مقالات

الخبير في مجال التقنية وصفي الصفدي يكتب لـ ” رقمنة” : ” الصندوق الاردني للريادة يصنع منظومة استثمارية متكاملة

رقمنة 

*وصفي الصفدي 

حين يمنح البنك الدولي مشروعاً تقييم «مُرضٍ للغاية» – وهي أعلى درجاته – فهذا ليس مجاملة بروتوكولية. المؤسسة تُقيّم آلاف المشاريع سنوياً في أكثر من مئة دولة، وتصل إلى هذا المستوى نادراً. والأهم من التقييم ذاته أن بيانات المشروع تكشف أن كل دولار عام استثمره الصندوق الأردني للريادة استقطب دولارَين إلى ثلاثة دولارات خاصة – نسبة تُثبت أن النموذج نجح، لا أن المشروع أُنجز فحسب.

الصندوق الأردني للريادة (ISSF) أتمّ رحلته الأولى بعد ثماني سنوات، صدر عنها في مارس 2026 تقرير إنجاز التنفيذ والنتائج عن البنك الدولي. ما يستحق التوقف عنده ليس فقط الأرقام، بل التحول البنيوي الذي أحدثه الصندوق في سوق كان قبل عقد يكاد يخلو من رأس المال المخاطر المنظّم.

لماذا أُنشئ الصندوق؟

عام 2017، كانت منظومة رأس المال المخاطر في الأردن على الهامش: صناديق محلية قليلة، وغياب شبه تام للمستثمرين المؤسسيين، وصناديق إقليمية تُفضّل أسواق الخليج. كان رائد الأعمال الأردني يجد بعض التمويل الأولي في برامج الدعم، ثم يقع في فراغ حين يحتاج رأس المال الحقيقي للنمو – ما تُسميه أدبيات الريادة بـ«وادي الموت».

أُنشئ الصندوق لملء هذا الفراغ. انطلق برأسمال 98 مليون دولار: 50 مليوناً من البنك الدولي عبر وزارة التخطيط والتعاون الدولي، و48 مليوناً من البنك المركزي الأردني. اشتغل وفق نموذج «صندوق الصناديق»، أي أنه ضخّ رأس المال في صناديق رأسمال مخاطر متخصصة تلتزم بتخصيص حصة للشركات الأردنية، واستكمل ذلك باستثمارات مباشرة مختارة، وبرنامج لدعم الحاضنات والمسرعات وتدريب رواد الأعمال على الجاهزية الاستثمارية.

الهدف الجوهري لم يكن تمويل شركات بعينها، بل إعادة تصميم السوق نفسه. وبعد ثماني سنوات، يبدو أن ذلك تحقق.

 

ماذا تقول الأرقام؟

تقرير البنك الدولي لا يكتفي بالقول إن الصندوق نجح، بل يُوثّق حجم التجاوز لكل هدف رُسم في البداية.

في تحفيز الاستثمار، جذب الصندوق 109 ملايين دولار من رأس المال الخاص مقابل هدف 71.5 مليون، بزيادة 52%. وبلغ حجم الاستثمار في الشركات الناشئة في مراحلها التأسيسية والمبكرة 55.7 مليون دولار مقابل هدف 14.5 مليون فقط، أي بزيادة 284%. هذان الرقمان وحدهما كافيان للإجابة عن سؤال ما إذا كان السوق يريد هذا النوع من التدخل.

على صعيد دعم المنظومة، شارك 22 صندوق رأس مال مخاطر مقارنة بهدف 10 صناديق، وتم تمويل 160 شركة ناشئة، واستفاد 317 رائد أعمال من برامج التسريع مقابل هدف 150. وبلغت نسبة رضا المستفيدين 93% مقارنة بهدف 75%.

أما الأثر الاقتصادي، فقد وفّر الصندوق أكثر من 2,600 وظيفة مباشرة بمتوسط دخل شهري يقارب 3,000 دولار، وهو أكثر من ضعف المتوسط الوطني. وتراوحت الوظائف غير المباشرة بين 5,500 و10,000 وفق مضاعفات قطاع التقنية المعتمدة دولياً. 43% من الشركات الممولة تقودها شخصيات شابة، و26% تقودها نساء، كلاهما تجاوز الأهداف المرسومة.

الأرقام الأكثر إفصاحاً تأتي من داخل المحفظة: نسبة الاستثمارات المشطوبة بلغت 24% مقابل افتراض أولي بـ50%، ومعدل العائد الداخلي المتوقع لمحفظة الصناديق وصل إلى 14.1% بمتوسط مضاعف رأسمال مستثمر يبلغ 3.0 أضعاف. ما يقوله هذا مجتمعاً: الصندوق لم يُحقق أهدافه فحسب، بل أدار المخاطر بكفاءة أعلى مما كان متوقعاً.

الأردن سوقاً استثمارياً – ما الذي تغيّر؟

الأردن دولة صغيرة في جوار غير هادئ: حدود مشتركة مع سوريا والعراق وفلسطين والسعودية، وعبء متراكم من موجات النزوح، وضغوط مالية مزمنة. ومع ذلك، حافظ على استقرار سياسي لافت وقطاع مالي متماسك وإطار مؤسسي يحترمه المستثمرون حتى في الأوقات الصعبة.

المشكلة لم تكن في الأردن نفسه، بل في الصورة الذهنية عنه. الصناديق الإقليمية كانت تتجنبه لصالح أسواق أكبر في الخليج، والمستثمرون الدوليون يرون فيه مخاطر دخول مرتفعة. الصندوق غيّر هذه المعادلة.

من بين الـ22 صندوق رأسمال مخاطر الذي انضم إلى المحفظة، لم تكن كثير منها تُدرج الأردن ضمن أسواقها أصلاً. بحلول إغلاق المشروع، أسّس بعضها وجوداً محلياً وأضفى الطابع الرسمي على ولايات استثمارية أردنية. الصندوق أقنع المستثمرين بأن الأردن يستحق التجربة، ثم أثبتت التجربة أنه كان محقاً.

حين تدخل صناديق دولية سوقاً جديداً، لا تجلب المال وحده. تجلب معها معايير حوكمة وشبكات إقليمية ومصداقية تُعيد رسم صورة البلد في ذهن المستثمر القادم. هذا ما فعله الصندوق للأردن.

هذا التحول لم يحدث في فراغ. جلالة الملك عبدالله الثاني جعل تحديث الاقتصاد وتطوير القطاع الخاص وتوظيف طاقات الشباب من أولويات المرحلة، وهو توجه منطقي في دولة تمتلك أحد أشبّ الشعوب وأكثرها تعليماً في المنطقة. وأضاف سمو ولي العهد الأمير الحسين حضوراً مباشراً في ملف التقنية والابتكار. عمل الصندوق في ظل منظومة سياسية متماسكة تشمل رؤية التحديث الاقتصادي وسياسة ريادة الأعمال 2021-2025 واستراتيجية الذكاء الاصطناعي 2023-2027، وهو توافق وثّقه البنك الدولي ومنحه تقييم «عالٍ» على محور الملاءمة الاستراتيجية.

ما الذي موّله الصندوق فعلاً؟

160 شركة ناشئة في ثماني سنوات توزعت على قطاعات تعكس خريطة الاقتصاد الرقمي الأردني: التقنية الصحية 15%، التجارة الإلكترونية 13%، خدمات البرمجيات 12%، تقنية التعليم 11%، تقنية النقل 11%. التقنية الخضراء أخذت 8% من المحفظة، وهي نسبة تبدو متواضعة، لكنها تُقارَن بـ2% فقط من إجمالي رأس المال المخاطر الإقليمي في هذا القطاع عام 2024.

جائحة كوفيد-19 اختبرت المحفظة مبكراً وأثّرت في البداية على ربع الشركات تقريباً، لكن بحلول 2021 كانت الغالبية قد تكيّفت بل استفادت من التحول الرقمي الذي فرضته الجائحة، خاصة الشركات المبنية على نماذج رقمية. معدل الشطب النهائي 24% فقط، أقل من نصف ما توقعه المصممون.

أين وصل السوق اليوم؟

المنظومة الأردنية لرأس المال المخاطر عام 2025 لا تشبه تلك التي كانت قائمة حين صُمِّم الصندوق. آنذاك: صناديق قليلة وبنية دعم رقيقة وصفقات شحيحة. اليوم: 22 صندوقاً نشطاً، ومنصة رقمية تضم 485 شركة مسجلة و18 منظمة دعم و58 مزود خدمة، مع 24,000 مستخدم نشط في يناير 2025 وحده.

الطلب أيضاً ارتفع. 21% من البالغين في الأردن منخرطون في بدء أعمال أو إدارتها وفق تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال 2024/2025، ارتفاعاً من 16% عام 2023. والطلب التمويلي المتوقع للشركات الناشئة بين 2025 و2030 يتراوح بين 234 و885 مليون دولار. هذه أرقام تقول إن الصندوق الأول فتح الباب، والسوق يريد المزيد.

الموافقة على الصندوق الثاني (ISSF 2.0) في أبريل 2025 بـ50 مليون دولار جديدة هي الترجمة العملية لهذا التقييم الإيجابي: الأول أثبت النموذج، والثاني يوسّعه.

ما الذي لم يُنجز بعد؟

تقرير البنك الدولي لا يرسم صورة مثالية. ثمة ثغرات حقيقية.

الإطار القانوني ناقص في نقاط جوهرية. آليات التخارج محدودة، ومشاركة صناديق التقاعد وشركات التأمين مقيّدة، وحماية حقوق المستثمرين تقصر عن مستوى الأسواق الأكثر نضجاً. دون إصلاح في هذه الجوانب، سيظل رأس المال المستقطب حبيس الدورة الأولى، عاجزاً عن إعادة التدوير نحو استثمارات جديدة.

منافسة دول الخليج تتصاعد كذلك. الخليج يضخ رأسمالاً سيادياً ضخماً لبناء منظومات ابتكار، ويقدم حوافز وأسواقاً أكبر. بعض الشركات الأردنية الناشئة نقلت مقارها إلى المنطقة مع الاحتفاظ بعملياتها في عمّان. الرد المنطقي للأردن ليس في تقليد الخليج، بل في تعميق ما يتفوق فيه فعلاً: كثافة الكفاءات وتكاليف تشغيل منطقية وإطار مؤسسي موثوق.

أما المستثمرون المؤسسيون المحليون فشبه غائبين. صناديق التقاعد وشركات التأمين الأردنية تُمسك بأصول كبيرة، لكنها تكاد تغيب عن فئة الأسهم الخاصة ورأس المال المخاطر. جزء من المشكلة تنظيمي، وجزء ثقافي، وجزء يتعلق بغياب السجلات التاريخية الكافية. الصندوق الأول بدأ في بناء هذه السجلات، والثاني يحتاج أن تُستثمر.

ما المطلوب من كل طرف؟

من الحكومة: إصلاح قانوني فعلي لآليات التخارج وحقوق المستثمرين بنصوص تشريعية واضحة، وفتح الباب أمام صناديق التقاعد وشركات التأمين للاستثمار في رأس المال المخاطر بإطار تنظيمي محدد، مع الحفاظ على تناسق السياسات من حوافز ضريبية وأُطر إقامة للمواهب والمستثمرين.

من المستثمرين الإقليميين والدوليين: الأردن أنجز مرحلة الإثبات، وملف المخاطر تحسّن، والبيانات موجودة. إطلاق الصندوق الثاني فرصة هيكلية للدخول على أساس سجل موثّق لا مجازفة في سوق مجهول. القطاعات التي أثبتت الشركات الأردنية كفاءة فيها، من التقنية الصحية واللوجستيات والتقنية المالية والخضراء، مؤهلة للشراكات التجارية والاستثمار المشترك.

من رواد الأعمال: البنية التحتية متاحة الآن من حاضنات ومسرعات وصناديق وبرامج تدريب. 93% من مستفيدي الصندوق أبدوا رضاهم عن الخدمات المقدمة. السؤال التالي: كم شركة منهم جاهزة للمرحلة الأكبر؟

خلاصة

ثماني سنوات من عمل الصندوق تُثبت شيئاً واحداً بوضوح: دولة صغيرة بموارد محدودة وجوار صعب، قادرة على بناء سوق رأسمال مخاطر فاعل إذا صمّمت التدخل بعناية ونفّذته بانضباط وحاكمته بشفافية.

عشرات البرامج الحكومية المماثلة في العالم النامي فشلت لأنها ضخّت أموالاً دون أن تبني سوقاً. الصندوق الأردني للريادة فعل العكس: بنى السوق أولاً، وجعل الأموال تتبعه. تقييم البنك الدولي هو الاعتراف الرسمي. أما الـ160 شركة والـ2,600 وظيفة والـ22 صندوقاً نشطاً فهم الدليل الحقيقي.

للمستثمرين: الأردن أنجز ما كان مطلوباً منه في مرحلة الإثبات. الفرصة لم تعد «واعدة» – هي حاضرة وموثّقة. لصانعي السياسات: الصندوق بنى الأساس، والمهمة الآن صون ما تحقق وإكمال الإصلاحات المؤجّلة وضمان أن ينطلق الصندوق الثاني من نفس الانضباط الذي أنجح الأول. وللمؤسسين الذين يعملون اليوم في عمّان: البنية موجودة، ورأس المال يأتي. ما يتبقى هو العمل.

*خبير في مجال التقنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى