
رقمنة
ننشر في “رقمنة ” سلسلة مقالات كتبها لنا المدير السابق لدائرة الهندسة والصيانة ومدير دائرة الخدمات العامة في جامعة اليرموك المهندس خالد العلاونة حول ” الابتكار في العمل الحكومي” ننشر اليوم الحلقة العاشرة منها
المهندس خالد العلاونة
في المقال السابق تحدثنا عن أهمية اتخاذ القرار بناءً على البيانات، وكيف تساعد المعلومات الدقيقة الحكومات على فهم الواقع وتحسين الخدمات والسياسات العامة. لكن وجود البيانات وحده لا يكفي دائمًا، فالكثير من الأفكار قد تبدو مقنعة نظريًا، ومع ذلك تحتاج إلى اختبار عملي قبل تطبيقها على نطاق واسع.
هنا يظهر دور ما يُعرف بـ مختبرات الابتكار الحكومي.
مختبر الابتكار ليس بالضرورة مؤسسة كبيرة أو مبنى مستقل، بل هو في جوهره مساحة عمل تسمح بتجربة الأفكار الجديدة على نطاق محدود قبل تعميمها . وتقوم الفكرة الأساسية على اختبار الحلول في بيئة صغيرة وآمنة، بحيث يمكن التعلم من النتائج وتطويرها قبل أن تتحول إلى سياسة عامة أو خدمة تشمل الجميع .
في النماذج التقليدية للعمل الحكومي، كانت كثير من القرارات تُتخذ مرة واحدة ثم تُطبق مباشرة على نطاق واسع . وإذا ظهر خلل في التطبيق، يصبح إصلاحه أكثر صعوبة ويستغرق وقتًا أطول. أما في منهج الابتكار، فيتم اختبار الفكرة أولًا على نطاق محدود، ثم تطويرها وتحسينها بناءً على ما تكشفه التجربة.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا: إذا أرادت جهة حكومية تبسيط خدمة معينة، فقد تبدأ بتجربة المسار الجديد في مركز خدمة واحد أو في مدينة محددة. خلال هذه المرحلة يمكن مراقبة الزمن الذي تستغرقه المعاملة، وعدد المراجعين، والتحديات التي يواجهها الموظفون أو المواطنون. وبعد تحليل النتائج، يمكن تعديل الإجراءات وتحسينها قبل تعميم التجربة على نطاق أوسع .
يشبه هذا النهج إلى حد كبير تجربة النموذج الأولي قبل إنتاجه بشكل كامل. فبدلًا من تطبيق فكرة غير مجربة على ملايين المستخدمين، يتم اختبارها أولًا في نطاق صغير يسمح بالتعلم والتعديل .
كما تتيح مختبرات الابتكار إشراك الأشخاص الذين يعيشون التجربة الفعلية. فالموظفون العاملون في الخط الأمامي للخدمات، إلى جانب المواطنين والمراجعين، يمكنهم تقديم ملاحظات مباشرة حول ما يعمل جيدًا وما يحتاج إلى تحسين. وغالبًا ما تكون هذه الملاحظات العملية أكثر قيمة من أي تحليل نظري.
وقد تبنت العديد من الحكومات حول العالم هذا النهج في تطوير سياساتها وخدماتها. ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال، أُنشئ ما يُعرف بـ “مختبر السياسات” (Policy Lab) داخل الحكومة البريطانية، حيث يعمل على اختبار الأفكار والسياسات الجديدة من خلال تجارب محدودة ومشاركة المستخدمين قبل اعتمادها بشكل رسمي. وقد ساعد هذا الأسلوب على تحسين تصميم عدد من السياسات العامة وجعلها أكثر ارتباطًا بحاجات المواطنين.
وفي مدن أخرى حول العالم، جرى اختبار حلول مبتكرة لتنظيم حركة المرور في شوارع محددة قبل تعميمها، بينما تم في مجالات أخرى تجربة نماذج مختلفة لتقديم الدعم الاجتماعي أو لتنظيم المواعيد في المستشفيات قبل اعتمادها بشكل كامل.
الهدف من هذه التجارب ليس التجربة بحد ذات ذاتها، بل تقليل المخاطر وتحسين جودة القرار. فعندما تُختبر الفكرة أولًا، يمكن اكتشاف المشكلات مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى تحديات أكبر عند التطبيق الواسع.
ومن أهم ما يميز هذا النهج أنه يعزز ثقافة التعلم داخل المؤسسات الحكومية. فالفشل في تجربة صغيرة لا يُعد خسارة، بل فرصة لفهم أفضل وصياغة حلول أكثر فاعلية قبل اتخاذ قرار أكبر.
وهذا يعني أن الابتكار في العمل الحكومي ليس دائمًا أفكارًا ضخمة أو تغييرات جذرية. أحيانًا يبدأ الأمر بخطوة صغيرة وتجربة محدودة، ثم يتطور تدريجيًا إلى تحسين واسع ينعكس أثره على حياة الناس اليومية.
في المقال القادم، سنتناول جانبًا لا يقل أهمية في نجاح الابتكار الحكومي، وهو دور القيادة في بناء ثقافة الابتكار داخل المؤسسات، لأن أي فكرة – مهما كانت جيدة – تحتاج إلى قيادة تؤمن بها وبيئة مؤسسية تسمح لها بالتجربة والنمو .




