جامعات ومدارسرقمنة التعليم

تعريف المعلم بـ”مشروع التربية”.. تحول مفصلي بنقل التعليم من وظيفة تقليدية لمهنة منظمة

رقمنة

بعد إقرار مجلس النواب الأربعاء الماضي، وبأغلبية الأصوات، مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، بما في ذلك التعريفات الواردة في مشروع القانون، برز تعريف “المعلم” كأحد أبرز التحولات في بنية المهنة، إذ أقرّ المشروع أن المعلم هو “الشخص الذي يتولى التعليم والحاصل على إجازة ممارسة مهنة التعليم من الوزارة”، في خطوة تعكس توجها واضحا نحو تنظيم المهنة وربطها بالترخيص والمعايير المهنية.

 

 ويسلط هذا التعريف الضوء على تحول في النظرة لدور المعلم داخل المنظومة التعليمية، حيث لم يعد مجرد ناقل للمعرفة، بل أصبح مصمما لعمليات التعلم، يعمل على بناء خبرات تعليمية تفاعلية تراعي الفروق الفردية بين الطلبة، إلى جانب دوره القيادي داخل الصف والمدرسة، ومشاركته في تطوير البيئة التعليمية وصنع القرار التربوي.
 كما يمتد دوره ليشمل كونه باحثا ومطورا مهنيا يوظف أدوات البحث التربوي والتأمل الذاتي لتحسين ممارساته، إضافة إلى كونه ميسرا للتعلم الرقمي، بما يتطلب امتلاكه كفايات تكنولوجية متقدمة تمكّنه من توظيف وإنتاج المحتوى الرقمي بكفاءة، بما يعزز فاعلية العملية التعليمية.
 وفي هذا الإطار، يرى خبراء في مجال التربية أن إقرار التعريف الجديد يشكل نقطة تحول مفصلية تنقل التعليم من وظيفة تقليدية إلى مهنة منظمة قائمة على الترخيص والكفاءة، مؤكدين أن ربط مزاولة المهنة بالحصول على إجازة رسمية يفرض معايير أعلى تشمل التأهيل التربوي والتدريب العملي واجتياز الاختبارات المهنية. وأوضحوا في أحاديثهم لـ”الغد”، إن الانتقال من اعتبار المعلم موظفا إلى كونه مهنيا مرخصا يخضع لمعايير الكفاءة والتطوير المستمر، يمثل خطوة نوعية تعيد الاعتبار لمكانة المعلم، وتضعه في مصاف المهن القائمة على الترخيص والمساءلة المهنية، بما يشكل مدخلا أساسيا لضمان جودة الأداء.
وبيّنوا أن هذا التعريف سيقود لرفع سقف التوقعات من المهنة، عبر اعتماد معايير أكثر صرامة للقبول في كليات التربية، واشتراط برامج تأهيل متخصصة مثل الدبلوم المهني لإعداد المعلمين، إلى جانب تطبيق نظام الترخيص المهني المرتبط بكفايات محددة وليس فقط بالمؤهل الأكاديمي، فضلا عن اعتماد نظام رتب مهنية قائم على التطوير المستمر الإلزامي.
وأشاروا إلى أن هذا التعريف كما ورد في مشروع القانون سينعكس إيجابا على جودة العملية التعليمية ومخرجاتها، عبر الانتقال من نمط التلقين إلى التعلم النشط، وتعزيز مهارات التفكير العليا لدى الطلبة، مثل التفكير النقدي والإبداعي وحل المشكلات، بما يسهم في رفع دافعية الطلبة وخلق بيئات صفية.
تمهين التعليم
وفي هذا الإطار، قال الخبير التربوي فيصل تايه، إن مشروع قانون التعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، يبرز مفهوم “تمهين التعليم” كأحد أبرز ملامح هذه المرحلة، ليس بوصفه تعديلا إجرائيا، بل كتحول جذري في فلسفة التعامل مع المعلم ودوره داخل المنظومة التربوية.

 وأوضح أن الانتقال من اعتبار المعلم موظفا إلى كونه مهنيا مرخصا يخضع لمعايير الكفاءة والتطوير المستمر، يمثل خطوة نوعية تعيد الاعتبار لمكانة المعلم، وتضعه في مصاف المهن القائمة على الترخيص والمساءلة المهنية، بما يشكل مدخلا أساسيا لضمان جودة الأداء.
 وأضاف أن هذا التحول لا يقتصر على ضبط مدخلات المهنة، بل يمتد لإعادة تعريف المعلم كقائد معرفي وميسر لعملية التعلم، قادر على مواكبة التحولات الرقمية وبناء بيئات تعليمية قائمة على التفكير والإبداع. وأشار إلى أن هذا التوجه، رغم أهميته، يواجه تحديات حقيقية لا يمكن معالجتها بالنصوص القانونية فقط، مبينا أن تمهين التعليم يتطلب منظومة متكاملة تبدأ من تطوير برامج إعداد المعلمين في الجامعات، وتمر بأنظمة تدريب مستمر قائمة على الاحتياجات الفعلية، وصولا لنظام ترخيص عادل وشفاف يوازن بين ضمان جودة التعليم وحماية المعلم من التعقيدات البيروقراطية.
 وبين أن ربط الترخيص بالتدرج المهني والحوافز المادية يعد عنصرا حاسما في إنجاح هذا المسار، إذ لا يمكن تحقيق مهنية حقيقية دون مسارات واضحة للتطور الوظيفي تكافئ الكفاءة وتحد من الجمود القائم على الأقدمية، محذرا في الوقت ذاته من أن أي خلل في هذه المنظومة قد يحول “التمهين” إلى عبء إداري يفقد المعلم دافعيته بدلا من تعزيزها.
وأكد أن الرهان الحقيقي لهذا التحول يكمن في أثره داخل الغرفة الصفية، مشددا على أن نجاح تمهين التعليم لا يقاس بعدد الرخص الممنوحة، بل بمدى انتقال العملية التعليمية من التلقين إلى التفكير، ومن الحفظ إلى التحليل، ومن التعليم التقليدي إلى التعلم النشط القائم على المهارات.
 ولفت إلى أن وجود معلم مؤهل ومرخص يشكل ركيزة أساسية لتقليص الفجوات التعليمية وتعزيز العدالة في فرص التعلم، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الظروف الاجتماعية، مشيرا إلى أن “تمهين التعليم” ليس هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لبناء نظام تعليمي أكثر جودة ومرونة وعدالة.
 وأشار إلى أن نجاح هذا التوجه يبقى مرهونا بقدرة صانعي القرار على تحويله من إطار نظري إلى ممارسة يومية مدعومة بالموارد، ومبنية على الحوكمة الرشيدة، وقائمة على الثقة بالمعلم كشريك في الإصلاح، مؤكدا أن أي إصلاح تربوي حقيقي يبدأ من المعلم وينتهي عنده.
تعزيز مفهوم “المعلم الكفء”
بدوره، قال الخبير التربوي محمد أبو عمارة إن إقرار التعريف الجديد يشكل “نقطة تحول مفصلية” تنقل التعليم من وظيفة تقليدية إلى مهنة منظمة قائمة على الترخيص والكفاءة، مؤكدا أن ربط مزاولة المهنة بالحصول على إجازة رسمية يفرض معايير أعلى تشمل التأهيل التربوي والتدريب العملي واجتياز الاختبارات المهنية.

 وبيّن أن هذا التعريف من شأنه تعزيز مفهوم “المعلم الكفؤ”، والانتقال من التوظيف القائم على الشهادة الأكاديمية فقط لنموذج يعتمد على الكفاءة المهنية، الأمر الذي سينعكس إيجابا على جودة العملية التعليمية ومخرجاتها، ويحد من التفاوت في أداء المعلمين، ويرفع من مكانة المهنة اجتماعيا. وأشار إلى أن التعريف الجديد سيقود بالضرورة لإعادة مواءمة برامج كليات التربية في الجامعات، بحيث تركز بشكل أكبر على الجانب التطبيقي والتدريب الميداني، متوقعا عودة نماذج “المعلم المتدرب” ضمن مسارات إعداد المعلمين، وربط الترخيص بساعات ممارسة فعلية داخل المدارس.
 وفي المقابل، لفت إلى أن حصر تعريف المعلم بـ”من يتولى التعليم” قد يفتح بابا للنقاش، إذ قد يُفهم منه تضييق نطاق دور المعلم ليقتصر على التعليم الصفي، رغم أن الواقع التربوي يفرض عليه أدوارا متعددة تشمل الإرشاد والدعم النفسي والمهام الإدارية والأنشطة المدرسية.
 ورجّح أن يكون هذا التوجه مقدمة لفصل المسارات داخل المنظومة التعليمية، بحيث يتركز دور المعلم في الجانب التعليمي، مقابل تخصيص أدوار إدارية وفنية لجهات أخرى، إلا أنه شدد على ضرورة عدم إغفال الأدوار التربوية المتكاملة التي يقوم بها المعلم داخل المدرسة.
أدوار جديدة للمعلم
من جانبه، قال الخبير التربوي عايش النوايسة، إن إقرار التعريف الجديد يعكس تحولا جوهريا في فلسفة التعليم، موضحا أن الدور التقليدي للمعلم بوصفه ناقلا للمعرفة لم يعد كافيا في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها العملية التعليمية، سواء على صعيد الأدوات أو الأهداف، إلى جانب تأثيرات التحول الرقمي والتطورات الاقتصادية والاجتماعية والانفجار المعرفي.

 وأوضح أن هذا التحول يفرض أدوارا جديدة على المعلم، ترتبط بملامح جديدة تتجاوز التلقين، ليصبح المعلم مصمما لعمليات التعلم، لا يقتصر دوره على تقديم محتوى الكتاب المدرسي، بل يعمل على بناء خبرات تعليمية تفاعلية تراعي الفروق الفردية بين الطلبة بمستوياتهم المختلفة، بما في ذلك الطلبة ذوو التحصيل المتدني أو المتوسط أو الموهوبون، إلى جانب الالتزام بمبادئ التعليم الدامج لذوي الإعاقة.
 وأضاف أن المعلم في هذا الإطار يؤدي أيضا دورا قياديا داخل الصف والمدرسة، بوصفه قائدا تربويا يسهم في صناعة القرار التربوي، ويشارك بفاعلية في فرق تطوير المدرسة وفي العمليات التطويرية على مستوى وزارة التربية والتعليم، الأمر الذي يتطلب امتلاكه مهارات قيادية متقدمة.
وأشار إلى أن من أدوار المعلم كذلك أن يكون باحثا ومطورا مهنيا، يوظف البحث الإجرائي والتأمل الذاتي لتحسين ممارساته، إلى جانب دوره كميسر لعمليات التعلم الرقمي، وهو ما يستدعي امتلاكه كفايات تكنولوجية متقدمة، ليس فقط في الاستخدام، بل في توظيف وإنتاج المحتوى الرقمي، بما يعزز من فاعلية العملية التعليمية.
ولفت إلى أن المعلم أصبح شريكا فاعلا في المجتمع، بما يتطلب تعزيز تواصله مع الطلبة وأولياء الأمور، ودعمهم تربويا، بما يعكس أدوارا جديدة تتجاوز حدود الغرفة الصفية.
وبين أن هذا التعريف سيقود إلى رفع سقف التوقعات من المهنة، عبر اعتماد معايير أكثر صرامة للقبول في كليات التربية، واشتراط برامج تأهيل متخصصة مثل الدبلوم المهني لإعداد المعلمين، إلى جانب تطبيق نظام الترخيص المهني المرتبط بكفايات محددة، وليس فقط بالمؤهل الأكاديمي، فضلا عن اعتماد نظام رتب مهنية قائم على التطوير المستمر الإلزامي.
وأوضح أن تقييم المعلم في هذا السياق سيصبح متعدد المصادر، يشمل الإدارة والطلبة والتقييم الذاتي، وهو ما سينعكس على تطوير برامج إعداد المعلمين لتكون أكثر تركيزا على الجانب التطبيقي، من خلال تعزيز الشراكات بين الجامعات والمدارس.
وأكد أن التعريف الجديد كما ورد في مشروع القانون، سينعكس إيجابا على جودة مخرجات التعليم، عبر الانتقال من نمط التلقين إلى التعلم النشط، وتعزيز مهارات التفكير العليا لدى الطلبة، مثل التفكير النقدي والإبداعي وحل المشكلات، بما يسهم في رفع دافعية الطلبة وخلق بيئات صفية جاذبة.

المصدر : صحيفة الغد – الاء مظهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى