
رقمنة
أكد اقتصاديون أهمية توفير برامج الدعم الفني وبناء القدرات للقطاعين العام والخاص، بما يسهم في إعداد مشروعات خضراء مؤهلة وقابلة للتمويل، ويعزز قدرة المملكة على الاستفادة من مصادر التمويل الأخضر المحلية والدولية.
وقالوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع التمويل الأخضر من خلال تطوير الأدوات التمويلية والحوافز، وتعزيز قدرات المؤسسات المالية، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأولوية، بما يدعم النمو الاقتصادي ويرفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني قد ترأس أمس اجتماعا للاطلاع على جهود الحكومة وخططها في مجال التمويل الأخضر والتمويل المناخي، حيث وجه الحكومة لوضع استراتيجية وطنية متكاملة وموحدة في مجال التمويل المناخي، بالتعاون والتنسيق مع القطاع الخاص.
وأكد جلالة الملك أهمية توفير برامج للدعم الفني، لتمكين القطاعين العام والخاص من الاستفادة من مصادر التمويل المناخي المتوفرة وأدوات الحد من انبعاثات الكربون، لتحقيق أفضل الممارسات البيئية انسجاما مع المستهدفات المحلية والعالمية للبيئة والمناخ.
وأكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية الدكتور رعد التل، أهمية بناء قدرات حقيقية لدى القطاعين العام والخاص لفهم متطلبات التمويل الأخضر وكيفية الاستفادة منه، مشيرا إلى أن الكثير من الأفكار والمشروعات الواعدة لا تصل إلى مرحلة التمويل بسبب ضعف الجاهزية الفنية وعدم استيفائها للمعايير المطلوبة.
وأضاف إن الأولوية يجب أن تكون لتوفير برامج تدريبية ودعم فني يساعد المؤسسات على إعداد مشروعات خضراء قابلة للتمويل، وإجراء الدراسات الفنية ودراسات الجدوى اللازمة، إلى جانب تطوير أدوات لقياس الأثر البيئي والاقتصادي لهذه المشروعات، كما أن تطوير قواعد بيانات ومؤشرات متخصصة سيمنح البنوك والمستثمرين قدرة أكبر على تقييم المخاطر والعوائد المرتبطة بالمشاريع الخضراء، ما يسهم في توسيع حجم التمويل الموجه لهذا القطاع.
وأكد أن التمويل يتطلب توسيع استخدام أدوات مثل السندات الخضراء، وتحفيز القطاع المصرفي على تمويل مشاريع الطاقة المتجددة والمياه والنقل، وتوفير حوافز تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في الاقتصاد الأخضر.
وأضاف إن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في توفير الأموال، بل في تحويل الأفكار إلى مشروعات مؤهلة وقابلة للتمويل، وقادرة على تلبية متطلبات الجهات الممولة محليا ودوليا.
واعتبر التل أن الأردن يسير بخطوات إيجابية وفي الاتجاه الصحيح فيما يتعلق بالتمويل الأخضر، ويظهر ذلك من خلال التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة أو عبر تعزيز دمج الاعتبارات البيئية في قرارات التمويل والاستثمار، مشيرا إلى أن المملكة تمتلك فرصا مهمة للاستفادة من التمويل الدولي المخصص للمشروعات الخضراء، خاصة في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والزراعة، وهي قطاعات تشكل أولوية تنموية واقتصادية.
ولفت إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في تضييق الفجوة بين الطموحات والأهداف من جهة، والقدرة على تنفيذ مشروعات نوعية تستوفي متطلبات التمويل الأخضر وتحقق أثرا اقتصاديا وبيئيا ملموسا من جهة أخرى.
من جانبه، قال مدير عام جمعية البنوك الدكتور ماهر المحروق، إن التأكيد الملكي على الدعم الفني في غاية الأهمية، لأن التحدي في التمويل الأخضر ليس دائما في عدم توافر مصادر التمويل، وإنما في قدرتنا على تحويل الاحتياجات والأفكار إلى مشروعات خضراء مؤهلة وقابلة للتمويل.
وأضاف “لدينا اليوم مصادر متعددة للتمويل المناخي والأخضر، محلية ودولية، ما يتطلب قدرات فنية متخصصة في إعداد المشروعات ودراسات الجدوى، وقياس الأثر البيئي والمناخي، وتقدير خفض الانبعاثات، وتحديد المخاطر، وهيكلة المشروع ماليا، والتأكد من توافقه مع المعايير والتصنيفات الخضراء”.
ودعا إلى بناء منظومة دعم فني متكاملة تخدم الجهات الحكومية والبلديات والشركات، لا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتساعدها منذ مرحلة تحديد المشروع وحتى الوصول إلى التمويل، بهدف بناء محفظة وطنية من المشروعات الخضراء القابلة للتمويل والاستثمار، بدلا من أن يكون لدينا تمويل متاح من جهة ومشروعات غير مهيأة للاستفادة منه من جهة أخرى.
وتابع “أصبح لدينا في الأردن أساس مهم يمكن البناء عليه، يتمثل في التصنيف الأخضر الوطني، الذي يوفر مرجعية موحدة لتحديد الأنشطة الاقتصادية الخضراء، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة يجب أن تركز بصورة أكبر على مساعدة الشركات والمشروعات على تطبيق هذا التصنيف عمليا وتحويله إلى فرص استثمار وتمويل”.
وأوضح أن جمعية البنوك في الأردن، ركزت خلال الفترة الماضية على بناء قدرات القطاع المصرفي، وتعزيز الحوار بين القطاعين العام والخاص، وتحويل مفاهيم التمويل الأخضر إلى تطبيقات عملية، ومن الأمثلة على ذلك تطوير وإطلاق دليل تطوير المنتجات المالية الخضراء للبنوك والمؤسسات المالية بالتعاون مع شركائنا، والذي يوفر أدوات ومنهجيات عملية تساعد المؤسسات المالية على تصميم حلول تمويلية خضراء بصورة أكثر منهجية.
أما عن دور البنوك في مجال التمويل الأخضر، فأكد أنه دور محوري، فالبنوك تمثل حلقة الوصل بين رأس المال والمشروعات والاقتصاد الحقيقي، ولذلك تلعب دورا أساسيا في توجيه الموارد نحو الأنشطة التي تحقق عائدا اقتصاديا وفي الوقت نفسه تدعم التحول الأخضر، معتبرا أن ذلك يبدأ من تطوير المنتجات التمويلية الخضراء الموجهة للأفراد والشركات والمشروعات الكبرى، ويمتد إلى تمويل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والمياه والنقل المستدام والمباني الخضراء والصناعة والزراعة المستدامة، وغيرها من القطاعات التي حددها التصنيف الأخضر الوطني، كما يشمل مساعدة العملاء، وخاصة الشركات، على فهم المتطلبات الجديدة والاستعداد لها.
وأضاف إن “الدور الثاني يتعلق بـإدارة المخاطر، فالتغير المناخي لم يعد قضية بيئية منفصلة عن العمل المصرفي؛ بل أصبح مصدرا لمخاطر مادية وانتقالية يمكن أن تؤثر في الشركات والأصول وقدرتها على السداد، ولذلك تعمل البنوك بصورة متزايدة على إدماج الاعتبارات البيئية والمناخية ضمن تقييم المخاطر والقرارات الائتمانية، وهذا الاتجاه يتسق أيضا مع استراتيجية البنك المركزي الأردني للتمويل الأخضر وبرامج الدعم الفني الموجهة للنظام المالي والبنوك”.
وتابع الدكتور المحروق إن الدور الثالث، وهو تعبئة التمويل، فإن البنوك تستطيع أن تكون قناة تربط المشاريع الأردنية بمصادر التمويل المحلية والدولية، وأن تستفيد من خطوط التمويل والضمانات وأدوات تقاسم المخاطر والتمويل المدمج، إضافة إلى أدوات أسواق رأس المال الخضراء.
واعتبر أن المرحلة المقبلة تعتبر مرحلة انتقال من “الجاهزية للتمويل الأخضر” إلى “توسيع التمويل الأخضر فعليا”، وهذا يتطلب عملا متوازيا على ثلاثة جوانب: مشروعات جيدة ومؤهلة للتمويل، وبنوك تمتلك الأدوات والقدرات اللازمة لتمويلها وتقييم مخاطرها، ومصادر تمويل وحوافز تساعد على توسيع السوق.
وأضاف “من هنا تتجلى أهمية التوجيه الملكي؛ لأنه يضع الدعم الفني والتمويل والشراكة بين القطاعين العام والخاص ضمن منظومة واحدة”.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي والمالي مجد شفيق، إن التمويل الأخضر معني بتمويل مشروعات ذات أثر إيجابي على البيئة والمناخ، وهذا مجال واسع من حيث طبيعة هذه المشروعات وكيفية تمويلها.
وأضاف إن هناك مشروعات تركز على إنتاج الطاقة “النظيفة” مثل الطاقة الشمسية، الرياح، الغاز الطبيعي ومشروعات الهيدروجين والأمونيا الخضراء، وعليه يهدف التمويل الأخضر إلى حماية البيئة من خلال الحد من التلوث ودعم مشروعات الطاقة المستدامة والمتجددة وتشجيع الأنشطة الاقتصادية منخفضة الكربون.
وأشار إلى ان تأكيد جلالة الملك على توفير برامج الدعم الفني للقطاعين العام والخاص في مجال التمويل الأخضر، يعني ضرورة النظر في جميع أنواع التمويل لهذه المشروعات، إضافة إلى التمويلات التي يمكن الحصول عليها من خلال البنوك التجارية، فهناك أيضا إمكانية إصدار سندات قرض خضراء وصكوك تمويل إسلامي خضراء لتمويل هذه المشروعات، ما يتطلب تفعيل سوق إصدار أولي فعال لسندات القرض والصكوك الإسلامية، مدعوما بسوق ثانوي نشط من خلال إدراج وتداول هذه الأدوات المالية في بورصة عمان، بوجود عدد من صانعي السوق المختصين.
وبين أهمية إنشاء صندوق استثماري متخصص في الاستثمار في مشروعات البنية التحتية الخضراء في المملكة، من خلال استثمارات مباشرة في مشروعات خضراء مختلفة، مؤكدا أن ذلك يتطلب أشكالا مختلفة من الدعم الفني للقطاعين، لتمكين المعنيين من تقييم المشروعات الخضراء وترتيب هياكل التمويل المطلوبة لكل مشروع من جهة، وإعطاء أدوات التمويل الأخضر المطلوبة حسب الممارسات الدولية المثلى، آخذين بعين الاعتبار الخصوصية المحلية والقطاعية لكل منها.
وفي السياق ذاته، قالت الخبيرة في الاقتصاد وريادة الأعمال نوال حسن، إن التمويل الأخضر يربط بين البيئة والاقتصاد بعلاقة تكاملية؛ فالرفاه الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن بيئة سليمة ومناخ قادر على الاستمرار في دعم النشاط الاقتصادي، فيصبح الاستثمار في الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة وبما يحافظ على قدرتها على توليد القيمة للأجيال المقبلة، خيارا اقتصاديا بقدر ما هو خيار بيئي.
وأضافت بالنسبة للأردن، فإن الاستثمار المستدام في الموارد بات ضرورة اقتصادية وتنموية، فحماية المياه والتربة والغطاء الحيوي، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، والاستثمار في رأس المال البشري والابتكار، جميعها قادرة على خفض الكلف، وخلق فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
واعتبرت أن الاستثمار في الطاقة الشمسية، في مقدمة هذه الفرص، فالأردن يمتلك موردا شمسيا، والاستفادة منه لا تقتصر على الأثر البيئي الإيجابي، بل تمتد إلى خفض كلف الطاقة، وتقليل الاعتماد على المصادر المستوردة، وتعزيز أمن الطاقة الوطني، إذ أثبتت التجربة الأردنية في هذا القطاع أن توجيه رأس المال نحو مورد طبيعي متاح يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وتابعت “الاستثمار في الطاقة هو استثمار يمتد أثره لعقود، بما يشمل كفاءة استخدام المياه، والزراعة المستدامة، والنقل، وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري، وحماية التنوع الحيوي، والسياحة المستدامة، إضافة إلى التكنولوجيا والابتكار المرتبطين بهذه المجالات”.
وأكدت أن أهمية التمويل الأخضر تتمثل بتحويل الاحتياجات والفرص إلى استثمارات مستدامة وقابلة للتنفيذ وذات أثر اقتصادي وبيئي ملموس، من خلال تحديد الأولويات وإعداد مشروعات مدروسة وقابلة للتنفيذ، وتوفير تشريعات وحوافز تشجع الاستثمار، ودعم المشروعات الريادية ذات الأثر البيئي المستدام، بالإضافة إلى الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، ليس فقط من حيث الأدوات التمويلية المستخدمة، وإنما أيضا من حيث البيئة التشريعية والتنظيمية التي أسهمت في جذب المستثمرين وتعزيز ثقتهم.
بدوره، قال مدير مركز الطاقة والاستدامة البيئية في الصناعة في غرفة صناعة الأردن المهندس معن عياصرة، إنه ومن منظور القطاع الصناعي، أصبح التمويل الأخضر أحد الاحتياجات الأساسية للتحول نحو صناعة أكثر كفاءة وتنافسية واستدامة، فالمصانع تحتاج إلى استثمارات في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والمياه وكفاءة استخدام الموارد وإدارة النفايات والاقتصاد الدائري والتقنيات الإنتاجية الأقل استهلاكاً للموارد، وبالتالي فإن نجاح التحول الأخضر يعتمد على وجود التكنولوجيا والرغبة لدى المنشآت الصناعية، إضافة إلى قدرة النظام المالي على توفير التمويل المناسب لهذه الاستثمارات وبشروط وآجال تتناسب مع طبيعتها.
وأضاف إن حجم الحاجة إلى التمويل يعكس أهمية الموضوع، فوفقاً للبنك الدولي، تقدر احتياجات الأردن الاستثمارية الإضافية لتحقيق مسار منخفض الكربون وقادر على الصمود في القطاعات ذات الأولوية بنحو 9.5 مليار دولار حتى 2030، في حين قدرت خطط النمو الأخضر الوطنية للقطاعات ذات الأولوية احتياجاتها الاستثمارية بنحو 1.8 مليار دولار.
وتابع أن تحليلات تمويل المناخ للأردن تقدر أن التمويل المتاح على المدى القصير يغطي نحو ثلث الاحتياجات، وبالتالي فإن الانتقال الأخضر يحتاج إلى تعبئة مصادر تمويل عامة وخاصة على نطاق أكبر بكثير من التمويل التقليدي المتاح للمشروعات البيئية والمناخية.
واعتبر أن الأردن قطع خطوات مهمة وأساسية خلال السنوات الماضية، فقد أطلق البنك المركزي الأردني استراتيجية التمويل الأخضر 2023–2028 بهدف تعزيز قدرة القطاع المالي على دعم الاستثمار الأخضر وإدارة مخاطر المناخ، وبالتوازي تم تطوير التصنيف الأخضر الوطني الأردني (National Green Taxonomy) ليكون أداة تساعد على تحديد الأنشطة والاستثمارات التي يمكن اعتبارها خضراء، وتوفير لغة مشتركة بين الشركات والمؤسسات المالية وصانعي السياسات، وهذه البنية المؤسسية تمثل أساساً مهماً للانتقال من مفهوم التمويل الأخضر كمنتجات منفصلة إلى دمجه بصورة أوسع في النظام المالي والاقتصاد الحقيقي.
وأكد أن الدعم الفني الذي أشار إليه جلالة الملك يمثل حلقة أساسية بين القطاع الحقيقي والقطاع المالي، فنحن بحاجة إلى برامج تساعد الشركات، وخاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، على تحويل فرص التحول الأخضر الموجودة لديها إلى مشروعات قابلة للتمويل، وفي الوقت نفسه تساعد المؤسسات المالية على تطوير منتجات ومعايير تقييم تتناسب مع طبيعة هذه المشروعات، خاصة في الصناعة لأن العديد من استثمارات كفاءة الطاقة والموارد تحقق وفورات مالية مباشرة، وبالتالي يمكن أن تجمع بين الأثر البيئي وتحسين القدرة التنافسية للمصنع.
بترا – عائشة عناني ووعد ربابعة




