
رقمنة – زياد المومني
في إحدى الزوايا الصامتة داخل الصفوف الدراسية، كان هناك أطفال يحاولون عبور المسافة بينهم وبين العالم ؛ أطفال لا تنقصهم الأحلام ، بل تنقصهم فقط أدوات تمنحهم فرصة عادلة للفهم والتفاعل والشعور بأنهم جزء من المكان.
هذا المشهد ظلّ عالقًا في ذهن الريادية الأردنية ملاك المشاقبة، حتى قررت أن تحوّل التكنولوجيا من رفاهية رقمية إلى يدٍ تمتد نحو هؤلاء الأطفال، فأنشأت مشروع “أويا OIA” القائم على تقنيات الواقع الافتراضي، في محاولة لصناعة تعليم أكثر إنسانية واحتواءً ، وبينما كان كثيرون ينظرون إلى التكنولوجيا كأداة للسرعة، كانت هي تراها وسيلة لإبطاء العالم قليلًا كي تمنح طفلًا آخر فرصة للحاق به.
جائزة حملت معنى التغيير
هذا الإيمان بالتكنولوجيا الإنسانية قاد المشاقبة مؤخرًا للفوز بالجائزة الثانية من مسابقة “ملهمة التغيير 2026” التي أطلقتها ” اورنج الاردن ” بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، وبدعم من كابيتال بنك وبالتعاون مع جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات “إنتاج”، تقديرًا لمشروعها “OIA” الذي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الطفل والتعليم باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) في تعليم الأطفال ذوي الإعاقة بطرق تفاعلية ومبتكرة،
من البحث العلمي إلى مشروع يحمل رسالة إنسانية
لم تولد فكرة “أويا” داخل شركة تقنية كبرى أو مختبر متطور، بل بدأت خلال رحلة أكاديمية خاضتها ملاك أثناء دراسة الماجستير في علم النفس التربوي – القياس والتقويم، حيث تابعت عن قرب التحديات التي يواجهها الطلبة داخل البيئات التعليمية التقليدية، ولا سيما الأطفال ذوو الإعاقة الذين غالبًا ما يجدون أنفسهم خارج دائرة التفاعل الكامل بسبب محدودية الوسائل التعليمية التقليدية، واختلاف احتياجاتهم الفردية.
وخلال تلك المرحلة، تشكّلت لديها قناعة واضحة بأن التعليم الدامج لا يمكن أن يتحقق بصورة حقيقية دون أدوات تعليمية مرنة تراعي الفروق الفردية، وتمنح كل طفل فرصة للتعلّم وفق قدراته الخاصة.
أسئلة صغيرة صنعت فكرة كبيرة
تقول المشاقبة .. من هنا بدأت أسئلة غيّرت مسار المشروع:
كيف يمكن تحويل التعليم من عملية تلقين جامدة إلى تجربة تفاعلية حسية؟
وكيف يمكن لطفل من ذوي الإعاقة أن يشعر بأنه جزء حقيقي من الصف، لا مجرد متلقٍ للمعلومة؟
وهل يمكن للواقع الافتراضي أن يصبح وسيلة لبناء بيئة تعليمية أكثر شمولًا واستدامة؟
هذه الأسئلة لم تبقَ داخل إطار البحث الأكاديمي، بل تحولت تدريجيًا إلى مشروع يجمع بين التكنولوجيا وعلم النفس والتصميم التعليمي، بهدف تطوير تجارب تعليمية وعلاجية قائمة على الواقع الافتراضي، تساعد الأطفال على التفاعل والتعلّم بصورة أعمق وأكثر استقلالية.
التكنولوجيا حين تقترب من الإنسان
وتؤمن ملاك المشاقبة بأن التكنولوجيا لا ينبغي أن تُستخدم فقط لإبهار المتعلم، بل لتوفير بيئات تعليمية عادلة، خصوصًا للأطفال الذين يحتاجون إلى أساليب تعلم مختلفة تتناسب مع قدراتهم الحسية والإدراكية والسلوكية.
ومن خلال “أويا”، تعمل على تصميم بيئات افتراضية تفاعلية تمكّن الأطفال من خوض التجربة التعليمية بأنفسهم، عبر التفاعل البصري والسمعي والحركي، بما يجعل المفاهيم أكثر قربًا من واقع الطفل وأسهل فهمًا واستيعابًا، ويسهم في تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالاندماج داخل الصفوف الدراسية.
فالطفل الذي قد يواجه صعوبة في فهم المفاهيم المجردة داخل الصف التقليدي، يمكنه عبر البيئة الافتراضية أن يعيش التجربة بنفسه ويتفاعل مع المحتوى بصورة أكثر عمقًا وحرية، الأمر الذي يجعل التعلّم أقرب إلى واقعه وأكثر قابلية للفهم.
تعليم يرى الفروق الفردية ويحتضنها
كما تتيح البيئات الافتراضية للمعلمين تصميم خبرات تعليمية تراعي أنماط التعلم المختلفة والفروق الفردية، وهو ما يشكّل أحد المرتكزات الأساسية للتعليم الدامج المستدام، القائم على توفير فرص تعليم متكافئة لجميع الطلبة دون استثناء.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما تؤكده الأدبيات التربوية الحديثة، إذ تشير دراسات منشورة في مجلة Frontiers إلى أن تقنيات الواقع الافتراضي تسهم في تحسين التفاعل والتحصيل والدافعية لدى المتعلمين، خاصة في البيئات التعليمية القائمة على التجربة والمحاكاة.
كما أوضحت أبحاث صادرة عن National Institutes of Health أن تقنيات الواقع الافتراضي أظهرت نتائج إيجابية في دعم بعض الجوانب العلاجية والسلوكية والإدراكية لدى الأطفال، إضافة إلى دورها في تعزيز المهارات الاجتماعية والتواصلية في بعض البرامج التأهيلية.
أكثر من مشروع… رسالة لطفل يبحث عن مكانه
وفي الختام، لم تكن رحلة ملاك المشاقبة مجرد محاولة لتطوير مشروع تقني ناشئ، بل كانت محاولة لإعادة تعريف معنى أن يكون التعليم حقًا للجميع. فخلف نظارات الواقع الافتراضي والشاشات الذكية، هناك طفل يبحث عن فرصة ليفهم العالم بطريقته، وأن يُسمع صوته دون أن يشعر بأنه مختلف أو مُستبعد.
ومن هنا، فأن “أويا OIA” أكثر من مجرد ابتكار؛ إنها رسالة تقول إن التكنولوجيا تصبح أكثر جمالًا حين تقترب من الإنسان، وأكثر قيمة حين تُستخدم لتمنح طفلًا واحدًا شعورًا بسيطًا لكنه عظيم: أنه قادر، ومقبول، وله مكان يستحقه في هذا العالم.




