
رقمنة
- الأستاذ الدكتور فراس الهناندة
في هذه الأيام، يبدو المشهد الأردني وكأنه يكتب نفسه بإيقاعٍ متسارع، حيث تتقاطع اللحظة مع الذاكرة، ويلتقي الجهد اليومي مع المعنى الوطني الأوسع. نحن في زمنٍ تتجاور فيه صور العامل في موقعه، والشاب في ميدان خدمة العلم، وراية الوطن التي ترفرف عاليًا، وصوت الأم الذي يبدأ منه كل شيء، وصولًا إلى أفق الاستقلال الثمانين الذي يلوح بثقة.
في التفاصيل الصغيرة، تتشكل الحكاية الكبرى. عاملٌ يباشر يومه بإخلاص، وشابٌ يقف في طابور الانضباط ضمن تخريج الفوج الأول من خدمة العلم، ومشهدٌ يستحضر في الوعي الجمعي معنى الجاهزية والانتماء. هذه الصور، حين تُقرأ معًا، تكشف عن خيطٍ عميق يربط بين الإنتاج والالتزام، بين الجهد الفردي والمشروع الوطني.
وفي الخلفية، تبقى الكرامة حاضرة، لا كذكرى بعيدة، بل كقيمة متجددة تُذكّر بأن هذا الوطن صاغ ثقته بنفسه في لحظات مفصلية، وأن تلك الروح ما زالت تسري في وجدان أبنائه. ومع كل راية ترتفع في يوم العلم، يتجدد هذا المعنى، وتترسخ علاقة الإنسان بأرضه، كعلاقة وعيٍ ومسؤولية، لا مجرد انتماء عاطفي.
ومن البيت تبدأ الحكاية، حيث تصوغ الأم الملامح الأولى للإنسان، وتزرع في داخله بذور الانتماء والانضباط والإيمان بالعمل. هذه البدايات الهادئة تنعكس لاحقًا في كل موقع يقف فيه الفرد، من مقاعد الدراسة إلى ميادين الخدمة والعمل.
وفي امتداد هذه الصورة، تتقدم الدولة برؤيتها التي تتشكل عبر الزمن. إرث جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، حاضر في وجدان الأردنيين بما حمله من حكمة إنسانية عميقة، فيما يقود جلالة الملك عبد الله الثاني مرحلة تزداد فيها أهمية المعرفة، وتتقدم فيها التكنولوجيا كأداة رئيسية في بناء المستقبل. وفي هذا السياق، تعكس كلمات سمو ولي العهد في حفل تخريج المكلفين بخدمة العلم، قراءة دقيقة لروح المرحلة، حيث يُعاد توجيه طاقات الشباب نحو مسارات أكثر وعيًا وإنتاجًا.
الجامعات في هذا المشهد ليست بعيدة عن هذه التحولات، بل تقع في قلبها. فهي المساحة التي تلتقي فيها الفكرة بالفعل، ويتحول فيها الطموح إلى مشروع، ويجد فيها الشباب أدواتهم لصياغة دورهم في عالم سريع التغير. وهنا، تتعزز قيمة التعليم بوصفه استثمارًا طويل الأمد في قوة الدولة واستقرارها.
وحين تقترب البلاد من الاستقلال الثمانين، تتضح الصورة أكثر؛ تجربة وطنية تراكمت فيها الخبرة، ونضجت فيها الرؤية، واستقرت فيها قناعة أن بناء الإنسان هو الطريق الأكثر رسوخًا نحو المستقبل. هذا التراكم لا يظهر في الشعارات، بل في تفاصيل الحياة اليومية، في عاملٍ يتقن، وشابٍ يلتزم، وأمٍ تُربي، ومؤسسةٍ تُطوّر.
هكذا يُقرأ المشهد الأردني اليوم؛ سلسلة مترابطة من المعاني، تتشكل بهدوء وثقة، وتفتح الباب لمرحلة جديدة تُبنى على ما تحقق، وتتجه بثبات نحو ما هو قادم. وبين العمل والعَلَم، يواصل الأردن كتابة فصله الجديد، بعقول شبابه، وبإرادةٍ تعرف أن المستقبل يُصنع هنا، الآن
- رئيس جامعة عجلون الوطنية




