الاقتصاد

أوروبا تعيد تموضعها شرقا.. الأردن من هامش الدعم إلى مركز القرار الإقليمي

رقمنة 

عمان- في أجواء حملت طابع الشراكة الإستراتيجية والتفاهم العميق، كشفت مجريات القمة الأردنية الأوروبية الأخيرة عن مستوى غير مسبوق من التنسيق والتفاعل بين الطرفين.

تلك الأجواء تعكس تحول العلاقة بين الأردن والاتحاد الأوروبي من شراكة تقليدية تقوم على المساعدات والتنمية إلى شراكة إستراتيجية شاملة تغطي السياسة، والاقتصاد، والبنى التحتية، والتنمية البشرية، والأمن الإقليمي.

فمجريات القمة أكدت أن العلاقة بين الطرفين تمثل نموذجا للشراكة الإستراتيجية الشاملة، فيما وجهت مجرياتها أيضا رسائل رسمية وضمنية، تشير إلى أن الاتحاد الأوروبي يرى في الأردن شريكا مستقرا وقادرا على القيام بدور محوري في مستقبل المنطقة، بينما يعكس الأردن التزامه بالاستفادة من هذه الشراكة لتطوير بنيته التحتية، وتعزيز استقراره الداخلي، والمساهمة في صياغة حلول للأزمات الإقليمية.

رسائل واضحة للقمة
وحول أهمية انعقاد القمة الأردنية الأوروبية في وقت تعصف فيه الأزمات بالمنطقة، أكد مصدر دبلوماسي دولي، فضل عدم ذكر اسمه، في تصريحات لـ”الغد”، أن التركيز ينصبّ على ضرورة تعزيز الاستقرار الإقليمي، ودعم الاقتصاد الوطني الأردني، وتمكين الأردن من القيام بدور محوري في الربط الإقليمي التجاري والاستثماري، وهو ما يعكس رؤية مشتركة للمستقبل.
وقال المصدر إن الجانبين يسعيان لإرسال رسائل واضحة على مستويات متعددة؛ أولا، تأكيد الاتحاد الأوروبي التزامه طويل الأمد بدعم الأردن ليس فقط كمستفيد للمساعدات، بل كشريك قادر على إدارة الملفات الإستراتيجية التي تمس الأمن والاستقرار في المنطقة.
وثانيا، رسالة الأردن إلى شركائه الأوروبيين، ومفادها أن البلاد مستعدة للاستفادة من هذه الشراكة لتعزيز نموها الاقتصادي وتطوير بنيتها التحتية، وفي الوقت نفسه لعب دورا فاعلا في القضايا الإقليمية المعقدة، من اللاجئين إلى الأمن والتجارة الدولية.
وتمثل العلاقة الأردنية الأوروبية نموذجا متقدما للشراكات الإقليمية متعددة الأبعاد، تجمع بين السياسة والأمن والتنمية الاقتصادية، كما تعكس هذه العلاقة إدراك الطرفين لأهمية الأردن كمركز إستراتيجي، سواء في استقرار المنطقة أو في المشاريع الاقتصادية الكبرى، مؤكدة ضرورة التعاون المستمر لمواجهة التحديات المشتركة وتعزيز فرص التنمية المستدامة على المستويين الوطني والإقليمي.
وتخرج القمة الأردنية الأوروبية بنتائج واضحة تعكس التقدم في تنفيذ الشراكة الإستراتيجية بين المملكة والاتحاد الأوروبي؛ فاللقاء يعكس التزام الأطراف بإبقاء الحوار السياسي مستمرا على أعلى المستويات، ويضع الأردن في مركز المبادرة الإقليمية لتنسيق السياسات والإستراتيجيات المشتركة، وفق المصدر.

محاور الشراكة
بدورها، أكدت مصادر دبلوماسية أن الشراكة الإستراتيجية ترتكز على خمسة محاور رئيسة تمت مناقشتها في القمة المشتركة، وهي تشكل العمود الفقري للشراكة بين الأردن والاتحاد الأوروبي.
ويتعلق المحور الأول بالسياسة، والثاني بالأمن والدفاع بما يشمل التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب والحرب الهجينة والأمن السيبراني، والمحور الثالث يركز على التجارة والتحويل الاقتصادي، والمحور الرابع على التنمية البشرية من خلال التعليم والبحث والابتكار، بينما يختص المحور الخامس بالاستجابة لأزمات اللاجئين والهجرة وتقديم الدعم لأوروبا في هذا المجال.
وخلال القمة، يعرض الطرفان نتائج السنة الأولى من الشراكة لكل محور، مع تحديد أهداف جديدة قابلة للمتابعة والتقييم، وفق المصادر التي أشارت إلى أن الاجتماعات الوزارية المنتظمة والتنسيق المستمر بين القادة يضمن تحقيق تقدم ملموس، وأن الالتزامات السابقة التي تم اعتمادها منذ كانون الثاني (يناير) الماضي، تتحول إلى إجراءات عملية.
وتبرز القمة أيضا التزام الأطراف بتكثيف الاجتماعات السياسية، بما يشمل مشاركة الأردن في اجتماعات شهرية لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التفاعل بين القادة الأردنيين ونظرائهم الأوروبيين على مختلف المستويات، بهدف ضمان متابعة دقيقة للنتائج والاتفاقيات، وتحويل الشراكة إلى عمل يومي وفعلي، وليس مجرد بيانات سياسية.
ففي الملف السياسي الإقليمي الذي يركز عليه الجانبان، بين المصدر أنه ينصبّ في محور القضية الفلسطينية، وخاصة إزاء التأكيد على التزام الأردن والاتحاد الأوروبي بحل الدولتين على أساس حدود 1967، وهو الحل الوحيد المقبول سياسيا وقانونيا دوليا، مدعوما بقرارات محكمة العدل الدولية والممارسات الدولية الراسخة، بالإضافة لدور المملكة الأردنية الهاشمية في رعاية المقدسات.
كما يتم تقييم خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقطاع غزة وواقع تنفيذها، مع الإشارة إلى الصعوبات العملية، بما في ذلك تأخير إنشاء مجلس السلام وقيود حركة المنظمات الإنسانية في غزة، بالإضافة لقيود حرية حركة المدنيين مع ضرورة حماية الحقوق الأساسية.
وأكدت المصادر الدبلوماسية استمرارية الضغوطات الأوروبية على الممارسات الإسرائيلية، مع الإشارة إلى الإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي منذ العام الماضي، مشددة على أن القضية الإنسانية في غزة لا تزال أولوية، وأن استمرار الأزمة الإنسانية يمثل موضوع متابعة حادة في كل من البرلمانات الأوروبية والشوارع العامة، مشدّدين على ضرورة حل الأزمة الإنسانية بطريقة عادلة وغير تمييزية.
وبذلك، ترسّخ القمة الأردنية الأوروبية موقف الأردن كشريك إستراتيجي موثوق للقوى الأوروبية، مع ضمان أن يظل الضغط السياسي والمالي على إسرائيل أداة فعالة لدعم الحقوق الفلسطينية والالتزام بالحلول القانونية الدولية.

سورية ولبنان واللاجئون
وبالنسبة لسورية ولبنان، تركز القمة على الحاجة إلى متابعة الانتقال السياسي والتطورات على الأرض، مع الحرص على أن ترافق السياسة الأوروبية والمبادرات الأردنية هذا الانتقال لضمان استقرار المنطقة.
وفي محور اللاجئين، قال المصدر إن الاتحاد الأوروبي قام منذ العام 2011 بتقديم دعم للأردن قيمته تتجاوز 4 مليارات يورو كمساعدات إنسانية لدعم استجابة الأردن لأزمة اللاجئين السوريين.
أما على صعيد البنية التحتية والمشاريع المائية، فشكل مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه في العقبة، أحد أبرز ملفات التعاون بين الأردن والاتحاد الأوروبي، إذ يمثل هذا المشروع الحيوي شبكة متكاملة تهدف إلى توصيل المياه من المصادر المائية الأساسية إلى المناطق الأكثر احتياجا، ويعكس قدرة الأردن على إدارة موارده الطبيعية ضمن خطة تنموية شاملة.
وأكد المصدر أن التركيز على هذا المشروع يعكس تقدير الاتحاد الأوروبي لدور الأردن في تأمين المياه للمجتمعات المحلية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، ويؤكد حرص الطرفين على تطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بالإضافة لأهمية تنفيذ مشاريع إستراتيجية كبيرة تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.
وذلك الى جانب التأكيد على نجاح مشاريع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، مثل مشاريع المياه والكهرباء والطاقة، والتي أثبتت جدواها.

محور الطاقة
وفي محور الطاقة، لا يزال التركيز على أهمية التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة الشمسية أولوية قصوى، وهو مسار لا يهدف فقط إلى الاستدامة البيئية، بل إلى تقليل اعتماد الأردن على الطاقة المستوردة وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وأشار المصدر إلى أن الأردن يطمح لأن يصبح مركزا إقليميا للطاقة المتجددة، بالتوازي مع التزام الاتحاد الأوروبي بدعم مشاريع الطاقة الشمسية في المحافظات الأردنية، بما في ذلك مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار، ضمن إطار شبكة الطاقة الإقليمية المتكاملة.
وعلى صعيد الاقتصاد والتجارة الدولية، حظي مشروع الربط الإقليمي IMAC باهتمام كبير، حيث يمثل الأردن محورا أساسيا في الربط بين الهند، والخليج، وفلسطين، وسائر دول المتوسط عبر شبكة متعددة من البنى التحتية.
ويؤكد هذا المشروع التزام الأردن بالمشاركة في تطوير شبكات النقل والتجارة التي تعزز دوره كقلب إستراتيجي في المنطقة، كما أظهرت القمة أن الاتحاد الأوروبي يراهن على الأردن لتعزيز هذه الشبكات التجارية، ما ينعكس إيجابيا على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفرص التشغيل في المملكة.

المحور السياسي
وفي المجال السياسي والأمني، وعلى مستوى الملفات الحساسة في سورية وإيران، تولي القمة أيضا أولوية لهذا الملف خلال أعمالها، مع التركيز على دعم الأردن في تعزيز المجال السياسي والأمني، ودعمه أيضا في استمرارية دوره كوسيط في الأزمات الإقليمية.
وتعكس الاجتماعات البعد الإستراتيجي للعلاقة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، الذي يتجاوز التعاون الاقتصادي إلى نطاق جيوسياسي متكامل يشمل الاستقرار والتنمية والقدرة على إدارة الأزمات.
وأيضا؛ أشارت مجريات القمة الأردنية الأوروبية إلى مستوى متقدم من التنسيق الإستراتيجي بين الأردن والاتحاد الأوروبي، حيث دلّ تركيز الطرفين على قضايا متعددة تشمل الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاستجابة للأزمات الإنسانية، على إدراك مشترك لأهمية بناء شراكة طويلة الأمد تتجاوز الدعم التقليدي.
وبحسب المصادر، فإن تركيز القمة على دعم الأردن في المشاريع الكبرى والبنية التحتية المتعددة القطاعات، يدلّ على تقدير الاتحاد الأوروبي لدور الأردن كمركز محوري يربط بين الدول الأوروبية والدول العربية، ويخلق فرصا للنمو الاقتصادي والسياسي والإستراتيجي على حد سواء.
وتأتي القمة الأردنية الأوروبية ضمن سياسة عقد اللقاءات الإستراتيجية كل عامين، لضمان فعاليتها وعدم تكرارها، إذ يمنح هذا الإطار الزمني الحكومات فرصة لتنفيذ التزاماتها بدقة، ويضمن أن تكون الرسائل السياسية قوية ومؤثرة، مع التركيز على الأهداف طويلة المدى وليس الاستجابة الفورية للأحداث الإقليمية، وفق المصادر.
وتكمن الأهمية في القمة المشتركة الحالية، في كون الأردن نقطة الانطلاق لهذه الجولة الإقليمية للقادة الأوروبيين، قبل انتقالهم إلى دول أخرى في المنطقة، في وقت يعكس فيه هذا اللقاء تقدير الاتحاد الأوروبي لمكانة المملكة ويؤكد التزامه بالشراكة مع دول مختارة بعناية مثل الصين والولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة ومصر، مع إعطاء الأردن مكانة متميزة ضمن الشبكة الإستراتيجية للشركاء.
وذلك إلى جانب البعد السياسي، إذ تؤسس القمة لإطار عملي طويل الأمد، يشمل تنسيق السياسات الإقليمية، ودعم الاستقرار، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ترجمة الآمال
وتثبت القمة الأردنية الأوروبية أن الالتزامات الدولية يمكن ترجمتها إلى نتائج ملموسة، وأن التخطيط الدبلوماسي الدقيق يمكن أن يجمع بين الرمزية السياسية والأثر العملي، فيما الأردن اليوم كشريك موثوق وقائد إقليمي قادر على توجيه السياسات المشتركة وتحقيق التوازن بين التطلعات المحلية والإقليمية والدولية.
واقتصاديا، أقر الاتحاد الأوروبي حزمة دعم مالي ضخمة للأردن تشمل مليار يورو كتمويل ميسر، بشروط مرنة، لدعم الاستقرار الاقتصادي والتكيف مع الأزمات.
وهذه الحزمة تأتي ضمن خطة شاملة لدعم مشاريع القطاع العام والخاص، وتشجيع الاستثمار الأوروبي في الأردن، خصوصا عبر شراكات القطاعين العام والخاص، بما في ذلك مشاريع إستراتيجية مثل نظام تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه.
كما سيتم الإعلان عن عقد مؤتمر استثماري رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي والأردن في غضون شهر نيسان (أبريل) المقبل، بهدف جذب المستثمرين الأوروبيين وفتح فرص تجارية واستثمارية جديدة.

المصدر : صحيفة الغد – ايمان الفارس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى