مقالات

المدرب ومستشار الأعمال حمزة التميمي يكتب لـ ” رقمنة” : رحلة الريادة الصعبة: أسباب فشل المشاريع رغم جودة الأفكار

رقمنة 

*حمزة التميمي 

يوميا تنطلق في العالم مئات آلاف المشاريع الريادية الجديدة، ما يعطي انطباعا مهما حول المبادرة والبحث عن الفرص أصبحت ظاهرة عالمية حقيقية، لكن خلف هذا الرقم حقيقة أقسى، وهو نحو 90% من هذه المشاريع تفشل، و20% منها لا يتجاوز السنة الأولى، بينما يسقط 70% منها بين السنة الثانية والخامسة، أي أن مشروع واحد فقط يصمد ويكبر من كل عشرة مشاريع، والمهم أن كثيراً من التي سقطت كانت تحمل أفكاراً جيدة حقاً.

هنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت الفكرة جيدة، فلماذا يفشل المشروع؟

البيانات العالمية تجيب بوضوح، أن 42% من حالات الفشل سببها غياب الحاجة السوقية الحقيقية للمنتج، و29% بسبب نفاد التمويل، و23% مرتبطة بمشكلات في فريق العمل، وهذا يقودنا إلى أن الفكرة الجيدة وحدها لا تكفي ، ما يحدد البقاء هو قدرة المشروع على أن يُفهم من السوق، ويُموَّل، ويُدار بفريق متماسك.

 

 في الأردن تظهر هذه المعادلة بشكل جلي، فالبيئة المحلية لا تساعد على استمرار المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فحوالي 12% منها أُغلق بشكل كامل، وكثير من هذه المشاريع لم تفشل لأن فكرتها كانت ضعيفة، بل لأنها وجدت نفسها في بيئة لا تحتملها. نسب التمويل المتاح للشركات الناشئة الأردنية لا تتجاوز 3% من إجمالي التمويلات في المنطقة، والشركات التي تحصل على أي تمويل في مراحلها الأولى لا تتجاوز 10% من مجموع الشركات الناشئة التي تعمل في السوق.

قد يدفع الشغف بالفكرة رائد الأعمال للأمام في البداية، لكنه أحياناً يُعميه عن حقيقة بسيطة:، وهي أن المشروع الجيد من حيث الفكرة ليس بالضرورة مشروعاً قابلاً للحياة اقتصادياً في حال لم يكن هنالك حاجة، أو أن أشخاصا سيدفعون مقابل الخدمة أو المنتج، حيث أن هنالك العديد من الأفكار الرائعة، التي تموت بأرضها قبل أن ترى النور.

ومن خلال تجربتي واطلاعي على العديد من المشاريع التي استمرت، وأكملت في ظل ظروف صعبة، بموارد شحيحة أوصلتها حتى الإرهاق، أو قامت بالإغلاق، أو البحث عن دول أخرى لتنطلق من خلالها من جديد، كالإمارات وقطر والسعودية بحثاً عن بيئة أكثر مرونة.

وما لا يقوله رواد الأعمال عادةً في البدايات – وهو ما يتحول لاحقاً إلى سبب السقوط – هو أنهم دخلوا السوق دون اختبار حقيقي لمنتجهم، ودون تحقق فعلي من وجود عميل مستعد للدفع، كما أسلفت سابقاً، أو القيام بالإطلاق المبكر جداً للمشروع أو المنتج، أو التحليل المفرط قبل الإطلاق.

نسبة ملكية الأعمال القائمة في الأردن انخفضت من 7% عام 2023 إلى 5% عام 2024 ، وهو رقم يقول بوضوح أن المشكلة ليست في الإطلاق فقط، بل في القدرة على الاستمرار، فجزء من الشباب الأردني يفضل الأمان الوظيفي في القطاع الحكومي على المخاطرة بمشروع غير مضمون، وهذا ليس ضعفاً، بل استجابة منطقية لبيئة لا تسامح على الفشل ولا توفر شبكة أمان لمن يجرب ويخسر.

لو أردنا اختصار سبب فشل معظم المشاريع بجملة واحدة صادمة، فهي هذه، أصحابها كانوا يحلّون مشكلة يحبونها، لا مشكلة يعاني منها السوق فعلاً.

الحل لن يأتي من خطاب تحفيزي، المطلوب سياسات تمويل حقيقية، وتشريعات تحمي الشركات في سنواتها الأولى، وثقافة تتعامل مع الفشل كتجربة لا كوصمة، وإلى أن يحدث ذلك، ستبقى الأفكار الجيدة تجد طريقها إلى مكان آخر.

*مدرب ومستشار أعمال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى