النجاح في بيئة مليئة بالتحديات والتطورات المتسارعة لا يحتاج فقط إلى المعرفة، بل يتطلب قبل كل شيء نوعاً خاصاً من الشجاعة والاقدام ؛ تلك الجرأة النادرة التي تجعل المرء يخطو خارج منطقته الآمنة ويسير في مسار غير ممهد.
من قلب الساحل السوري، تقدم المهندسة ورائدة الأعمال السورية سلمى عيسى حكاية تنوع ريادي ومزيج نسائي فريد، واضعةً الشجاعة كقيمة مركزية والشرارة الأولى التي تولد منها المشاريع الكبرى وتتحول عبرها العقبات إلى منصات انطلاق إقليمية ودولية.
قبل سنوات، بدأت رحلة سلمى بشجاعة مدفوعة بفضول وتصميم استثنائيين. تروي سلمى محطة التحول التي غيرت مجرى حياتها المهنية بكثير من الفخر والإصرار: ” كنت مجرد مهندسة شابة أتصفح موقع فيسبوك، حتى وقعت عيناي فجأة على إعلان لمسابقة ريادية عالمية في قطاع الغذاء؛ وهو مجالي وتخصصي، وقتها كنت قد اسست شركة ” قيراط” المتخصصة في مجال الغذاء ، و في تلك اللحظة لمعت عيوني،و لكنني تذكرت أنني لا أعرف شيئاً عن أساسيات البزنس وإدارة الأعمال. لم أستسلم، وقلت لنفسي ببساطة: ‘ سأتعلّم وأجرّب.. ما الذي سأخسره؟….”.
لم يكن المحيط كله مشجعاً، بل واجهت سلمى التشكيك المعتاد الذي يلاحق البدايات الطموحة وهي تقول :”أتذكر أنني تواصلت مع إحدى الاكاديميات يومها لأخذ مشورتها، فصدمتني بردها قائلة: ‘أنتِ لا تعرفين حتى ما هو نموذج العمل التجاري (Business Model)! فكيف تفكرين بالوصول إلى المرحلة الدولية؟’. كان جوابي لها بكل ثبات: ‘نعم، لا أعرف حالياً، ولكنني سأتعلّم.. عادي جداً’. لم تكن هي الوحيدة؛ بل كان هناك الكثيرون ممن لم يمتلكوا الثقة في وصول عملنا لمراحل مهمة.”
ولمن يسالها اليوم ما السر وراء الانطلاق والتطوير والنجاحات المتلاحقة؟، فتقول عيسى : “الجواب باختصار شديد هو الشجاعة. الشجاعة كفيلة وحدها بأن تأخذك أبعد مما تتخيل، وهي ذاتها التي ميزتني بالاستمرارية؛ أن تخطو خطوات بعيدة عنك وعن محيطك، وتملك الجرأة لتقول ‘لا أعرف’ وتبدأ بالتعلّم والتجربة بلا خوف، مع الابتعاد عن الكلام المحبط الذي يصدر من البعض بغض النظر عن شهاداتهم. النجاح هو أن تكون شجاعاً، والفشل الحقيقي هو ألا تُجرّب.”
“قيراط”: تحويل الخرنوب المهدور إلى ذهب أسود
تلك الشجاعة تجسّدت عملياً في إطلاق شركتها الناشئة الابتكارية “قيراط” (Qirat). جاء اسم الشركة مستوحى من عمق التاريخ؛ حيث كانت بذور شجرة الخرنوب قديماً تستخدم كمعيار دقيق لوزن الذهب والأحجار الكريمة لثبات وزنها، ومنها اشتُقت وحدة “القيراط” العالمية. ومن هذا المفهوم، أرادت سلمى إعادة القيمة لثروة بيئية مهملة في الساحل السوري وتحويلها إلى رافد اقتصادي مستدام.
طوّرت الشركة خطوط إنتاج فريدة تقدم بدائل غذائية عضوية (Organic) وصحية بالكامل، تشمل ألواح وزبدة شوكولاتة الخرنوب الخالية من الكافيين والمسببات للحساسية، ومسحوق القهوة الصحي من قرون الخرنوب المحمصة الآمن لمرضى الضغط، بالإضافة إلى المخبوزات المحلاة طبيعياً.
ولم تقف حدود الابتكار عند الغذاء، بل امتدت للاستدامة البيئية الشاملة؛ حيث اعتمدت الشركة على التغليف الحيوي (Bioplastic) الصديق للبيئة والقابل للتحلل بالكامل. هذا النموذج الريادي المتكامل قاد شركة “قيراط” لحصد المركز الأول على مستوى الجامعات السورية، والتأهل لاحقاً لتكون الفريق الأول والوحيد الممثل لسوريا في مسرّعة أعمال Hult Prize العالمية في لندن، مما أثبت قدرة العقل السوري على صياغة حلول للأمن الغذائي العالمي.
” عالمي “.. صناعة قادة الغد
ولأنها اختبرت وعورة الطريق، قررت سلمى ألا تترك الجيل الجديد دون ان تقدم لهم الفرص لتعلم الريادة . من هنا ولد مشروع “عالمي” وهو عبارة عن شركة ناشئة سورية رائدة في مجال تصميم وتطوير المنتجات التعليمية المبتكرة الموجهة للأطفال واليافعين عبر قطاعات متعددة. وقد حققت الشركة نجاحاً ملموساً من خلال منتجها الأول “متاهة ريادي”، الذي تم تنفيذ عدة نسخ ناجحة منه داخل سوريا، مما مهد الطريق أمام الشركة للانتقال بابتكاراتها إلى الساحة الدولية والتنافس على مستويات عالمية.
وفي إنجاز دولي بارز، شاركت الشركة في مسابقة “We Are Together” بجمهورية بولندا بالتعاون مع مؤسسة “Chance Foundation”، حيث تمكن منتج “متاهة ريادي” من الفوز وحصد تمويل مخصص لتطوير نسخة مبتكرة من المتاهة تدعم المكفوفين. وتقديراً لهذا التميز، تلقت الشركة دعوة رسمية ممولة بالكامل للمشاركة كمتحدثين رئيسيين في المؤتمر المصاحب، لاستعراض تجربتهم الريادية الملهمة وتسليط الضوء على دورهم في ابتكار حلول تعليمية دمجية وشاملة.
“ريادي شو” : ربط المنظومة العربية
ولأن طموحها يتوسع باطراد، عملت سلمى كمطورة ورائدة أعمال محورية في إطلاق وإدارة منصة “ريادي شوو” (Riyadi Show). هذه المبادرة الإقليمية الطموحة جاءت كاستجابة ذكية لحاجة السوق، مستهدفةً تسريع نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة وفتح آفاق استثمارية جديدة لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA).
عبر “ريادي شو”، نجحت عيسى في جمع الخبراء والمستشارين ورواد الأعمال العرب، وتحولت المنصة إلى الجسر الذي عبر فوقه يافعو منهاج وبرنامج “متاهة ريادي” أنفسهم ليعرضوا نجاحاتهم أمام مجتمع الاستثمار الإقليمي، كما استثمرت سلمى هذه المنصة كأداة لتوسيع نطاق شركة “قيراط” وجذب استثمارات تدفع بالمنتج السوري نحو خطوط الإنتاج الضخمة والتصدير.
رؤية للمستقبل
بين دراستها للهندسة الغذائية وتخصصها الحركي في الذكاء الاصطناعي ضمن الهندسة المعلوماتية، تُمثل المهندسة سلمى عيسى اليوم نموذجاً ملهماً للسيدات المؤثرات في مجالات العلوم والتكنولوجيا .
تختتم سلمى حديثها برؤية واثقة للمستقبل ورسالة ملهمة للشباب السوري: “اليوم أنا رائدة أعمال في قطاع مختلف، وغداً سأكون مستثمرة بإذن الله. رسالتي لكل شاب : خوضوا كل تجربة ولا تخافوا..