جامعات ومدارسمقالات

ما بعد التوجيهي… بداية الطريق إلى المستقبل

رقمنة 

  •  الأستاذ الدكتور فراس الهناندة

 مع إعلان نتائج الثانوية العامة، تُطوى صفحة من حياة أبنائنا الطلبة، وتُفتح أمامهم صفحة جديدة تحمل معها آمالًا واسعة، وخيارات متعددة، ومسؤوليات أكبر. إنها لحظة ينتقل فيها الطالب من مرحلة عاش تفاصيلها على مقاعد المدرسة إلى مرحلة جديدة في الجامعة، حيث تتسع دائرة المعرفة، وتتعدد مسارات التعلم، وتبدأ ملامح المستقبل بالتشكل بصورة أكثر وضوحًا.

 وفي هذه المناسبة، أتقدم بالتهنئة إلى أبنائنا وبناتنا الذين حققوا النجاح، وإلى أسرهم ومدارسهم ومعلميهم الذين كانوا شركاء في هذا الإنجاز. كما أحيي كل طالب بذل جهده وأدى ما عليه، وأقول لكل من لم يحقق النتيجة التي كان يطمح إليها إن أمامه مساحات واسعة من الأمل والفرص، فالحياة التعليمية والمهنية رحلة تتعدد فيها المحطات والمسارات.

 إن فرحة النجاح في الثانوية العامة فرحة مستحقة، غير أن الأهم من النتيجة هو ما يأتي بعدها. فالتوجيهي محطة مهمة في مسيرة الطالب، لكنه لا يمثل نهاية الرحلة، وإنما يشكل جسرًا يعبر من خلاله الشاب إلى مرحلة جديدة تتطلب منه قدرًا أكبر من الوعي في الاختيار، والاستعداد للتعلم، والقدرة على تحمل المسؤولية.

 اختيار التخصص… أول قرارات المستقبل

 بعد النتائج تبدأ مرحلة الاختيار، وهي من أكثر المراحل أهمية في حياة الطالب الجامعية. فاختيار التخصص هو قرار يرتبط بسنوات من الدراسة والعمل، ولذلك يحتاج إلى معرفة وهدوء ونظرة متوازنة إلى قدرات الطالب واهتماماته وطموحه ومتطلبات المرحلة المقبلة.

 ومن المفيد أن يتعرف الطالب إلى طبيعة التخصص الذي يرغب في دراسته، ومقرراته، ومجالاته المهنية، والمهارات التي يحتاجها، والفرص التي يمكن أن يتيحها له بعد التخرج. كما أن الاستماع إلى أصحاب الخبرة وأعضاء الهيئات التدريسية والمرشدين الأكاديميين يمكن أن يساعد الطالب في تكوين صورة أوضح قبل اتخاذ قراره.

 ولا يوجد تخصص واحد يصلح لجميع الطلبة، كما أن النجاح لا يرتبط باسم التخصص وحده. فالتميز يولد عندما يلتقي اختيار مناسب مع إرادة حقيقية، واجتهاد مستمر، ورغبة في التطور.

 ومن هنا، فإنني أدعو أبناءنا الطلبة إلى أن يجعلوا اختيارهم قائمًا على معرفة حقيقية بأنفسهم وبمجالات الدراسة والعمل، وأن ينظروا إلى التخصص باعتباره بداية لمسار مهني وإنساني طويل.

 من المدرسة إلى الجامعة… مرحلة جديدة من بناء الشخصية

 الانتقال إلى الجامعة يمثل تحولًا مهمًا في حياة الشاب. ففي المدرسة يتشكل الأساس العلمي والمعرفي، وفي الجامعة تتسع آفاق الطالب ليصبح أكثر استقلالًا في التفكير، وأكثر قدرة على البحث والمناقشة واتخاذ القرار.

 وكما أن الجامعة مكانٌ للحصول على المعرفة الأكاديمية، فهي أيضًا بيئة متكاملة لبناء الشخصية وتنمية المهارات واكتشاف المواهب.

 ولهذا فإن السنوات الجامعية تستحق أن يعيشها الطالب بكل تفاصيلها؛ أن يشارك في الأنشطة، وأن يستفيد من المختبرات والمكتبات ومراكز الابتكار، وأن يتفاعل مع أساتذته وزملائه، وأن يطور مهاراته في التواصل والعمل الجماعي، وأن يستثمر وقته في القراءة والتدريب والتجربة.

 فالطالب الجامعي الذي يخرج من الجامعة محملًا بالعلم والمهارة والخبرة والثقة بالنفس، يكون أكثر استعدادًا للانتقال إلى الحياة المهنية ومواجهة متغيراتها.

 الجامعة وسوق العمل… معرفة تتصل بالحياة

 يشهد العالم تغيرات متسارعة في طبيعة المهن والوظائف والمهارات المطلوبة، وأصبحت المعرفة الرقمية والتقنية والقدرة على التعلم المستمر عناصر أساسية في بناء المسار المهني.

 وفي مقدمة هذه التحولات يأتي الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضرًا في قطاعات متعددة، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب في مجالات البحث والتطوير والأعمال والخدمات والابتكار.

 ومن المهم أن يتعامل الطالب مع هذه التحولات بعقل منفتح، وأن يحرص منذ أولى سنواته الجامعية على بناء مجموعة متكاملة من المهارات إلى جانب تخصصه الأكاديمي.

 فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى خريج يعرف تخصصه جيدًا، ويمتلك في الوقت نفسه القدرة على التواصل، والتحليل، والعمل ضمن فريق، واستخدام التقنيات الحديثة، والتعلم المستمر.

 وهنا يأتي دور الجامعات في تقديم تعليم يرتبط باحتياجات المجتمع وسوق العمل، ويوفر للطلبة فرصًا للتدريب والتطبيق والبحث والابتكار وريادة الأعمال.

 الأسرة شريك أساسي في الاختيار

 في هذه المرحلة، يبرز دور الأسرة بوصفها السند الأول للطالب.

فالأسرة التي رافقت أبناءها طوال سنوات الدراسة، تستطيع اليوم أن تقدم لهم الخبرة والمشورة، وأن تساعدهم على قراءة خياراتهم بهدوء، وأن تشجعهم على اختيار المجال الذي يتناسب مع قدراتهم وطموحاتهم.

 والحوار الهادئ بين الطالب وأسرته، والاستفادة من تجارب الآخرين، والاطلاع على الخيارات المتاحة، كلها عوامل تساعد في الوصول إلى قرار أكثر نضجًا.

 إن أجمل ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها في هذه المرحلة هو الثقة والدعم، وإتاحة المجال أمامهم ليكتشفوا قدراتهم ويخططوا لمستقبلهم بثبات.

 الشباب… رصيد الوطن ومستقبله

 حين نتحدث عن طلبة الثانوية العامة وخريجي الجامعات، فإننا لا نتحدث عن مسارات فردية، وإنما نتحدث عن جيل سيكون له دور أساسي في مستقبل الأردن.

 فالطالب الذي يجلس اليوم على مقعد المدرسة هو طبيب ومهندس ومعلم وباحث ومبرمج ورجل أعمال وقيادي وموظف في المستقبل.

 ومن هنا، فإن العلاقة بين المدرسة والجامعة والوطن علاقة متصلة؛ فالمدرسة تبني الأساس، والجامعة توسع المعرفة وتصقل المهارات، والعمل يحول العلم إلى إنتاج وخدمة، والشباب هم القوة التي تحمل هذه المعرفة إلى المجتمع.

 إن الوطن الذي يستثمر في شبابه يستثمر في مستقبله، والشباب الذين يمتلكون العلم والمعرفة والمهارة والوعي قادرون على أن يكونوا شركاء فاعلين في مسيرة التنمية والبناء.

 ولذلك فإن مسؤوليتنا جميعًا أن نوفر لأبنائنا بيئة تعليمية تفتح أمامهم أبواب المعرفة، وأن نساعدهم على اكتشاف إمكاناتهم، وأن نمنحهم الثقة التي تدفعهم إلى العمل والإبداع والإنجاز.

 إلى أبنائنا الطلبة

 أبنائي وبناتي،

 لقد أنهيتم مرحلة مهمة، وبدأتم اليوم مرحلة جديدة. احتفلوا بإنجازكم، وافتخروا بما بذلتموه من جهد، ثم انظروا إلى الأمام.

 اختاروا تخصصكم بوعي، واستفيدوا من تجارب من سبقكم، واسألوا أهل الخبرة، ولا تتعجلوا في اتخاذ قرار يرسم سنوات من حياتكم.

 وحين تدخلون الجامعة، لا تجعلوا هدفكم الحصول على الشهادة فقط. اجعلوا الجامعة فرصة لاكتشاف الذات، وبناء المعرفة، واكتساب المهارات، وتكوين الشخصية، وتوسيع الأفق.

 اقرأوا، وابحثوا، وتعلموا، وشاركوا، وجربوا، وامنحوا أنفسكم فرصة لاكتشاف ما تستطيعون فعله.

 وتذكروا أن الحياة المهنية التي تنتظركم بعد الجامعة ستحتاج إلى أكثر من المعرفة النظرية؛ ستحتاج إلى شخصية قادرة على التعلم والعمل والتعاون وتحمل المسؤولية.

 فالمستقبل يبدأ من قرار اليوم، وما بعد التوجيهي بداية رحلة جديدة في حياة الإنسان؛ رحلة ينتقل فيها الطالب من الإجابة عن أسئلة الامتحان إلى البحث عن إجابات لأسئلة الحياة والعمل والمستقبل.

 إن الأردن يمتلك قيادة حكيمة وثروة بشرية كبيرة، وأبناؤه الشباب هم أساس هذه الثروة. وكل شاب يكتسب علمًا، وكل طالبة تطور مهارة، وكل خريج ينجح في عمله، وكل باحث ينتج معرفة، وكل شاب يؤسس مشروعًا أو يبتكر فكرة، هو إضافة جديدة إلى مسيرة الوطن.

 ولهذا فإن رسالتنا إلى أبنائنا في هذه المرحلة بسيطة وعميقة في آن واحد:

اجعلوا من التعليم بداية للمستقبل، ومن الجامعة مساحة لبناء الذات، ومن العمل طريقًا للعطاء، ومن العلم والمعرفة وسيلة لخدمة الأردن.

 فالمراحل تتغير، والمدارس تنتهي، والجامعات تبدأ ثم تنتهي، لكن رحلة التعلم لا تنتهي، ورحلة الإنسان في بناء نفسه وخدمة مجتمعه ووطنه تستمر ما دام قادرًا على العطاء.

 وفي هذه المناسبة، نجدد تهنئتنا لأبنائنا وبناتنا الناجحين، ونحيي جهود أسرهم ومعلميهم ومدارسهم، ونتمنى لكل طالب وطالبة أن تكون المرحلة المقبلة بداية لمسيرة حافلة بالعلم والتميز والإنجاز.

مبارك لأبنائنا هذا العبور إلى مرحلة جديدة، ومبارك للأردن بشبابه، ومستقبلًا يليق بطموحهم وقدراتهم. 

  • رئيس جامعة عجلون الوطنية، ومدير مركز الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي باتحاد الجامعات العربية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى