
رقمنة
*ابراهيم الهندي
أثناء جلوسي أيام العيد ومتابعتي للنشاط اليومي لأبنائي، وجدت الحاحا وطلبا كبيرا من قبلهم لاستخدام أجهزة الموبايل والأيباد، خاصة أنهم يطلبون مني التوسط لهم لدى زوجتي لقبول اعطائهم الأجهزة أو إطالة مدة الاستخدام.
ببساطة والمعلومة المهمة أننا منذ وقت لا بأس له قمنا وأمهم بتحديد أوقات للاستخدام خلال الأسبوع، ومدد معينة، وطبعا أنا ما كنت صاحب القرار، ولكن زوجتي كانت تملك الإدارة الكاملة للموضوع.
الشاشات باختصار باتت بوابةً لا غنى عنها للتعلم والتواصل والترفيه وأعتقد أننا جميعا كآباء نجد أنفسنا أمام تحدٍّ حقيقي، حول إمكانية وضع قوانين تنظم سير العمل – قصدي سير العمل في المنزل – أو اعتبار هذه الأدوات فرصة حقيقية للاستفادة من الكبيرة المتاحة من خلال الأدوات أو المنع، أو الاستسلام والتسليم وفتح الأمور على الغارب.
في دراسة سابقة اطلعت على نتائجها المنشورة في صحيفة المملكة الإلكترونية، تشير إلى أن “90% من الأردنيين يؤيدون سنّ تشـريع يقيّد وصول الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي”
وقد أظهرت الدراسة التي أجرتها مؤسسة “Analyseize” للدراسات والأبحاث والتي كان حجم العينة المستجيبة هي (1471) مستجيبا، عن وجود قلق واسع بين الأردنيين حيال استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توافق مجتمعي واضح على ضرورة فرض ضوابط قانونية وإجراءات وقائية لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي.
وعلى صعيد آخر، ومنطقة جغرافية أخرى كما كشفت استطلاعات مركز بيو للابحاث (2022-2024) أن الغالبية العظمى من الأطفال من هم دون السادسة عشرة من الأمريكيين (97%) يستخدمون الإنترنت يومياً، ويعتمد حوالي الثلث منهم على منصات التواصل (خاصة TikTok، YouTube، و Instagram) بشكل “شبه دائم”.
وفي مراجعة علمية شملت أكثر من 150 دراسة دولية أن الاستخدام المفرط للوسائط الرقمية لدى الأطفال والمراهقين يرتبط بزيادة مخاطر المشكلات النفسية والسلوكية وضعف الأداء الدراسي، إلى جانب ارتفاع احتمالية الاكتئاب وتعاطي المواد وإيذاء النفس، وفق دراسة نُشرت في JAMA Pediatrics .
طب و”الزبدة”، هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية، لنحمي أبناءناهل الحل في الحجب والمنع؟ أم في الفهم والتوجيه؟
قبل أي شيء دعونا نسأل أنفسنا السؤال التالي، لماذا يُقبل أبناؤنا على وسائل التواصل الاجتماعي؟
من خلال تواصلي المباشر مع العديد من الآباء والمعلمين والعاملين مع الشباب، توزعت الإجابات بين أن الأطفال واليافعين يحبون التواصل مع الأصدقاء والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، ولديهم رغبة باستكشاف هويتهم وإبداعهم عبر الموسيقى والفن والكتابة والتعلم التعاوني والاطلاع على الأحداث العالمية.
أما البعض فيعتبرونها فرصة لاكتساب هوايات جديدة وتوسيع آفاقهم المعرفية، وآخرين يرغبون بالتخفيف من مشاعر العزلة والانتماء إلى مجتمعات ذات اهتمامات مشتركة.
وفهمهذه الدوافع هو نقطة البداية الصحيح لكي نعرف من أين نبدأ، وتحديداً قبل ذلك يجب أن نعرف إلى أين نريد أن نصل فعلياً، فنحن الآنعلى الرغم من الفرص التي تتيحها هذه المنصات، فإنها تنطوي على مخاطر حقيقية تستوجب اليقظة الأبوية لنحافظ على أبنائنا.
المنع قد ينفع، ودوري كأب أو أم مهم في هذه المرحلة:
قبل أي شيء دور الأم والأب مهم أثناء كل المراحل، وأنا ممن أتبنى رأي أن المنع لن يفيد، وسن القوانين لن يفي، حتى لو اشترطت منصات التواصل الاجتماعي سنا معينا للاشتراك فيها، حيث يُقيّد قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت (COPPA) استخدام المنصات لمن هم دون سن معينة إلا أن الواقع يُشير إلى أن كثيرًا من الأطفال يصلون إلى هذه المنصات قبل السن القانوني
ولهذا، لا يكفي الاعتماد على القيود القانونية وحدها، أو المنع من قبل الآباء لحل المشكلة وأزعم أن الحل الرئيسي والأساسي هو بناء الثقافة والوعي قبل أي شيء، فالأمر يستوجب من الوالدين تقدير مستوى نضج أبنائهم وثقافتهم الرقمية، والانخراط في حوار مبكر ومستمر حول طبيعة هذه المنصات وما تنطوي عليه من فرص ومخاطر.
كيف يمكن أن نبني ثقافة ووعي بشكل فاعل مع أبنائنا؟
أولاً: إن الحوار المفتوح والقدوة الحسنة قبل أي شيء، فالأبناء يجب أن يروا في والديهم قدوةً رقمية واعية قبل أن يسمعوا منهم نصيحةً أو توجيهًا، فالوالدان اللذان لا يستطيعان إبعاد هاتفيهما خلال وقت العائلة، لن يكون لحديثهما عن الانضباط الرقمي وقعٌ يُذكر.
كذلك يجب إجراء محادثات مفتوحة مع الأبناء حول ما يشاهدونه وما يُقلقهم، مع إبداء اهتمام حقيقي وليس رقابة فحسب.
ثانياً: يسعى الآباء إلى وضع قواعد واضحة وعادلة ومتفقٍ عليها، بل وأن توثيقها في صيغة “عقد” موقّع بين الوالدين والأبناء – يُعزز الثقة المتبادلة ويُشعر الأبناء بالمسؤولية.
ومن أبرز هذه القواعد:
- تخصيص أوقات محددة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الأماكن المشتركة بالمنزل.
- عدم مشاركة المعلومات الشخصية كأرقام الهواتف والعناوين.
- الاقتصار في التواصل على الأشخاص المعروفين في الحياة الواقعية.
- استئذان الآخرين قبل نشر صورهم أو وضع علامات عليهم.
- الامتناع عن نشر أي محتوى لا يليق أن يراه الأجداد أو المسؤولون مستقبلًا.
- تغيير كلمات المرور بانتظام والتحلي بالاحترام في التعاملات الإلكترونية.
ثالثاً: إعدادات الخصوصية وأدوات الرقابة الأسرية
تُوفّر معظم المنصات الكبرى إعدادات خصوصية متقدمة يجب على الوالدين الإلمام بها:
- Instagram: جعل الحساب خاصًا، وإخفاء التعليقات المسيئة، والتحكم في من يمكنه الإشارة إلى المستخدم.
- Facebook: ضبط إعدادات من يرى المنشورات ومن يمكنه إرسال طلبات الصداقة.
- تعطيل إعدادات GPS ومنع الوصول إلى الموقع الجغرافي على جميع التطبيقات.
- استخدام تطبيقات الرقابة الأسرية مثل Google Family Link وQustodio لتحديد وقت الاستخدام ومراقبة المحتوى.
رابعاً: الموازنة بين المراقبة والاستقلالية
من المفارقات الجوهرية في هذا الموضوع أن الإفراط في المراقبة قد يُفضي إلى نتائج عكسية؛ إذ يعرف كثير من الأبناء كيف يتحايلون على أدوات الرقابة وإنشاء حسابات موازية مجهولة ، لذا فإن بناء الثقة والمشاركة الفعلية في اهتمامات الأبناء الرقمية أجدى في الغالب من الإغراق في المراقبة.
خامسًا: تثقيف الأبناء للوقاية الذاتية الهدف الأسمى من كل هذه الجهود هو تنشئة أبناء قادرين على حماية أنفسهم رقميًا حتى حين لا تكون الرقابة الأبوية حاضرة. ويتحقق ذلك من خلال:
- تعليمهم التمييز بين الحسابات الحقيقية والمزيفة، وكيفية التعرف على المحتالين.
- تعريفهم بمفهوم التنمر الإلكتروني وآثاره، وكيفية التصرف إذا تعرضوا له أو شهدوه.
- شرح أن كل ما يُنشر على الإنترنت يبقى رقميًا حتى بعد حذفه.
- تثقيفهم حول قيمة الوقت الحقيقي بعيدًا عن الشاشات، وأهمية العلاقات الاجتماعية الواقعية.
- مناقشة الصحة النفسية وظاهرة المقارنة الاجتماعية التي تُغذيها وسائل التواصل.
إن حماية أبنائنا من التلوث الرقمي ليست مهمة تُنجز مرةً واحدة، بل هي مسيرة متواصلة من الحوار والتعلم المشترك والمتابعة اليقظة، فالأبناء الذين يجدون في والديهم شركاء حقيقيين وليس رقباء فحسب، هم الأقدر على الإفصاح عما يواجهونه والأكثر ميلًا إلى الالتزام بالحدود المتفق عليها.
والقاعدة الذهبية لا تحاربوا التقنية، بل علّموا أبناءكم كيف يُحسنون استخدامها. فمستقبلهم سيبنى عليها، وواجبنا اليوم هو تزويدهم بالبوصلة الأخلاقية والعقلية التي تُرشدهم في هذا الفضاء الرحب.
مستشار الإعلام الرقمي وبناء الهوية الرقمية




