
رقمنة
- الأستاذ الدكتور فراس الهناندة
في خضم الإشادة التي حصدها سؤال “ماذا لو صمت العالم؟”، في المقال السابق، يبرز سؤال أكثر عمقًا وخطورة: ماذا لو عاد الإنترنت بعد انقطاعه… لكننا لم نُغيّر شيئًا في طريقة اعتمادنا عليه؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في لحظة الانقطاع، بل في ما بعدها. فالأزمات لا تُقاس بحجم الصدمة فقط، بل بقدرتنا على تحويلها إلى نقطة تحول معرفية وعملية. وهنا تحديدًا، يظهر الفرق بين المجتمعات التي تستهلك التكنولوجيا، وتلك التي تعيد تعريفها.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن أكثر من 92% من البيانات العالمية تمر عبر كابلات بحرية تمتد لمسافة تزيد عن 1.3 مليون كيلومتر حول العالم، وهي بنية تحتية شديدة الحساسية، يمكن أن تتأثر بعوامل طبيعية أو بشرية في أي لحظة. كما تشير تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن متوسط زمن التعافي من الأعطال الكبرى في الشبكات قد يصل إلى 72 ساعة في بعض الحالات، وهي فترة كفيلة بإحداث شلل اقتصادي واسع، خصوصًا في الدول التي تعتمد بشكل شبه كامل على الخدمات الرقمية.
لكن الأخطر من ذلك، أن 68% من المؤسسات حول العالم لا تمتلك خطط “تشغيل دون اتصال” (Offline Operation Protocols)، وفقًا لتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، ما يعني أن الغالبية العظمى من الأنظمة الحديثة مصممة على افتراض دائم بوجود الإنترنت، وهو افتراض لم يعد آمنًا.
من هنا، لا بد من الانتقال من التفكير في “الاستجابة للأزمة” إلى “تصميم أنظمة لا تنهار أصلًا”. وهذا يقودنا إلى طرح نموذج علمي تطبيقي جديد يمكن تسميته بـ”الاستقلال التشغيلي
الذكي” (Smart Operational Independence)، وهو نموذج يقوم على ثلاث ركائز متكاملة، لم تُطبق بعد بشكل شامل في أي دولة، لكنها قابلة للتنفيذ الواقعي:
أولًا: البنية الرقمية المزدوجة (Dual-Layer Digital Infrastructure)
يقوم هذا المفهوم على إنشاء طبقتين متوازيتين من الأنظمة:
الأولى متصلة بالإنترنت (Online Systems)، والثانية تعمل بشكل مستقل تمامًا (Offline Shadow Systems)، يتم تحديثها دوريًا كل 6–12 ساعة.
فعلى سبيل المثال، يمكن للمصارف في الأردن تشغيل “نسخة محلية” من قواعد البيانات تُمكّنها من تنفيذ العمليات الأساسية (السحب، الإيداع، التحويل الداخلي) دون الحاجة إلى الاتصال الفوري بالشبكة العالمية، مما يقلل الخسائر المحتملة بنسبة قد تصل إلى 60% خلال أول 48 ساعة من الانقطاع.
ثانيًا: الشبكات المجتمعية اللامركزية (Decentralized Community Networks)
بدلًا من الاعتماد الكامل على مزودي الخدمة المركزيين، يمكن إنشاء شبكات محلية تعتمد على تقنيات “Mesh Networking”، بحيث ترتبط الأجهزة ببعضها مباشرة ضمن نطاق جغرافي محدد (مثل الجامعات أو المدن).
وفي هذا السياق، يمكن لجامعة عجلون الوطنية أن تكون نموذجًا رائدًا عبر إنشاء “حرم ذكي مستقل”، يستطيع الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية من خلاله الوصول إلى المحتوى التعليمي، وإرسال الواجبات، والتواصل الأكاديمي، حتى في حال انقطاع الإنترنت العالمي.
وقد أظهرت تجارب أولية في بعض الجامعات الأوروبية أن هذه الشبكات قادرة على توفير ما يصل إلى 40% من الخدمات الرقمية الأساسية محليًا دون الحاجة للاتصال الخارجي.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي غير المتصل (Offline AI Systems)
في ظل التطور الكبير في نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن تشغيل نماذج محلية (On-device AI) قادرة على تحليل البيانات، وتقديم التوصيات، وحتى دعم اتخاذ القرار، دون الحاجة للاتصال بالسحابة.
وهذا يفتح الباب أمام استخدامات تطبيقية في المستشفيات الأردنية، مثل تشخيص الحالات الطارئة، أو في القطاعات الأمنية لتحليل البيانات الميدانية، أو حتى في التعليم لتقديم دعم تعليمي ذكي للطلبة دون اتصال.
وتشير دراسات حديثة إلى أن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية يمكن أن يقلل الاعتماد على السحابة بنسبة تصل إلى 55% في بعض القطاعات الحيوية.
أما على مستوى التعليم، فإن التحول الحقيقي لا يكمن فقط في “العودة إلى القاعات”، بل في إعادة تعريف العملية التعليمية ذاتها. فالتعليم الذي يصمد هو التعليم الذي يُدرّس الطالب كيف يفكر، لا كيف يبحث فقط. وهنا، تصبح الجامعات مطالبة بتبني ما يمكن تسميته بـ”منهاج الصمود المعرفي”، الذي يدمج بين التعلم الرقمي والتعلم الذاتي والتفاعل المباشر، ويُدرّب الطلبة على العمل في بيئات غير مستقرة.
وفي الأردن، حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من 70% من الطلبة يعتمدون على الهواتف الذكية كمصدر رئيسي للتعلم، فإن بناء محتوى تعليمي “قابل للعمل دون اتصال” (Offline-Ready Content) لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية.
إن ما نطرحه اليوم ليس خيالًا علميًا، بل رؤية قابلة للتطبيق، تتطلب إرادة مؤسسية، واستثمارًا ذكيًا، وتعاونًا بين القطاعين العام والخاص. فالتكلفة المتوقعة لبناء أنظمة مرنة قد تبدو مرتفعة في البداية، لكنها تظل أقل بكثير من تكلفة الانهيار الكامل في حال حدوث انقطاع واسع.
وفي سياق القيادة، فإن القائد الحقيقي في العصر الرقمي ليس من يقود نحو المزيد من الاتصال فقط، بل من يضمن استمرارية العمل في حال انقطاعه. وهنا تتجلى القيادة الاستشرافية التي لا تنتظر الأزمة، بل تُعيد تصميم الواقع قبل أن تفرضه الأزمات.
ختامًا، إن السؤال لم يعد: ماذا لو انقطع الإنترنت؟
بل أصبح: ماذا سنفعل حين يعود؟
هل سنعود إلى نفس الهشاشة، أم سنبني منظومات أكثر وعيًا وصلابة؟
إن المستقبل لن يكون للأسرع اتصالًا، بل للأكثر استعدادًا للانفصال.
وعندما نُحسن تصميم عالمٍ يعمل في الحالتين، نكون قد انتقلنا من الاعتماد على التكنولوجيا…إلى السيادة عليها .
- رئيس جامعة عجلون الوطنية، ومدير مركز الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في اتحاد الجامعات العربية




