الاقتصاد

مع تراجع الملاحة في هرمز…. تهديدات الحوثي تضاعف كلف التأمين في البحر الأحمر

رقمنة

تشهد طرق التجارة البحرية في الشرق الأوسط تصاعدًا جديدًا في مستويات المخاطر، مع ارتفاع تكاليف التأمين على السفن في البحر الأحمر وتراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز، في تطورات تعكس حجم الضغوط التي باتت تواجه أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.

 ويأتي ذلك في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة، التي دفعت شركات الشحن والمستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، وسط تحذيرات من انعكاسات قد تمتد إلى أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية.

وقفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة للبحر الأحمر إلى نحو 0.75% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 0.3% قبل إعلان جماعة الحوثي تهديدات جديدة بفرض حصار بحري يستهدف السعودية. ويعكس هذا الارتفاع الحاد زيادة تكلفة تشغيل السفن التجارية وناقلات النفط، إذ أصبحت شركات الشحن مطالبة بدفع مبالغ أكبر لتغطية المخاطر المرتبطة بالإبحار في المنطقة.

وازدادت المخاوف بعد تحذيرات شركة الأمن البحري Ambrey من ارتفاع مستوى الخطر الذي يواجه السفن التي ترفع العلم السعودي، إضافة إلى السفن القادمة إلى الموانئ السعودية أو المغادرة منها عبر البحر الأحمر. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل اعتماد شركة أرامكو السعودية بصورة أكبر على ميناء ينبع على البحر الأحمر منذ فبراير/شباط 2026 لإدارة جزء من صادراتها النفطية، ما يجعل أي اضطراب في هذا المسار ذا تأثير مباشر على حركة الإمدادات.

ولا تقتصر التداعيات على ارتفاع تكاليف التأمين فحسب، بل تمتد إلى مستقبل حركة التجارة العالمية. فالبحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والسلع بين الشرق والغرب، وأي تعطيل لحركة الملاحة قد يؤدي إلى إرباك صادرات النفط الخليجية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، مع تقديرات تشير إلى أن إغلاق هذه الممرات قد يخفض الإمدادات العالمية من النفط بنسبة تصل إلى 7%.

وحتى في حال استمرار الملاحة، فإن ارتفاع أقساط التأمين ورسوم الشحن سيزيد من الأعباء التشغيلية على شركات النقل والتجار، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار الطاقة والسلع.

وتأتي هذه التطورات في وقت بدأت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز تشهد تباطؤًا ملحوظًا، مع إحجام عدد من شركات الشحن عن عبور المنطقة بسبب تصاعد المخاطر الأمنية.

ويعد المضيق أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ تمر عبره قرابة 20% من تجارة النفط العالمية، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يوميًا، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، خاصة من قطر والإمارات، ما يجعل أي اضطراب فيه قادرًا على التأثير السريع في أسواق الطاقة الدولية.

ويبلغ عرض مضيق هرمز في أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا فقط، الأمر الذي يجعله نقطة اختناق بحرية استراتيجية تعتمد عليها صادرات الخليج إلى الأسواق العالمية، خصوصًا آسيا. ولهذا السبب تراقب الأسواق عن كثب أي تغير في أعداد السفن العابرة أو في تكاليف الشحن، باعتبارها مؤشرات مبكرة على احتمال تعطل الإمدادات.

ومع تصاعد التوترات، ارتفعت أيضًا أسعار استئجار الناقلات البحرية، بينما فرضت شركات التأمين رسومًا إضافية لعبور المضيق. وأصبحت شركات الشحن تواجه معادلة صعبة بين استمرار عملياتها التجارية وتحمل المخاطر المتزايدة التي تهدد السفن وأطقمها.

وفي مؤشر واضح على حجم المخاطر، كشفت وكالة بلومبرغ أن إحدى أكبر شركات تشغيل ناقلات النفط العملاقة، Sinokor Group، عرضت على البحارة راتبًا إضافيًا يعادل ستة أشهر مقابل تنفيذ رحلة تستغرق نحو شهر لعبور مضيق هرمز لنقل النفط من السعودية أو العراق إلى خليج عُمان.

ويعكس هذا العرض حجم الصعوبات التي تواجهها الشركات في إقناع أطقم السفن بالعمل في منطقة باتت توصف بأنها من أخطر الممرات البحرية في العالم.

وتأتي هذه الحوافز المالية بعد سلسلة هجمات استهدفت السفن التجارية في الخليج ومحيطه منذ اندلاع المواجهات العسكرية أواخر فبراير/شباط، حيث تعرضت 59 سفينة تجارية لهجمات مختلفة، أسفرت عن مقتل 17 بحارًا وفق بيانات المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة. ورغم المكافآت الكبيرة، لا يزال عدد من البحارة يرفضون الإبحار عبر المضيق، مفضلين تجنب المخاطر على الحصول على العوائد المالية.

ويشير ما تشهده أسواق الشحن إلى أن شركات الملاحة لا تنتظر إغلاق الممرات البحرية حتى تتخذ إجراءاتها، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر أو تصاعد التهديدات العسكرية لتبدأ بإعادة تقييم رحلاتها، وتأجيل بعضها أو تغيير مساراتها، وهو ما ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والتأمين وسرعة وصول الشحنات.

وتبدو هذه المعادلة واضحة اليوم مع الارتفاع الحاد في أقساط التأمين على السفن العابرة للبحر الأحمر عقب تهديدات الحوثيين، بالتزامن مع تباطؤ حركة السفن في مضيق هرمز مع تزايد مخاوف شركات الشحن من الإبحار في منطقة تشهد توترات متصاعدة.

وتكشف هذه التطورات أن الممرات البحرية الرئيسية في الشرق الأوسط تواجه ضغوطًا متزامنة؛ ففي الوقت الذي يرفع فيه التهديد في البحر الأحمر كلفة العبور عبر باب المندب، يدفع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز بعض شركات الشحن إلى تقليص رحلاتها أو المطالبة بعوائد أعلى مقابل مواصلة العمل. ويزيد هذا الواقع من الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا أن البحر الأحمر ومضيق هرمز يمثلان معًا شريانين رئيسيين لتدفق النفط والغاز والسلع بين الخليج وآسيا وأوروبا.

لذلك، تترقب أسواق الطاقة وشركات الشحن تطورات المشهد الأمني في المنطقتين باعتبارهما العامل الأكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية. فأي تصعيد إضافي أو استمرار لارتفاع تكاليف التأمين وتراجع حركة الملاحة قد يرفع تكاليف النقل البحري، ويزيد الضغوط على أسعار النفط والسلع، ويؤثر في خطط الإمداد لدى الشركات والدول التي تعتمد على هذه الممرات الاستراتيجية لنقل صادراتها ووارداتها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى