
رقمنة
لا تزال أسواق النفط عالقة بين آمال التوصل إلى حلول دبلوماسية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، في وقت تواصل فيه مخاوف الإمدادات فرض هيمنتها على تحركات الأسعار ومعنويات المستثمرين.
وترى محللة الأسواق لدى إيتورو، نغم حسن أن الأسواق تجاوزت مرحلة تسعير علاوة المخاطر الجيوسياسية المؤقتة، لتبدأ بالتفاعل مع ما يشبه صدمة هيكلية في الإمدادات العالمية.
وقالت حسن: “ارتفعت أسعار النفط الخام بأكثر من 60% منذ تصاعد النزاع في منطقة الخليج مطلع هذا العام، وهو ما يعكس ليس فقط حالة القلق، بل إعادة تسعير جوهرية لأسواق الطاقة العالمية.” وأضافت: “يبقى مضيق هرمز العامل الأبرز في تحركات الأسواق حالياً، وحتى تظهر مؤشرات واضحة على إمكانية إعادة فتح هذا الممر الحيوي بشكل مستدام، من المرجح أن تبقى مستويات التقلب مرتفعة.”
وتواصلت اضطرابات الإمدادات خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت خسائر المعروض إلى 13 مليون برميل يومياً خلال ايار ، مقارنة بـ11.8 مليون برميل يومياً في نيسان. وفي الوقت ذاته، دفعت التوقعات بمزيد من التشدد في التوازنات النفطية إلى رفع التقديرات السعرية، إذ تتوقع “إس آند بي جلوبال” وصول خام برنت المؤرخ إلى 118 دولاراً للبرميل في مايو، مع إمكانية ارتفاعه إلى 125 دولاراً للبرميل في يونيو بالتزامن مع تنامي الطلب الموسمي.
ورغم حدة الاضطرابات، ساهمت مجموعة من العوامل المؤقتة في الحد من ارتفاع الأسعار بوتيرة أكبر. فقد رفعت الإمارات صادراتها النفطية فوق القدرة الاعتيادية لخطوط الأنابيب عبر السحب من المخزونات، بينما زادت روسيا صادراتها نتيجة أعمال صيانة في المصافي المحلية، ما أتاح كميات إضافية للتصدير. كما ساهمت عمليات السحب المتسارعة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي، إلى جانب تباطؤ الصين في وتيرة بناء احتياطياتها، في تخفيف الضغوط مؤقتاً على الأسواق.
وأضافت حسن: “قدّمت هذه العوامل دعماً مؤقتاً للأسواق، لكنها تبقى محدودة وتبدأ بالفعل بالتلاشي. ومع دخول يونيو، تواجه الأسواق بيئة أكثر تعقيداً مع ارتفاع الطلب الموسمي على الوقود وتراجع فعالية أدوات الدعم الطارئة.”
وتشهد مخزونات الديزل في الولايات المتحدة وأوروبا مستويات متدنية هي الأدنى منذ سنوات، فيما سجلت مخزونات وقود الطائرات مستويات قياسية منخفضة، إلى جانب استمرار تراجع مخزونات البنزين. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تبدأ المصافي الآسيوية، التي اعتمدت خلال الفترة الماضية على السحب المكثف من المخزونات المحلية، بالمنافسة بشكل أكبر على خامات حوض الأطلسي، ما قد يزيد من ضغوط السوق العالمية.
وأشارت حسن إلى أن طبيعة المخاطر الحالية تبدو غير متوازنة بالنسبة للمستثمرين .وقالت: “أي انفراجة دبلوماسية قد تؤدي إلى تراجع سريع في جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية، لكن استعادة الإمدادات الفعلية ستحتاج إلى وقت أطول بكثير بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتعطل الشحن، وقيود التأمين، والجداول الزمنية لإعادة تشغيل المصافي.” وأضافت: “في المقابل، فإن أي تصعيد إضافي قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات تؤثر بشكل ملموس على النمو العالمي والتضخم وأرباح الشركات.”
ورغم أن أياً من سيناريوهَي التهدئة السريعة أو تفاقم أزمة الإمدادات لا يبدو وشيكاً في الوقت الحالي، ترى حسن أن أسواق النفط ستظل شديدة الحساسية تجاه أي تطورات مرتبطة بمنطقة الخليج خلال المرحلة المقبلة.
واختتمت حسن بالقول: “تتفاعل الأسواق حالياً مع كل عنوان إخباري لحظة بلحظة. وحتى تتضح الرؤية بشأن مضيق هرمز واستقرار المنطقة، سيبقى عدم اليقين العامل الأكثر تأثيراً في أسواق الطاقة العالمية.”




