الاقتصاد

ديوان المحاسبة.. إنجازات رقابية وحاجة لتعظيم الأثر

 

 فالمشهد الرقابي، كما يظهر من مناقشات مجلس النواب لتقارير ديوان المحاسبة، يتسم بكثافة لافتة، وأرقام كبيرة من المهام التدقيقية، ومخرجات رقابية متعددة، ونقاشات فنية معمقة داخل اللجنة المالية، إلى جانب استدعاء واسع للمسؤولين وتصنيف دقيق للمخالفات.
 إلا أن هذا الزخم، على أهميته، يبقى محصورا بدائرة التشخيص والتحليل، دون أن يترجم إلى التزام تنفيذي راسخ، ما يفسر استمرار تكرار المخالفات وبقاء جزء منها بدائرة “قيد المتابعة” دون معالجة حاسمة.
 وتكشف الحالة الأردنية أن التحدي لم يعد بإنتاج المزيد من التقارير أو تكثيف النقاشات، بل ببناء منظومة رقابية مكتملة تربط بين القرار والتنفيذ، وتحول المخرجات الرقابية إلى التزامات نافذة.
 عندها فقط يمكن تجاوز معادلة “الكثافة منخفضة الأثر”، والانتقال لرقابة فاعلة قادرة على الحد من تكرار المخالفات وتعزيز المساءلة وحماية المال العام. وهذا التناقض لا يرتبط بضعف في الصلاحيات، بل بخلل بنيوي في طبيعة مخرجات الرقابة نفسها، التي ما تزال بمعظمها ذات طابع توصيتي غير ملزم، ما يحد من قدرتها على إحداث تغيير فعلي في سلوك الجهات الحكومية.
 كما أن غياب آليات متابعة مؤسسية واضحة، تتولى تتبع تنفيذ قرارات مجلس النواب بشكل دوري ومنهجي، يضعف من استمرارية الأثر الرقابي، ويجعل المساءلة لاحقة ومحدودة، في ظل انخفاض الكلفة السياسية أو الإدارية لعدم الامتثال. وفي هذا السياق، يصبح واضحا أن جوهر الإشكالية يكمن في الفجوة بين القرار والتنفيذ، لا في إنتاج القرار نفسه، فحتى مع وجود نقاشات نيابية متقدمة من حيث التشخيص، مدعومة بمؤشرات رقمية دقيقة، إلا أنها لم تترافق مع تطوير أدوات رقابية جديدة أو آليات إلزام قانونية قادرة على فرض التنفيذ، ما أبقى أثرها ضمن حدود الضغط الخطابي.
ويتطلب تجاوز هذه الحالة تحولا نوعيا في بنية الرقابة، يقوم على نقلها من مستوى التوصية لمستوى الإلزام، ويبدأ ذلك بمنح قرارات مجلس النواب المرتبطة بتقارير ديوان المحاسبة صفة ملزمة قانونيا، سواء عبر تعديل تشريعي واضح أو عبر إدماج نصوص تفرض على الحكومة تنفيذها ضمن أطر زمنية محددة.
 كما تبرز ضرورة إنشاء منظومة متابعة دائمة، تتولى رصد التنفيذ وإصدار تقارير دورية علنية، بما يعزز الشفافية ويرفع من كلفة عدم الالتزام.
 وعودة للتقرير، فإنه أشار إلى “توافر أدوات الكشف والمعالجة البرلمانية لكن دون ترجمة كافية إلى نتائج تنفيذية أو ردع مؤسسي مستدام”، ما يوضح أن الفجوة الأساسية تكمن في ضعف الالتزام والمتابعة وليس في كثافة الرقابة نفسها.
مخرجات الرقابة غالبا ما
تتوقف عند حدود التوصية
وفي هذا السياق، ربط أستاذ القانون الإداري بالجامعة الأردنية د. محمد المعاقبة، في تصريحات لـ”الغد”، هذا التشخيص بالسؤال الجوهري حول أسباب محدودية أثر الرقابة، رغم اتساع أدواتها، وما يتطلبه ذلك من آليات قانونية وتشريعية قادرة على سد فجوة التنفيذ والمتابعة، وتحويل مخرجات الرقابة من توصيات غير ملزمة إلى التزامات نافذة على الجهات الحكومية.
 ورأى أن توصيف الحالة الأردنية بـ”الرقابة الكثيفة منخفضة الأثر”، يعكس مفارقة واضحة بين وفرة الأدوات الرقابية وضعف نتائجها العملية، مشددا على أن “هذا الوصف لا يعكس نقصا في الأدوات، بل يكشف عن فجوة بين وفرة الوسائل وغياب النتائج”.
 وقال إن الإطار الدستوري والتشريعي في الأردن يوفر لمجلس النواب صلاحيات رقابية واسعة، تشمل توجيه الأسئلة والاستجوابات وطرح الثقة، إلى جانب الدور المحوري لديوان المحاسبة الذي يرفع تقاريره السنوية للمجلس، حيث تُناقش عبر اللجنة المالية ويتم استدعاء المسؤولين المعنيين للمساءلة، ما ينتج “كما كبيرا من التقارير والتوصيات” ويعكس “كثافة واضحة في الأداء الرقابي”.
 إلا أن هذه الكثافة، بحسبه، لا تُترجم إلى أثر فعلي، مشيرا إلى أن “تكرار المخالفات ذاتها في تقارير ديوان المحاسبة عاما بعد عام يشير إلى أن هذه الرقابة لا تُترجم إلى تغيير فعلي”، عازيا ذلك لعدة اختلالات جوهرية، في مقدمتها أن مخرجات الرقابة “غالبا ما تتوقف عند حدود التوصية، دون أن تكتسب صفة الإلزام”، في ظل غياب نص قانوني “يُجبر الحكومة على تنفيذ هذه التوصيات أو يعاقب على تجاهلها”، ما يجعلها “أقرب لآراء استشارية منها إلى قرارات نافذة”.
 ولفت لمشكلة غياب المتابعة المؤسسية، موضحا أن “دور المجلس ينتهي غالبا بعد إحالتها للحكومة، دون وجود نظام واضح للتقييم أو المساءلة اللاحقة”، إضافة إلى “ضعف الكلفة السياسية للمخالفات”، حيث إن أدوات المساءلة الحادة نادرا ما تُستخدم، الأمر الذي “يقلل من تأثير الرقابة على سلوك السلطة التنفيذية” ويبقي باب تكرار المخالفات مفتوحا.
وفيما يتعلق بالآليات القانونية والتشريعية اللازمة لسد فجوة التنفيذ، يؤكد المعاقبة أن الإصلاح يتطلب “الانتقال إلى نموذج رقابي قائم على الإلزام لا الاكتفاء بالتوصية”، واقترح بهذا السياق منح توصيات مجلس النواب صفة قانونية ملزمة “سواء عبر تعديل دستوري أو بإدخال نص واضح في النظام الداخلي للمجلس”، بحيث تُلزم الحكومة بتنفيذها ضمن مدة زمنية محددة مع تقديم خطة واضحة لذلك.
 كما شدد على ضرورة إنشاء آلية متابعة دائمة، عبر “وحدة متخصصة تتولى رصد تنفيذ التوصيات، وتوثيق حالتها بشكل دوري، وإصدار تقارير علنية توضح مستوى الالتزام”، على أن تمتلك هذه الجهة صلاحية استدعاء المسؤولين عند التأخير أو التقصير، بما يضمن استمرارية الرقابة وعدم توقفها عند مرحلة النقاش.
 وطرح أيضا ربط الالتزام بتنفيذ التوصيات بالموازنة العامة، بحيث “لا يتم إقرار موازنات الجهات التي لم تعالج مخالفاتها، إلا بعد تقديم خطط تصحيحية واضحة”، معتبرا أن هذا الربط يشكل حافزا عمليا للتنفيذ نظرا لتأثيره المباشر على عمل المؤسسات.
وفي سياق تعزيز المساءلة، دعا إلى تفعيل المسؤولية الفردية للمسؤولين، عبر اعتبار “تجاهل تنفيذ التوصيات الجسيمة مخالفة تستوجب المساءلة التأديبية، وقد تصل للعزل”، بما يعزز ثقافة الالتزام ويحولها إلى مسؤولية شخصية لا مؤسسية فقط. كما يقترح إتاحة المجال أمام القضاء الإداري للنظر في حالات الامتناع عن التنفيذ، ومنح جهات محددة، مثل عدد من النواب أو ديوان المحاسبة، حق اللجوء إلى القضاء “لإجبار الجهات المعنية على الالتزام”.
 ونوه إلى أن جوهر الإشكالية لا يكمن في نقص الأدوات، بل في محدودية أثرها، مؤكدا أن “الحل يكمن في تحويل هذه الأدوات إلى منظومة ملزمة ومتكاملة، تربط بين التوصية والتنفيذ، وبين المساءلة والنتيجة”، بما يفضي إلى رقابة فاعلة تسهم في حماية المال العام وتعزيز الحوكمة، بدلا من بقائها “مجرد نشاط شكلي يتكرر دون تغيير ملموس”.
 إلا أنه ورغم ذلك، شهد ديوان المحاسبة تحولا نوعيا في مسار تطوير العمل الرقابي وتعزيز منظومة الشفافية والمساءلة، إذ أطلق مطلع العام الحالي أول مهمة “مراجعة نظير” في تاريخه، بالتعاون مع مكتب التدقيق الوطني البريطاني (UK NAO)، في مبادرة تعد من أبرز الممارسات المهنية المعتمدة لدى الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة عالميا.
 وتأتي هذه الخطوة، ضمن سياق الخطة الإستراتيجية للديوان للأعوام 2024–2027، وانسجاما مع توجهاته الرامية لتطوير منظومة الرقابة والارتقاء بأدائه وفق المعايير الدولية المعتمدة للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي ويواكب أفضل الممارسات العالمية في التدقيق والرقابة، ويتوافق مع معايير المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة “الإنتوساي”.

المصدر : صحيفة الغد – ايمان الفارس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى