الاقتصادبنوك

السياسات الحكومية تحد من كلفة الدين العام وتوفر مساحة مالية للإنفاق التنموي

رقمنة

أظهرت السياسات التي اتبعتها الحكومة في إدارة الدين العام خلال عام 2025 تحولا مهما في الحد من كلفته، ما أسهم في توفير مساحة مالية ساعدت على توجيه الموارد المتاحة نحو أولويات الإنفاق العام، وفي مقدمتها الخدمات الأساسية والمشروعات التنموية. 

ويعكس هذا التحول جهود الحكومة في كبح نمو فاتورة فوائد القروض الداخلية والخارجية، بما يخفف الضغوط على الموازنة العامة ويوفر مجالاً أوسع لإعادة توجيه الموارد نحو أولويات ذات أثر مباشر في حياة المواطنين، ولا سيما دعم النفقات الرأسمالية وتنفيذ المشاريع والمبادرات الحكومية في قطاعات أساسية، من بينها التعليم والصحة والنقل.

وقال مدير عام جمعية البنوك الأردنية الدكتور ماهر المحروق في تصريح لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن انخفاض كلفة خدمة الدين العام يمثل تطوراً إيجابياً في إدارة المديونية، نتيجة انخفاض أسعار الفائدة وإعادة تمويل بعض الالتزامات بتكاليف أقل، إلى جانب التوجه نحو المؤسسات الدولية والعربية التي توفر تمويلاً بشروط وفوائد أفضل بدلاً من الاعتماد بصورة أكبر على السوق التجاري.

وأوضح المحروق أن أهمية انخفاض كلفة خدمة الدين لا تقتصر على قيمة الفوائد التي يتم توفيرها، وإنما تمتد إلى أثرها على مخصصات الموازنة، إذ إن انخفاض المبالغ المطلوبة لخدمة الدين يتيح للحكومة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتوجيه جزء من المخصصات إلى بنود أخرى، ومنها النفقات الرأسمالية والاستثمارية.

وبين أن الوفر يمكن أن يوجه إلى مشاريع واستثمارات ترفع الإنتاجية وتدعم النشاط الاقتصادي وتخلق فرص عمل، مشيراً إلى أن الاستثمار قد يحقق أثراً تراكمياً يتجاوز قيمة الوفر المباشر.

وتراجعت الزيادة السنوية في فوائد القروض الداخلية والخارجية من 396 مليون دينار في 2024 إلى 90.9 مليون دينار في 2025، بانخفاض يقارب 305 ملايين دينار أو 77 بالمئة.

وانخفض معدل نمو فاتورة الفوائد من 22.6 بالمئة إلى 4.2 بالمئة، ما يعني أن الموارد الإضافية التي تحتاجها الخزينة سنوياً لمواجهة ارتفاع كلفة الدين أصبحت أقل، وهو ما يوفر مساحة أكبر لإدارة مخصصات الموازنة وتوجيهها نحو الإنفاق الذي ينعكس بصورة مباشرة على الخدمات والمشاريع العامة. 

وتتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى الدين الداخلي والخارجي، إذ تراجعت الزيادة في فوائد الدين الداخلي من 223.7 مليون دينار إلى 32.4 مليون دينار، وانخفض معدل نموها من 21.3 بالمئة إلى 2.5 بالمئة، فيما تراجعت الزيادة في فوائد الدين الخارجي من 172.3 مليون دينار إلى 58.5 مليون دينار، وانخفض معدل نموها من 24.4 بالمئة إلى 6.7 بالمئة.

من جانبه، قال الخبير المصرفي مفلح عقل لـ(بترا) إن انخفاض كلفة خدمة الدين يعكس تحسناً في إدارة المديونية، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين خدمة الدين وحجم الدين نفسه، موضحاً أن تراجع الفوائد لا يعني تلقائياً انخفاض أصل المديونية.

وأشار عقل إلى أن الحكومة استفادت من انخفاض الفوائد وإعادة تمويل بعض الالتزامات بتكاليف أقل، ومن التوجه نحو المؤسسات الدولية والعربية التي توفر تمويلاً بشروط أفضل، مبيناً أن هذا النهج يخفف كلفة الاقتراض مقارنة بالاعتماد على الأسواق التجارية.

وأوضح أن الوفر الناتج عن انخفاض كلفة الخدمة يمكن أن يعاد توجيهه ضمن الموازنة إلى النفقات الرأسمالية والاستثمارية، بما في ذلك المشاريع التي تعزز الإنتاجية وتدعم النشاط الاقتصادي، إلا أن استخدامه في زيادة الإنفاق الممول بالاقتراض قد يعيد إنتاج مشكلة المديونية نفسها.

وفيما يتعلق باستحقاق اليوروبوند في 2027، أكد عقل أهمية الاستعداد المبكر واختيار مصدر التمويل الأقل كلفة، مشيراً إلى أن اللجوء إلى المؤسسات الدولية والعربية بشروط أفضل يعد خياراً مناسباً في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض في الأسواق.

يشار الى الزيادة السنوية في الفوائد كنسبة انخفضت من الناتج المحلي الإجمالي من 0.95 بالمئة في 2024 إلى 0.21 بالمئة في 2025، ونسبتها إلى الإيرادات المحلية من 4.53 بالمئة إلى 0.98 بالمئة، ما يعزز قدرة الموازنة على استيعاب الإنفاق الرأسمالي وتوجيه موارد أكبر للمشاريع التي تحتاجها القطاعات الخدمية.

وجرى إطفاء سند يوروبوند بقيمة مليار دولار في حزيران 2025 من خلال تمويلات ميسرة، ووفق ما أعلنته الحكومة وفر ذلك نحو 40 مليون دولار سنوياً. كما جرى إطفاء سند آخر بالقيمة نفسها في كانون الثاني 2026 من خلال تمويلات ميسرة. ويبرز استحقاق سند بقيمة مليار دولار في كانون الثاني 2027 كاختبار جديد، إذ تشير المعطيات إلى إمكانية إعادة تمويله بمتوسط فائدة لا يتجاوز 4.5 بالمئة مقارنة بنحو 6 بالمئة على السند المستحق، بما يعني وفراً نظرياً بنحو 15 مليون دولار سنوياً.

وقال أستاذ المالية في جامعة آل البيت الدكتور عمر الغرايبة إن إدارة الدين العام في الأردن لم تعد تتعلق بحجم المديونية فقط، وإنما بكلفة خدمتها وكيفية إدارتها دون أن تزاحم الإنفاق التنموي.

وأضاف الغرايبة أن هذا التراجع الحاد في وتيرة ارتفاع الكلفة، من أكثر من 22 بالمئة إلى أقل من 5 بالمئة، يمثل مؤشراً مهماً على تحسن إدارة الدين، خصوصاً مع إعادة هيكلة بعض الالتزامات وإطالة آجالها والاستفادة من التمويل الأقل كلفة، مبيناً أن استبدال التزامات مرتفعة الكلفة بتمويل ميسر حقق وفراً سنوياً يقارب 40 مليون دولار في إحدى عمليات إعادة التمويل.

وأكد أن الاختبار الحقيقي لا يتوقف عند تحقيق الوفر، وإنما يبدأ من كيفية توظيف المساحة المالية التي يحررها انخفاض كلفة خدمة الدين، موضحاً أن توجيه هذه الوفورات نحو الإنفاق الرأسمالي والمشاريع الإنتاجية يمكن أن يحول إدارة الدين من أداة لتقليل الكلفة إلى أداة لدعم النمو وخدمة المواطنين.

وأشار إلى أن ارتفاع النفقات الرأسمالية الفعلية في 2025 بنسبة 20 بالمئة، وبلوغ نسبة تنفيذها نحو 95 بالمئة مقارنة بـ68 بالمئة في 2024، يمثل تطوراً مهماً، لأن العبرة ليست فقط بتخصيص الأموال، وإنما بقدرة الحكومة على تحويلها إلى مشاريع وأصول منتجة.

وبين الغرايبة أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوجيه الموارد المتاحة نحو البنية التحتية الإنتاجية، خصوصاً المياه والطاقة والنقل والرقمنة، بما يرفع الإنتاجية ويخفض كلف الاستيراد ويدعم الصادرات ويجذب الاستثمارات.

وقال إن الوفر الناتج عن تحسين إدارة الدين يمكن أن يسهم في تمويل مشاريع تخدم المواطنين دون اللجوء إلى اقتراض جديد، شريطة أن يقترن ذلك بضبط النفقات الجارية.

بترا –  رائف الشياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى