
رقمنة
يعيد المشهد العالمي الراهن، المتمثل في الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، طرح أحد أكثر الأسئلة الاقتصادية إثارةً للجدل والحساسية وهو: هل يمكن للحرب أن تكون قوة دفع للاقتصاد أم إن المكاسب التي تولّدها مجرد وهم قصير الأجل؟
وتحمل الإجابة عن هذا السؤال وجهتي نظر متناقضتين، كل منهما مدعومة بوقائع وأرقام ملموسة، فمن جهة، تكشف قراءات واقعية تستند إلى أرقام أن “اقتصاد الحرب” يسهم في انتعاش الميزانيات الدفاعية وتدفق المليارات نحو قطاعات التصنيع والابتكار العسكري، مما يخلق سيولة ضخمة وفرص عمل جديدة في صناعات استراتيجية.
أما على الضفة المقابلة، فيحذر بعض خبراء الاقتصاد من أن هذه الطفرة غالباً ما تكون “وهم قصير الأجل”، فالحروب في جوهرها عملية استنزاف للموارد وتعطيل لسلاسل الإمداد العالمية، وكلفتها الحقيقية تظهر في موجات التضخم العاتية وارتفاع أسعار الطاقة التي تخنق القطاعات المدنية.
قوة دفع اقتصادية
وبحسب تقرير أعدته صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن السؤال عن إمكانية أن تكون الحرب مفيدة للاقتصاد قد يبدو قاسياً، إذ إنّ الحرب بطبيعتها مأساة وتُدمر سُبل العيش، ولكنها تحمل جوانب اقتصادية إيجابية أيضاً، فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، خرجت من الحربين العالميتين أكثر ثراءً، وهي دخلت الحرب الثانية وسط الكساد الكبير، وخرجت منها كقوة عظمى.
وتُظهر الأرقام، أن البطالة في الولايات المتحدة انخفضت من 14.6% عام 1940 إلى 1.2% عام 1944. وبحلول عام 1945، أنتجت الولايات المتحدة ما يعادل تقريباً نصف الإنتاج الاقتصادي العالمي بأسره، مما يوضح حجم قوتها الاقتصادية بعد الحرب.
الإنفاق الدفاعي الضخم
وحالياً، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إقرار ميزانية دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار، أي ما يعادل قرابة 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يقارب ذروة الإنفاق العسكري الهائل الذي سجله الرئيس ريغان خلال الحرب الباردة في عام 1985.
كما أنه من المتوقع أن يؤدي إعادة تجهيز الترسانات الأميركية بعد الحرب على إيران، إلى إبقاء المصانع في مختلف أنحاء البلاد نشطة لسنوات، مما سيخلق فرص عمل ضخمة وتعزيز الصناعات الدفاعية الحيوية.
أما كوريا الجنوبية، التي تعيش تحت وطأة تهديد دائم بالحرب، فقد نجحت في بناء قطاع مزدهر لتصدير الأسلحة، يشكّل محركاً ثانياً للنمو إلى جانب صادراتها الضخمة من الرقائق الإلكترونية.
وفي الوقت نفسه، سجلت إسرائيل مؤخراً مستويات قياسية من الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، مدفوعة جزئياً بالإنفاق العسكري المتزايد، مما يعكس الدور المتنامي للحرب كعامل محفّز للنمو الاقتصادي في بعض الدول.
في غضون ذلك، تعمل أحواض بناء السفن الصينية على تطوير أكبر أسطول بحري في العالم، بالتوازي مع إنتاج السفن التجارية.
ويؤدي أسطول الصين البحري الضخم وقطاعها اللوجستي المتطور دوراً مزدوجاً، إذ يدعمان قدرة جيش الصين الشعبي على التعبئة، ويسهّلان نقل الإنتاج الصناعي المحلي إلى الأسواق العالمية. وبالنسبة للاقتصاد الصيني، ويشكّل هذا التكامل بين القوة العسكرية والقدرة التجارية رافعة استراتيجية تعزز مكانته على الساحة الدولية.
وبحسب “وول ستريت جورنال”، فإن روسيا تُنفق اليوم أكثر من 7% من ناتجها المحلي الإجمالي الرسمي على جيشها، مُتجنبة بذلك الانهيار الاقتصادي تحت ضغط العقوبات وكلف الحرب، وفقاً للمُحللين. ولكن موسكو ليست وحدها في هذا التوجّه، فمن أوتاوا مروراً باليابان إلى أوروبا، تتدفق الأموال إلى معدات الحرب والأمن بمستويات لم يشهدها العالم منذ عقود.
أوروبا وزيادة الإنفاق الدفاعي
وفي أوروبا، التي قلّصت على مدى عقود الإنفاق الدفاعي مفضلةً توجيه الموارد نحو برامج الرعاية الاجتماعية السخية والمشاريع العامة الضخمة، عاشت بعض الدول فترة ازدهار نسبي بعد الحرب الباردة، ولكن النمو الاقتصادي تباطأ هناك بشكل حاد مع انخفاض الإنفاق العسكري، من 2 و3% من الناتج المحلي الإجمالي في الثمانينات والتسعينات إلى قرابة 1% في السنوات الأخيرة.
ومؤخراً، تعهدت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بزيادة الإنفاق على التسلح والأمن ليصل إلى قرابة 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما سيستلزم تخفيضات مؤلمة في قطاعات أخرى مثل الرعاية الصحية العامة، والرعاية الاجتماعية، والثقافة.
ومع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين جانباً إيجابياً في التغيير الحاصل، فمع ركود الاقتصاد الأوروبي والضغوط الهائلة التي تتعرض لها صناعة السيارات من المنافسة الصينية، يمكن للإنتاج العسكري في أوروبا أن يوفر وظائف لعمال السيارات المسرحين، ويستقطب مهندسين كان من الممكن أن يعملوا في تصميم المركبات، ليصبح القطاع الدفاعي رافعة للنشاط الاقتصادي وسط تحديات تواجه الاقتصاد غير الدفاعي.
وغالباً ما تؤدي الأبحاث العسكرية إلى ابتكارات تدعم القطاعات المدنية، بدءاً من إنتاج الصلب على نطاق صناعي واسع، مروراً بإنتاج المزيد من أجهزة الحاسوب، وصولاً إلى الجراحة الترميمية. واليوم، تُسهم عقود الدفاع في تمويل تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والطائرات المسيّرة، التي تمتلك إمكانات هائلة لتغيير وإثراء مختلف قطاعات الاقتصاد المدني.
وجهة نظر بديلة
ومن وجهة نظر مقابلة، يرى العديد من الخبراء أنه إذا كان للتاريخ درسٌ واضحٌ حول الأثر الاقتصادي للإنفاق العسكري، فهو عدم القدرة على التنبؤ، فصحيح أن الولايات المتحدة شهدت ازدهاراً اقتصادياً في ستينات القرن الماضي، ولكن سرعان ما لقّنها الركود التضخمي درساً في مخاطر شن حرب في فيتنام. في حين بدا الاتحاد السوفيتي قوياً حتى ثبت أن إنفاقه المفرط على الأسلحة غير فعال.
وهناك دروس مماثلة عبر التاريخ، إذ اندلعت الثورة الفرنسية جزئياً بسبب الكلفة الباهظة لدعم المتمردين الأميركيين ضد إنجلترا.
حيث نجح الملك الفرنسي لويس السادس عشر بالفعل في تجريد منافسه الأوروبي اللدود من “جوهرته الاستعمارية”، محققاً انتصاراً جيوسياسياً خاطفاً، لكن ثمن هذا الانتصار كان باهظاً إلى حد الانهيار، إذ أفلست خزينة فرنسا، وانتهى الأمر بالملك بفقدان عرشه وحياته تحت مقصلة الثورة.
وفي نهاية هذا المشهد، كانت الولايات المتحدة هي الرابح الوحيد الذي حصد ثمار الإنفاق الفرنسي.
كما تبقى سلبيات الإنفاق العسكري معروفة جداً، إذ قد يؤدي إلى شحّ الموارد المتاحة للمستهلكين وارتفاع معدلات التضخم، مع توجيه المواد الخام نحو إنتاج الأسلحة بدلاً من السلع الاستهلاكية. كما يزاحم هذا الإنفاق الاستثمارات الأكثر إنتاجية، حيث تلجأ الحكومات إلى الاقتراض من الأسواق المالية لتمويله، مما يرفع كلف الاقتراض على الأسر والشركات.
إلى جانب ذلك، قد يستقطب قطاع الدفاع، العمالة من قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع، مما يضغط على سوق العمل ويرفع الأجور.
هل الحرب مفيدة للاقتصاد؟
ويقول المحلل الاقتصادي والمالي محمد أبو الحسن، في حديث صحفي، إن سؤال “هل الحرب مفيدة للاقتصاد؟” يضعنا أمام الحقيقة الأكثر تعقيداً في العلم الاقتصادي، فالمفارقة الجوهرية هنا تكمن في أن الإجابتين المتناقضتين عن هذا السؤال صحيحتان تماماً في آن واحد، ويرجع ذلك إلى أن تقييم أثر الحرب على الاقتصاد لا يرتبط بمفهوم “الصواب والخطأ” التقليدي، بل يعتمد بشكل أساسي على الإطار الزمني المستخدم لتقييم الوضع.
ويشرح أبو الحسن أنه على المدى القصير والمنظور، لا يمكن لأحد إنكار أن الحرب قد تكون مفيدة للاقتصاد، كونها تعمل كمحفز قسري للنشاط الصناعي، فمثلاً عندما يتم ضخ مئات المليارات من الدولارات لتمويل الحرب، يجب الأخذ في عين الاعتبار أن هذه الأرقام لن تبقى حبراً على ورق، بل تتحوّل إلى طلبات شراء حقيقية لمصانع الصلب، وشركات التكنولوجيا، وشركات النقل، وشركات المعدات الثقيلة وغيرها، مما يؤدي إلى امتصاص البطالة وتحريك عجلة السيولة في الاقتصاد، وهكذا تصبح الإجابة بأن الحرب “محرك للنمو” إجابة دقيقة حسابياً وواقعياً.
ويضيف أبو الحسن إنه في الوقت ذاته، تظل الإجابة القائلة بأن الحرب غير مفيدة للاقتصاد صحيحة أيضاً، لأن النمو الاقتصادي الذي يتم تحقيقه خلال الحرب يقوم على الاستهلاك لا على الاستثمار، فبينما تبني الاستثمارات المدنية جسوراً ومصانع تخدم الاقتصاد لعقود، تُنتج الحرب معدات صُممت لتنفجر أو لتُستهلك في ميدان المعركة، مما يترك وراءه ديوناً سيادية وتضخماً ينهك القوة الشرائية للمواطن العادي، لافتاً إلى أن بعض الدول قد تربح معركة النمو التقني والصناعي خلال الحرب، ولكنها قد تخسر استقرارها المالي طويل الأمد، تماماً كما حدث مع القوى العظمى عبر التاريخ التي سقطت وهي في ذروة قوتها العسكرية.
خداع بصري اقتصادي
ويعتبر أبو الحسن أن هذا التناقض يضعنا أمام مشهد أشبه بالخداع البصري الاقتصادي، حيث نرى ازدهاراً في المؤشرات الصناعية والعسكرية، ولكننا نشعر بوطأة الغلاء والديون في حياتنا اليومية، مما يجعل من “اقتصاد الحرب” حالة فريدة تجتمع فيها أرقام النمو مع الركود المعيشي في آنٍ واحد.
نمو وهمي
من جهتها تقول الصحفية الاقتصادية باتريسيا جلاد، في حديث صحفي، إن النمو الذي تولّده الحروب غالباً ما يكون مشروطاً ومؤقتاً، بل ويمكن اعتباره في كثير من الأحيان نمواً وهمياً، قائماً على إعادة توجيه الموارد لا على خلق قيمة حقيقية مستدامة، فصحيح أن الإنفاق العسكري يخلق طلباً ويُنشّط الاقتصاد ولكنه يفعل ذلك على حساب قطاعات أخرى أكثر إنتاجية على المدى الطويل، مشيرة إلى أنه عندما يتم توجيه رأس المال والعمالة نحو إنتاج الأسلحة بدلاً من البنية التحتية أو التعليم أو التكنولوجيا المدنية، فإن الاقتصاد يخسر فرصاً استثمارية كان من الممكن أن تولّد عوائد أعلى وأكثر استدامة.
دروس التاريخ
وبحسب جلاد فإن التجارب التاريخية تدعم هذا الطرح، فالولايات المتحدة نفسها التي استفادت من الحرب العالمية الثانية، دفعت لاحقاً ثمن حرب فيتنام، عبر موجات تضخم وركود اقتصادي، أما الاتحاد السوفياتي فقد انهار جزئياً بسبب استنزاف موارده في سباق تسلح غير مستدام، وحتى في الحالة الروسية الحالية، فإن الإنفاق العسكري المرتفع قد يمنع الانهيار الفوري، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة في الاقتصاد، مشددةً على أن الحروب تُحدث صدمات واسعة في الاقتصاد العالمي، من اضطراب سلاسل الإمداد إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مما ينعكس سلباً على المستهلكين والشركات، كما أن تمويل هذا الإنفاق عبر الديون يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، مما يضغط على الاستثمار الخاص ويبطئ النمو في القطاعات المدنية.
وتعتبر جلاد أن الاعتقاد بأن الحرب قادرة على صناعة اقتصاد مستدام، يعد واحداً من أخطر الأوهام الاقتصادية على الإطلاق، فالحروب غالباً ما تترك الجسم الاقتصادي منهكاً ومثقلاً بالديون ومشوهاً في بنيته الإنتاجية، وفي نهاية المطاف يبقى الرابح الحقيقي من هذه الدوامة طرفا ثالثا لم يدخل المعركة، حيث يستفيد من الصراع دون أن يتحمل كلفة التدمير أو الاضطراب الناتج عنه.
رويترز




