مقالات

الكاتبة الأردنية دانة زيدان تكتب لـ ” رقمنة” : فائض سيؤول وعقول عمّان …. الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات تكافؤ الفرص

رقمنة

*دانة زيدان

خرجت كوريا الجنوبية إلى النقاش العالمي بفكرة غير مألوفة: ماذا لو استفاد المواطنون مباشرة من أرباح الذكاء الاصطناعي؟ فبدلاً من أن تبقى الثروة مقتصرة على ميزانيات الشركات، اقترح سياسيون أن يُعاد توزيع جزء من الأرباح الضخمة الناتجة عن طفرة التكنولوجيا وأشباه الموصلات عبر ما يسمى ب”عائد المواطن” Citizen Dividend

 هذه الفكرة لا تُعتبر قانوناً جاهزاً بعد، إنما هي مقترح قد يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه عميق في جوهره. إذ إن شركات عملاقة مثل “سامسونج” و”إس كي هاينكس” باتت تحقق أرباحاً تاريخية بفضل الطلب العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، فبدلاً من أن يبقى هذا الفائض محصوراً في ميزانيات الشركات والضرائب الحكومية، تحاول سيؤول تحويله إلى منفعة اجتماعية أوسع تشمل الجميع.

ما بدأ كطرح اقتصادي، تحول سريعاً إلى جدل سياسي ومالي واسع أحدث ارتدادات فورية في مؤشر “كوسبي” للأسهم الكورية، وأعاد فتح نقاش عالمي حول سؤال جوهري: من يملك ثروة الذكاء الاصطناعي؟

ففي خلفية هذا النقاش، نرى محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة، والسوق، والمجتمع في ظل التطور التكنولوجي المتسارع. هذا التوجه الكوري جاء مدفوعاً بحقيقة مقلقة واجهتها الأسواق: إن الثروة الهائلة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تميل بطبيعتها إلى التركز الشديد في أيدي قلة من الشركات والمستثمرين، بينما يواجه الشارع مخاوف متزايدة من خسارة الوظائف التقليدية بسبب الأتمتة.

من هذا المنطلق، تبلورت فكرة “عائد المواطن” لتعكس اعترافاً ضمنياً بأن هذه الطفرة الرقمية الهائلة لم تأت من فراغ، بل نبتت في تربة استثمارات وطنية وبنى تحتية أسس لها المجتمع بأكمله عبر عقود.

 لا يبدو هذا النقاش الدائر في أروقة سيؤول بعيداً عن تفكير أصحاب القرار في منطقتنا، لكن الفارق هنا يكمن في طبيعة الإمكانيات والخيارات الاستراتيجية. فبينما يمتلك بلد صناعي عملاق مثل كوريا الجنوبية الرفاهية المالية لمناقشة توزيع فوائض الأرباح المادية، يدرك الأردن بموارده المحدودة أن رصيده الحقيقي والوحيد للمنافسة هو طاقته البشرية. الأردن هنا لا يملك ترف توزيع أرباح الذكاء الاصطناعي كمنح مالية، ولكنه يملك توزيع أدوات إنتاج هذه الثروة.

من هذا المنطلق، تبرز مؤسسة ولي العهد كمحرك أساسي لهذا التحول، حيث لا يتم التعامل مع الذكاء الاصطناعي كرفاهية تكنولوجية، بل كبوابة عبور إلزامية لسوق العمل الجديد. ومن خلال برامجها النوعية والشراكات الاستراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا نقلت المؤسسة المعركة من مربع “الخوف من خسارة الوظائف” إلى مربع “صناعة جيل قادر على هندسة هذه التكنولوجيا وتصديرها”.

في النهاية، فإن الرهان الأردني يبدو أكثر ملاءمة لظروفه: فالعدالة المستدامة تبدأ من تمليك جيل المستقبل مهارات ابتكار وظائف جديدة، ليكونوا هم المحرك للاقتصاد، لا ضحايا لتحولاته.

ختاماً، إن هذا المقترح الكوري الاستثنائي لا يمثل مجرد فكرة اقتصادية عابرة، بل هو بوابة لشرارة فكرية ستجبر العالم على فتح باب نقاش حول أخلاقيات تكافؤ الفرص العالمي ومستقبل الفجوة الرقمية بين الدول.

فمن وراء الفائض المالي في سيؤول، يبرز تساؤل يصعب تجاهله: ما هو مصير المجتمعات النامية التي لا تمتلك شركات تكنولوجية عملاقة لفرض الضرائب على أرباحها وتوزيع عوائدها؟ هل سنشهد في العقود القادمة شكلًا جديدًا من القطاع الرقمي العالمي تحتكر فيه دول ومجتمعات محددة ثروة الذكاء الاصطناعي، أم أن المعرفة وتمليك المهارة ستظل السلاح الوحيد العابر للحدود، والذي يملك أي مجتمع مهما كانت موارده القدرة على الاستثمار فيه؟

فالأبواب التي فُتحت لن تُغلق قبل أن تجيب المجتمعات – سواء تلك التي تملك السيولة المالية الفائضة أو تلك التي تراهن بكليتها على العقول والمهارات- عن السؤال الأزلي بصيغته الجديدة: كيف سنضمن ألا يتحول هذا التطور التكنولوجي الفلكي إلى أداة لتعميق الفجوة بين البشر، بل وسيلة لتمكينهم؟

 *كاتبة اردنية 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى