمان وصول منافعه إلى مختلف المنشآت الفندقية والمطاعم والمحال التجارية في الوجهات المستهدفة.
ويؤكد الخبراء، في أحاديث منفصلة لـ”الغد”، أن المرحلة المقبلة تستدعي معالجة اختلالات في توزيع الحجوزات الفندقية، وإعادة النظر في برامج الإقامة والوجبات السياحية، وتوسيع مشاركة المطاعم والمنشآت التجارية المحلية، إلى جانب تعزيز الرقابة على تنفيذ البرنامج، وتطوير منتجات وتجارب سياحية قادرة على استقطاب الزوار على مدار العام.
وتبرز أهمية هذه المراجعة في ظل الحاجة إلى تعزيز قدرة السياحة الداخلية على توفير إيرادات مستدامة للقطاع، والحفاظ على فرص العمل، خصوصاً في الوجهات التي تأثرت بتراجع أعداد السياح الوافدين، بما يجعل البرنامج أداة اقتصادية تتجاوز دوره الترويجي والموسمي.

الخصاونة: “أردننا جنة” صمام أمان لاستمرارية النشاط السياحي
وقال رئيس جمعية شركات ومكاتب السياحة والسفر الأردنية، محمود الخصاونة، إن برنامج “أردننا جنة” يشكل صمام أمان لاستمرارية عجلة السياحة في الأردن، من خلال تنشيط السياحة الداخلية وتحريك مختلف مكونات القطاع.
وأوضح أن نحو 60 % من عناصر ومشغلي القطاع يستفيدون من البرنامج، بمن فيهم شركات النقل السياحي والأدلاء السياحيون والمطاعم السياحية والفنادق، مشيراً إلى أن مكاتب السياحة والسفر الأردنية تعد المشغل الرئيسي للبرنامج.
وشدد الخصاونة على ضرورة زيادة الدعم المخصص للمكاتب السياحية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تسويق البرنامج واستقطاب المشاركين وتنظيم الحجوزات، مؤكداً أن مسؤولية الترويج تقع عملياً على عاتق المكاتب التي تتولى بيع الرحلات واستكمال الحجوزات، خصوصاً خلال عطلات نهاية الأسبوع.
وأضاف، إن الجمعية تتابع أداء المكاتب وآليات تنفيذ البرنامج بصورة مستمرة، وتستقبل الملاحظات المتعلقة بالتطبيق، بما يضمن الالتزام بالتعليمات وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمشاركين.
وأشار إلى أهمية زيادة قيمة الدعم المقدم للمكاتب، إلى جانب إعادة دعم بعض الوجهات التي تحظى بطلب مرتفع، بهدف المساهمة في تغطية جانب من النفقات والمصاريف المترتبة على الشركات والمكاتب السياحية، وتعزيز قدرتها على الاستمرار في تنظيم الرحلات.

النوافلة: فروقات الأسعار تخل بتوزيع الحجوزات الفندقية
من جانبه، قال رئيس جمعية الفنادق الأردنية في إقليم البترا، سميح النوافلة، إن برنامج “أردننا جنة” أسهم بصورة ملموسة في تحريك القطاع السياحي في البترا، إلا أن تعظيم أثره يتطلب إعادة النظر في بعض تفاصيل برامج الإقامة الفندقية وآليات توزيع الحجوزات.
وأوضح أن محدودية الفروقات السعرية بين تصنيفات الفنادق، من نجمة واحدة إلى خمس نجوم، أدت إلى اختلال في توزيع الحجوزات، إذ أصبح الزائر يميل إلى اختيار الفنادق الأعلى تصنيفاً مقابل فارق سعري محدود، أو يتجه إلى الفنادق الأقل كلفة، على حساب الفنادق المتوسطة.
وبين أن الفارق بين الإقامة في فنادق الأربع والخمس نجوم لا يتجاوز خمسة دنانير للفرد، الأمر الذي يدفع الزائر القادم من عمان أو المحافظات الأخرى إلى اختيار الفنادق العالمية المصنفة بخمس نجوم، مقابل زيادة محدودة في الكلفة، رغم أن مستوى الخدمات التي تقدمها بعض فنادق الأربع نجوم في المنطقة قد يفوق أحياناً خدمات بعض الفنادق الأعلى تصنيفاً. وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى استحواذ فنادق الخمس نجوم على حصة كبيرة من الحجوزات، فيما اتجهت الحجوزات الأخرى إلى فنادق النجمة والنجمتين بسبب انخفاض أسعارها، ما حرم الفنادق المتوسطة من حصة أكثر عدالة من الحركة السياحية.
ودعا النوافلة إلى إعادة هيكلة برامج الإقامة بما يحقق توازناً أكبر بين مختلف التصنيفات الفندقية، ويراعي الفروقات في مستوى الخدمات والتكاليف، ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد السياحية.

وجبات الفنادق تحرم المطاعم المحلية من جزء من الإنفاق السياحي
وفي سياق متصل، دعا النوافلة إلى توسيع الشراكة بين الفنادق ومطاعم البترا والمنشآت التجارية المحلية، مؤكداً أن اقتصار برامج الإقامة على تقديم وجبتي الإفطار والعشاء داخل الفنادق يحرم قطاعات واسعة من الاستفادة من إنفاق الزوار.
وأوضح أن وجبة العشاء أضيفت إلى البرنامج خلال الموسم الحالي، إلا أن تقديمها داخل الفنادق حصراً يحد من انتقال جزء من الإنفاق السياحي إلى المطاعم والمقاهي والمنشآت التجارية في وادي موسى.
وأكد أن تنشيط السياحة لا ينبغي أن يقتصر على دعم الفنادق، بل يتطلب تحقيق تكامل اقتصادي بين مختلف القطاعات المرتبطة بالزائر، بما يضمن توزيع المنافع على أوسع نطاق ممكن.
واقترح إبقاء خيار وجبة العشاء مفتوحاً أمام الزوار، أو اعتماد آلية تتيح لهم تناولها في مطاعم محلية معتمدة، من خلال منح النزيل حرية اختيار المطعم وتغطية كلفة الوجبة بالتنسيق مع الفندق، أو منحه بديلاً نقدياً يعادل قيمتها. وأشار إلى أن مثل هذه الآليات من شأنها تنشيط المطاعم والمقاهي والمنشآت التجارية، وزيادة حجم الإنفاق الذي يبقى داخل المجتمع المحلي، بدلاً من حصره في المنشآت الفندقية.

مطالب بتشديد الرقابة وضبط توزيع النزلاء
ولفت النوافلة إلى ضرورة تعزيز الرقابة الحكومية على تنفيذ برامج وزارة السياحة والآثار، مشيراً إلى وجود ممارسات وصفها بأنها تشكل ثغرات تنظيمية تستدعي المعالجة.
وأوضح أن بعض المكاتب السياحية، بحسب ما رصدته الجمعية، تشترط على الفنادق الحصول على عمولات مالية مقابل تحويل النزلاء إليها، الأمر الذي قد يؤثر على عدالة توزيع الحجوزات، ويمنح المنشآت التي تستجيب لهذه المطالب أفضلية في استقبال الرحلات على حساب فنادق أخرى.
وأضاف، إن تعليمات وزارة السياحة تنص على عدم دفع عمولات للمكاتب السياحية، وتدعو إلى الإبلاغ عن أي مكتب يخالف هذه التعليمات، إلا أن التعامل مع هذه المخالفات يحتاج إلى آلية واضحة تضمن حماية الفنادق والمكاتب الملتزمة، وتشجع على الإبلاغ دون أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الخلافات بين أطراف القطاع.
وشدد على أهمية وضع ضوابط حكومية حازمة لتنظيم عملية تسكين الزوار وتوزيعهم على فنادق البترا، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المنشآت الفندقية، وعدم تركيز الحجوزات والعوائد لدى عدد محدود منها.
وفي المقابل، أكد مصدر سياحي مطلع في وزارة السياحة والآثار أن الوزارة تتعامل بجدية مع أي شكوى ترد إليها بشأن وجود أخطاء أو مخالفات من قبل المكاتب السياحية المشاركة في البرنامج، مشيراً إلى أن المخالفات قد تصل عقوبتها إلى إخراج المكتب من البرنامج.

الفرجات: المطلوب الانتقال من دعم الرحلات إلى بناء وجهات سياحية مستدامة
من جهته، أكد أستاذ السياحة في الجامعة الأردنية، سليمان الفرجات، أن برنامج “أردننا جنة” يمثل مبادرة مهمة لتنشيط السياحة الداخلية، لا سيما في ظل الظروف الراهنة والتحديات التي يواجهها القطاع السياحي، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التفكير في حلول بعيدة المدى، تقوم على بناء سياحة محلية مستدامة.
وأوضح الفرجات، الذي شغل سابقاً منصب رئيس سلطة إقليم البترا التنموي السياحي، أن التحدي لا يقتصر على تشجيع الأردنيين على زيارة المواقع السياحية، وإنما يتمثل في تطوير منتجات وتجارب سياحية متكاملة تدفع الزائر الأردني والعائلات العربية إلى تكرار الزيارة والمبيت في تلك المناطق، حتى في حالة غياب الدعم الحكومي للرحلات.
وأضاف، إن تحقيق ذلك يتطلب تطوير أنشطة عائلية وترفيهية تتناسب مع احتياجات الزوار المحليين والعائلات العربية، مع مراعاة اختلاف اهتماماتهم عن اهتمامات السياح الأجانب، بما يسهم في تعزيز جاذبية الوجهات السياحية وتوسيع قاعدة الطلب عليها.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من المناطق المحيطة بمواقع التراث العالمي، مثل البترا، لتطوير منتجات سياحية ومرافق إقامة ومنتجعات عائلية ملائمة، ضمن الاستخدامات المسموح بها، وبما يحافظ على الخصوصية والقيمة التراثية والطبيعية لهذه المواقع.

المبيت والإنفاق.. معيار جديد لقياس نجاح البرنامج
وشدد الفرجات على ضرورة إعادة النظر في آليات الدعم ضمن برنامج “أردننا جنة”، بحيث تمنح أولوية أكبر للرحلات التي تتضمن المبيت، خصوصاً في المناطق الأكثر تأثراً بتراجع السياحة الوافدة، نظراً إلى ما تحققه هذه الرحلات من أثر اقتصادي أكبر على الفنادق والمطاعم والمنشآت التجارية ومقدمي الخدمات المحليين.
وبين أن زيارة الموقع السياحي من دون مبيت قد تحقق عائداً اقتصادياً محدوداً مقارنة بالرحلات التي تتضمن إقامة فندقية وإنفاقاً على المطاعم والأنشطة الترفيهية والخدمات المحلية.
ودعا إلى تطوير مؤشرات قياس أداء البرنامج، بحيث لا تقتصر على أعداد المشاركين والرحلات والمسارات السياحية، بل تشمل عدد الليالي السياحية وحجم الإنفاق والعائد الاقتصادي المتحقق للوجهات المستهدفة، إلى جانب أثر البرنامج على فرص العمل واستدامة المنشآت.
وأكد أن اعتماد هذه المؤشرات من شأنه مساعدة الجهات المعنية على توجيه الدعم نحو الرحلات والأنشطة الأكثر قدرة على تحريك الاقتصاد المحلي، وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للمجتمعات المستفيدة.
ولفت الفرجات إلى أن تحسين الوصول إلى الوجهات السياحية يمثل عاملاً أساسياً في زيادة الإقبال عليها، مشيراً إلى أن صعوبات المواصلات قد تحد من رغبة الأردنيين في زيارة مناطق مثل البترا ووادي رم، حتى في ظل تنظيم المهرجانات والفعاليات السياحية.
وفي هذا الإطار، رأى أن مشاريع السكك الحديدية المطروحة في الأردن تتيح فرصة لدراسة خيارات ربط عمان بالبترا ووادي رم والعقبة، إلى جانب بحث إمكانات الربط الإقليمي مستقبلاً، بما في ذلك مع السعودية، شريطة إجراء دراسات جدوى اقتصادية تثبت قابلية هذه المشاريع للتنفيذ.
كما أكد أهمية توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة والمرافق المحيطة بالمواقع السياحية، بما يشمل مرافق الإقامة والمنتجعات والأنشطة الترفيهية، بهدف تشجيع الزوار على إطالة مدة إقامتهم وزيادة إنفاقهم داخل المجتمعات المحلية.
وختم الفرجات بتأكيد أن السياحة الداخلية يجب ألا تبقى بديلاً مؤقتاً للسياحة الأجنبية عند تراجع أعداد الوافدين، بل ينبغي أن تتحول إلى سوق سياحية قائمة بذاتها، تستند إلى منتجات متكاملة ووجهات قادرة على استقطاب الزوار على مدار العام.
وأشار إلى أن هذا التحول من شأنه تعزيز استدامة المنشآت والاستثمارات السياحية، والحفاظ على فرص العمل، ورفع قدرة القطاع على مواجهة الأزمات المستقبلية، بما يعزز مساهمة السياحة الداخلية في دعم الاقتصاد الوطني.

الغد – محمد ابو الغنم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى